شرح مسائل الجاهلية  115

شرح مسائل الجاهلية 115

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 115، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تكذيب أهل الجاهلية لما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر

المؤلف يبين تكذيب أهل الجاهلية ببعض اليوم الآخر ويستدل بآيات قرآنية على ذلك. يشرح تكذيبهم ليوم الدين والحساب ويبين معنى يوم الدين وأنه يوم الحساب والجزاء.

تفسير آية مالك يوم الدين ودلالتها على ملك الله يوم القيامة

يفسر آية 'مالك يوم الدين' من سورة الفاتحة، موضحًا أن الملك يوم القيامة لله وحده. يبين أن ملك الله في الآخرة أظهر من ملكه في الدنيا وأن الكافر لا ينفعه إلا عمله الصالح.

شروط النطق بكلمة التوحيد وأهمية العلم والاعتقاد

يتحدث عن شروط النطق بكلمة التوحيد، حيث يشترط العلم بها وعقيدة صادقة. يُبرز أهمية الاعتقاد والشهادة بحق كجزء من الإيمان مستشهدًا بالآية الكريمة ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسعة بعد المئة، التكذيب ببعض ما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر، كما في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾، ومنها التكذيب بقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾، وقوله: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾، وقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾. هذه الفقرة، إخواني في الله، وهي التي سطرها بقوله: التكذيب ببعض ما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر، هي شبيهة بفقرة قد سبقت، وما يتعلق باعتقاد أهل الجاهلية ومن سلف من الأمم الماضية، والتي خلت عن الإيمان باليوم الآخر، وكيف أنهم جحدوا ذاك اليوم وأنكروه، وكذلك كذبوه، وأدل على ذلك كثيرة، لكن في هذه الفقرة ما الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى؟ أراد مسألة أخص، أراد مسألة أخص، وهو أن الكفر باليوم الآخر يدخل في ذلك بالجملة، لكن هنا نبه على مسألة وهي دون ذلك. كما أن الكفر باليوم الآخر يعتبر كفر، ومن خصائص أهل الجاهلية أيضًا الكفر ببعض اليوم الآخر يعتبر أيضًا كفر، هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، أن ذلك من خصائص أهل الجاهلية، فلا تظن، عبد الله، أن أهل الجاهلية كان من عقيدتهم أنهم كفروا باليوم الآخر جملة وتفصيلًا، هذا يوجد وهذا موجود، لكن أيضًا من اعتقاد أهل الجاهلية أنهم يؤمنون ببعض اليوم الآخر ويكفرون ببعض، يوجد هذا منهم، في بعض الأشياء من اليوم الآخر يؤمنون به ويعتقدون به، وبالمقابل هناك أشياء من اليوم الآخر جحدوا وكذبوا، وهم على هذه المثابة، وهو الإيمان ببعض والكفر ببعض اليوم الآخر، كذلك جعلهم في عداد الكفرة. إذن المؤلف رحمه الله تعالى في الفقرة السابقة، التكذيب باليوم الآخر، أراد أن يبين أن من خصائص أهل الجاهلية أنهم كفروا بالبعث والحشر والنشور والنفخ في الصور، كفروا باليوم الآخر جملة وتفصيلًا، هذا منهم، ويوجد منهم طائفة من أهل الجاهلية من لربما يؤمن ببعض اليوم الآخر ويكفر ببعض، وهذا أيضًا قد وجد، وهذا من خصائص أهل الجاهلية، وهذا كان منهم كفر. وهنا أورد المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة الدالة على ذلك، فقال رحمه الله تعالى: كما في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾، هذه الآية مطلعها: ﴿قل هل ينبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم﴾. طيب، هذه الآية مما يفيد فهمها على وجهها ما جاء في البخاري أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه سئل عن هذه الآية: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا﴾، قيل: أهم الحرورية الخوارج؟ أي هذه الآية تتنزل فيهم، يعملون أعمالًا ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فقيل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أهم الحرورية الخوارج؟ قال: لا، قال: بل هم اليهود والنصارى، فقال رحمه الله تعالى: فأما اليهود فكذبوا محمدًا، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. وهذا الشاهد إذن ناسب المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر هذه الآية، وهي في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾، تنزلت على اليهود وتنزلت على النصارى، وجه أن النصارى كفروا بلقاء الله، وجه أن النصارى كفروا باليوم الآخر، معهم يقولون بالبعث، يقولون بالحشر، يقولون بالحساب، يقولون بالجزاء، بل يقولون بالجنة، لكنهم أنكروا هذه الجزئية، قالوا: إن نعيم الجنة لا طعام فيها ولا شراب، ومع ذلك جعلهم الله في عداد الكفر: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾. إذن هذا من المناسب، ناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، والذي يعين على فهمها ما جاء في البخاري من قول سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أنه حكى عن النصارى أنهم ما عندهم قد آمنوا باليوم الآخر إلا أنهم كفروا بهذه الجزئية، وأن أهل الجنة يتمتعون بغير طعام ويتمتعون بغير شراب، وهذا بخلاف ما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى أن أهل الجنة لهم من المطاعم لهم من المشارب يتمتعون كيف شاء ربنا سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومنها التكذيب بقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾، أيضًا من خصائص أهل الجاهلية، ومن الإيمان ببعض اليوم الآخر والكفر ببعضه، ما كان منهم من تكذيبهم بقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾، مالك يوم الدين هذه صفة لله سبحانه وتعالى، صفة لله سبحانه وتعالى، ويوم الدين هو يوم القيامة، وما معنى الدين؟ الدين، إخواني في الله، في اللغة يأتي بعدة معانٍ، تارة يأتي الدين بمعنى العمل: لكم دينكم ولي دين، أي لكم عملكم ولي عملي، فالدين بمعنى العمل، كما تدين تدان، كما تعمل تجزى. وأيضًا يأتي الدين بمعنى العادة، العادة الذي يلازم عليها العبد، العادة الذي يلازم عليها الإنسان، كما في قولهم: هذا ديدنه، أي هذه عادته وطبعه الذي التزمه، ومنه سمي الدين دينًا، أي شرائع، لأن الإنسان يلتزمها فتكون من طبعه وتكون من هده وسمته. وأيضًا يأتي الدين بمعنى الحساب والجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، أي محاسبون، فالدين بمعنى الجزاء والحساب، وهذا الذي يفسر به هذه الكلمة في هذا الموطن، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾، أي يوم الحساب ويوم الجزاء، لأن يوم القيامة يحاسب به ربنا سبحانه وتعالى العباد ويجازيهم على أعمالهم خيرًا فخير وشرًا فشر. فقال سبحانه: ﴿مالك يوم الدين﴾، أي أن الله سبحانه وتعالى هو مالك يوم الحساب، ومعنى على هذا الكلام وعلى هذا التفسير، وفي ذكر المؤلف هذه الآية في هذا الموطن، بمعنى أن من أهل الجاهلية ومن أهل الكفر من أنكر الحساب وأن الله لا يحاسب العباد، وهذا يمكن وهذا متوقع، بل هذا قد صدر من طائفة من أهل الكتاب ومن أهل الجاهلية. فبعض أهل الكفر بل حتى بعض الأهل الكتابيين ممن يقول بالبعث والنشور، لكن يرى أن الله ما سيحاسبهم، بأن الله ما سيحاسبهم، كما تدعي اليهود بأنهم شعب الله المختار وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله إذا رآهم مررهم جميعًا إلى الجنة، لا يحاسبهم ولا يجازيهم على أعمالهم. وكان كذلك من أهل الكفر من يظن أن الشرف في الدنيا يقابله شرف في الآخرة، من كان سيدًا في الدنيا وهو سيد في الآخرة، فيرون كان من اعتقاد أهل الجاهلية أن أصحاب النفوذ وأصحاب الرئاسة وأصحاب المناصب والزعامة أن هؤلاء يدخلون الجنة مباشرة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبة، صاحب الجنة، بما أن الله أعطاه جنة في الدنيا سيعطيه جنة في الآخرة، ما يرون أن هناك حساب، أن الله ما سيحاسبهم، دليل على أن الله قد أعطاهم في الدنيا سيعطيهم في الآخرة. فبعضهم يرى أن هناك لئن رجعت إلى ربي، فيؤمنون بالبعث لكن ينكرون الحساب، أن الله ما سيحاسبهم، وإن الله سيدخلهم مباشرة إلى الجنة، فكان منهم من لربما يؤمن بالبعث لكن ينكر الحساب، وأن الله سبحانه وتعالى سيقسم العباد على حسب الأنساب وعلى حسب العشائر وعلى حسب القبائل وعلى حسب النفوذ، فهؤلاء لهم الجنة، وأما من كان من أهل القلة ومن أهل الذلة ومن كان من الفقراء البسطاء فهؤلاء من أهل النار. فهذه القائفة كانوا يرون أنه لا حساب يوم القيامة عليهم، وكل بماذا بما يظن من أمره، فقال رحمه الله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾، بمعنى مالك يوم الحساب، هنا تأتي مسألة، فهذه الصفة لله سبحانه وتعالى، أن من صفة الله أنه مالك يوم القيامة، أليس ربنا سبحانه وتعالى كذلك هو مالك يوم القيامة ومالك يوم الدنيا؟ بلى، ربنا مالك لهذا ومالك لتلك، مالك للدار الأولى ومالك للدار الآخرة. لكن قد يقال: لماذا ربنا سبحانه وتعالى في الفاتحة حصر الملك لأمر الآخرة؟ قال العلماء: إن ملكه في الآخرة أظهر، وملكوته في يوم القيامة أوضح، لا أحد يزاحمه ربنا جل وعلا في ملكه في الدنيا، قد زاحمه كثير من عباد الله من الكفرة، من المشركين، يوجد من ملوك الدنيا من زاحم الله ويرى أن الدنيا تحت يده، وأن ملك الدنيا بيده، بل هناك من الشعوب من الملاحدة من لا يرون لا ملك في الدنيا إلا ملكهم، كالشيوعية، لا خالق، لا رازق، الملاحدة يرون أنهم المالك الدنيا. فربنا في ملكوت الدنيا قد زاحم من بعض الفسقة، من بعض الكفرة، لكن في الآخرة لا أحد يزاحم الله سبحانه وتعالى، ولهذا إذا حشر ربنا جل وعلا العباد يقول سبحانه وتعالى: لمن الملك اليوم يوم القيامة؟ فلا أحد يجيبه، لا أحد يجيبه، فيقول سبحانه وتعالى: لله الواحد القهار، فملك الله سبحانه وتعالى يوم القيامة أظهر وأوضح، وإلا فإن ملك الله في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا هناك قراءة سبعية أخرى: ﴿ملك يوم الدين﴾، و﴿مالك يوم الدين﴾، هذه قراءة وهذه قراءة، وتحت ذلك مبحث طويل ذكره العلماء في باب القراءات، أيهما أبلغ: ﴿مالك يوم الدين﴾ أم ﴿ملك يوم الدين﴾؟ من من قال أن ﴿مالك﴾ أبلغ من ﴿ملك﴾؟ ومن من قال أن ﴿ملك﴾ أبلغ من ﴿مالك﴾؟ ومنهم من رأى التفصيل، كما قال ذلك ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى، ومنهم من يرى التدقيق والتحقيق كغيرهم كالشوكاني، وهذا مسألة طويلة يمضونها في كتب المطولات. الحاصل، إخواني في الله، أن في هذه الآية كذلك دلالة على أن من أهل الكتاب ومن أهل الجاهلية من لربما يؤمن ببعض اليوم الآخر، يؤمن بالبعث والنشر، لكن بالمقابل يكفر بالحساب، وهذا كذلك لا يخرجه من عداد الكفرة، فإنه ممن كفر بلقاء الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾، كذلك، وهذا بيان رجع لمن يعتقد من الكفرة أنه إذا بعث عند ربه سبحانه وتعالى أنه بإمكانه بماله أنه يشتري الأعمال الصالحة، أو أنه عن طريق إخوانه وخلانه يمكن أن يدخل الجنة، أو أنه عن طريق الشفاعة بآلهته وبأنداده يمكن أن يدخل إلى رضوان الله سبحانه وتعالى. فأخبر ربنا سبحانه وتعالى أن الكافر لا ينفعه إلا عمله الصالح، الكافر، بل كل إنسان لا ينفعه إلا عمله الصالح، ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: وقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾، وهذه الآية الأخيرة هي في الحقيقة تتمة للآية الثالثة. إلا من شهد بالحق، معنى بالحق؟ إلا من شهد بلا إله إلا الله، فسرها أهل التفسير الحق بكلمة التوحيد، إلا من شهد بلا إله إلا الله، فإن ذلك هو الذي ينتفع ينتفع بالشفاعة، فإن الشفاعة جعلها ربنا سبحانه وتعالى لأهل التوحيد، وهذه من فضائل التوحيد، ومن مكرمة الله سبحانه وتعالى للموحدين، أن الله سبحانه وتعالى يجعلهم ممن ينتفعون بشفاعة الشافعين، ولو كان مذنبًا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «جعلت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، فلو كان الموحد موحدًا مع فسقه وفعصيانه، فإنه كذلك سينتفع بإذن الله بشفاعة الشافعين، إن كان موحدًا حقًا وصدقًا لربه سبحانه وتعالى. وليس فقط تنتفع بهذه الكلمة، لا، يا عبد الله، لابد أنك تلتزم بشروطها، ومنها ما جاء مصرحًا به في هذه الآية: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾، أي مع العلم بهذه الكلمة، وكذلك عن عقيدة، لأن الله يقول: ﴿إلا من شهد﴾، والشهادة من مستلزماتها الاعتقاد بما تنطق به. فهذه، إخواني في الله، مسائل متعلقة بهذه الفقرة، عن حال جماعة من أهل الكفر ومن أهل الجاهلية، أنهم آمنوا ببعض اليوم الآخر وكفروا ببعض الآخر، ومع ذلك كان ذلك من خصائصهم، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.