شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 5

الدرس في شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 5، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

كرامات الصحابة: إضاءة العصا وحماية الأسرى

يسرد المقطع كرامات لصحابة كعباد بن بشر وأسيد بن حضير حيث أضاءت عصاهما في الظلام، ولخبيب بن عدي وعاصم بن ثابت بحماية إلهية ورزق معجز في الأسر. يؤكد أن كرامات الأولياء حق ثابت بالكتاب والسنة تُمنح للصالحين المتبعين للسنة ولا تخالف الشرع.

استجابة دعوات الصحابة وكراماتهم المتنوعة

يذكر المقطع استجابة دعوة سعد بن أبي وقاص على كاذب، ودعوة سعيد بن زيد التي أعمت امرأة وماتت، ودعاء النبي لأبي هريرة بالحفظ. كما يروي كرامات العلاء بن الحضرمي في المشي على الماء واستسقائه، ورؤية ثابت بن قيس في المنام، وقوة سفينة مولى النبي.

كرامات التابعين وثمرات الاستقامة

يتناول المقطع كرامات سفينة مولى النبي، وأنس بن النضر، وأويس القرني كدليل على الاستقامة والعمل الصالح والثقة بالله. ويشير إلى أن أعظم كرامة هي دوام الاستقامة على شرع الله، وأن الصالحين يزدادون تواضعاً عند حصول الكرامات.

الختام بالدعاء والحمد لله

يختتم المتحدث كلامه بالدعاء إلى الله بالتوفيق والهداية والسداد، ويختم بالحمد لله رب العالمين. يعكس هذا الختام روح التواضع والشكر بعد ذكر الكرامات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير كانا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ليلة ظلماء حندس، يعني شديدة الظلمة. قال العيشي: يعني شديدة الظلمة. فلما خرجا من عنده أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهم الطريق أضاءت عصا الآخر حتى بلغا منازلهما. وهذا الحديث قد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في مناقب الأنصار. فهذه الكرامة التي حصلت لهذين الصحابيين الجليلين عباد بن بشر وأسيد بن حضير. وعباد بن بشر في الصحابة ثلاثة: هم ابن وقش، وهو هذا عباد بن بشر ابن وقش، وهو صاحب هذه الكرامة، وهناك آخران ممن اسمهم عباد بن بشر، وهم: عباد بن بشر ابن قيضي، وعباد بن بشر ابن نهيك. وأما أسيد بن الحضير فهو ابن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي، ويكنى أبا يحيى لأن له ولداً اسمه يحيى، وقد مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه سنة عشرين هجرية. وكرامات الأولياء حق، وتحصل لذلك الولي بسبب اتباعه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعمله الصالح، والله عز وجل يكرم من يشاء من عباده. ولا يختار ذلك الولي الكرامة من تلقاء نفسه، وإنما بثقة بالله سبحانه وتعالى وما عليه من العمل الصالح واتباع السنة قد تحصل له تلك الكرامة، إما بدعاء وإما من غير دعاء، بعمل صالح يعمله فيكرمه الله سبحانه وتعالى، ويرى الناس تلك الكرامة بأم أعينهم تحصل لهذا الشخص. فكرامات الأولياء ينبغي الإيمان بها، كرامات الأولياء ثابتة بالكتاب والسنة، وقد حصلت الكرامات لعديد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته حصلت كذلك لكثير من التابعين وأتباع التابعين، بل قد يقال إلى يومنا هذا، والله عز وجل يكرم من يشاء من عباده. لكن ليس في الكرامة ما يخالف الكتاب والسنة، أو أن ذلك الشخص يعمل بالمعاصي وغير متبع للسنة، وإنما تحصل للأخيار للصالحين. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. وفي الصحابة عدد منهم قد حصلت لهم الكرامة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذلك قصة خبيب بن عدي وعاصم بن ثابت رضي الله عنهما، عندما بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه. فلما كانوا في الطريق وصلوا إلى حي من أحياء العرب، وكان ذلك الحي من المشركين، بعثوا لهم نحو مئتي رجل فارس وأحاطوا بهم وأخذوهم بالقوة. فأما عاصم فقال: إني لا أنزل في ذمة مشرك، فقاتله وسبعة من أصحابه حتى قتل رضي الله عنه، وأسروا البقية بعدما قالوا لهم: نعطيكم الأمان. وهؤلاء هم بنو لحيان، حي من العرب من هذيل. عاصم لما كان يقتل قال: اللهم أبلغ عنا نبيك. في تلك اللحظة قال: اللهم أبلغ عنا نبيك، لأنهم كانوا بعيدين من النبي صلى الله عليه وسلم، خرجوا باتجاه مكة. اللهم أبلغ عنا نبيك، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ما حصل لهؤلاء الأخيار الصالحين، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقصتهم وأنهم قد قتلوا واستشهدوا في سبيل الله. فهذه تعتبر كرامة: اللهم أبلغ عنا نبيك، فأبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضاً لما أسر خبيب رضي الله عنه في هذه الحادثة وأخذوه وباعوه لقريش، وكان خبيب رضي الله عنه قد قتل الحارث بن عامر، فأخذوه، ابن الحارث أخذوه واشتروه لأنه قتل أباهم في يوم بدر، فأوثقوه ووضعوه في الأغلال، وحبسوا عندهم حتى يأتي معاد القتل. فكانت ابنة الحارث تدخل على خبيب فترى عجباً، ماذا ترى؟ ترى عند خبيب وهو موثق في الأغلال ترى عنده عنب، ترى عنده قطف من عنب وثمر. تقول: والله ما كان في مكة من ثمر، ليس هناك في مكة من ثمر، فأين يأتيه هذا الثمر؟ من الذي يأتي بهذا الثمر؟ هذه كرامة، كرام الله عز وجل بها خبيباً وهو في السجن في الأسر، يأتيه الله عز وجل بذلك العنب والثمر أو الثمر فيأكل منه رضي الله عنه وأرضاه. ولما أخرجوه إلى الناس موثقاً طلب منهم أن يصلي ركعتين لله عز وجل وتجوز فيهما، وقال: لولا أنكم تظنون بي أني أخاف الموت وإلا لأطلتهما. قال الراوي: فكان أول من سن الركعتين عند القتل صبراً، يعني عندما يحبس الشخص ويوثق في الأغلال ويقتل صبراً. ثم قال تلك الأبيات المشهورة: ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزعي انظروا إلى هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه، ما هاب الموت وما خاف الموت، فقتلوه رضي الله عنه وأرضاه. ثم أولئك الذين قتلوا عاصماً، الأقوام أرادوا من قريش أرادوا أن يمزقوا لحمه ويقطعوه، ما كفاهم أنهم قتلوه بل أرادوا أن يقطعوا لحمه. قال: فبعث الله عز وجل عليه ظلاً من الدبور، يعني من هذه الحشرات اللاسعة، من الدبر، هذه حشرة قوية، ظلة يعني لجسة واحدة، ولا مئة، ولا ألف، كم ستعدها؟ ظلة كاملة كبيرة، وظللت عاصماً، فما استطاعوا أن يصلوا إلى لحمه لأنهم خافوا من هذه الدبر، فحماه الله جل وعلا. وهذه كرامة حتى بعد موته، حماه الله عز وجل من أن ينالوا ويقطعوا لحمه. فهذه ما حصلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كرامة لهذين الصحابيين الجليلين خبيب بن عدي وعاصم بن ثابت الأنصاريين رضي الله تعالى عنهما. كذلك ما حصل في قصة عمر بن الخطاب، وما أدراك ما عمر، أمير المؤمنين أبو حفص، حصلت له تلك الكرامة العظيمة عندما دعا الله: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وفي بلد رسولك. هذه دعوة استجاب الله عز وجل دعاء أمير المؤمنين، فقتله ذلك المجوسي، من هو؟ أبو لؤلؤة المجوسي، قتل عمر رضي الله عنه وهو يصلي، وهو يصلي الفجر، فطعنه رضي الله عنه وأرضاه، ونال الشهادة، ونال الشهادة وكانت في بلد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومناقبه كثيرة أشهر من أن تذكر في مقام واحد. ومن أولئك الصحابة الأخيار الأبرار الذين حصلت لهم الكرامات: سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، عندما شكوا سعداً إلى عمر بن الخطاب، وهم أهل الكوفة، وكان أميراً عليها، شكوا إليه أنه ما يحسن يصلي. هذا الذي تعلم من الرسول عليه الصلاة والسلام، ليست مرة ولا مرتين، شهد الصلاة، وإنما مراراً وتكراراً، شهد الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام وسنوات طويلة، وجاهد وغزا مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يقولون: ما يحسن يصلي. فسأله عمر، يريد أنه يفضح حوله، قال: كيف أنت تصلي يا أبا إسحاق؟ قال: أما إني أركد في الأولين وأخفف في الأخريين، يعني أني أطيل في الركعتين الأوليين وأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: هكذا الظن بك يا أبا إسحاق، يعني أنك ما ستصلي بهم إلا ما عهدناه من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قام رجل يقال له أسامة بن قتادة، ويكنى أبا سعد، قال: بعدما سألهم عمر كيف فيكم سعد؟ قال: أما إنك قد سألت يا أمير المؤمنين، فإن سعداً لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. اتهامات باطلة، سعد ما يمشي معهم، وسعد رضي الله عنه ما يقسم بالسوية بالعدل، وسعد ما يعدل في الحكم. هذه هي قضايا الخوارج، اتهامات لأولياء الأمور، وهم كاذبون، وهم كاذبون، ليست عندهم حجج ولا بينات. فماذا قال سعد رضي الله تعالى عنه لما قام ذلك الكاذب؟ قال: اللهم إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة وكان كاذباً فأطل عمره، وأعمِ بصره، وعرضه للفتن. ثلاث دعوات دعا بهن سعد رضي الله تعالى عنه، وتحققت هذه الدعوات في هذا الرجل. قال: فطال عمره حتى سقط حاجباه، يعني حتى الحواجب هذه سقطت على عينه، وكان رجلاً أعمى يسير في الناس، وكان يتغزل ويتعرض للجواري، يعني للبنات. فقيل له في ذلك، قال: شيخ مفتون، يقول على نفسه: شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك من الصحابة ممن حصلت لهم الكرامة بدعوتهم: سعيد بن زيد من العشر المبشرين بالجنة، عندما ادعت أروى، امرأة يقال لها أروى في المدينة، ادعت أن سعيد بن زيد أخذ أرضها، أنه أخذ أرضها، فدعا عليها سعيد رضي الله عنه، وقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فعمي بصرها، فمشت يوماً في أرضها فوقعت في حفرة فماتت. هذه من كرامات الأولياء. وكذلك أيضاً ما حصل لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوت إليه أني لا أحفظ كثيراً وأني أنسى. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا هريرة، أبسط رداءك. قال: فبسطته. قال: فضمه بعدما دعا فيه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فضممته. قال: فوالله ما نسيت بعده شيئاً أبداً. وهذا ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصلت لأبي هريرة تلك الكرامة، وهي كرامة الحفظ، أنه لا ينسى شيئاً سمع أبداً. وكذلك أيضاً ما حصل للعلا بن الحضرمي رضي الله عنه وأرضاه، لما قال أبو هريرة رضي الله عنه: رأيت من العلا بن الحضرمي ثلاث أمور، لو أن لي بها واحدة. وذكر منها أنهم لما ذهبوا إلى اليمامة، ودعا العلا بن الحضرمي الله عز وجل، وسارت خيولهم على الماء، ثقة بالله سبحانه وتعالى، عبروا الخليج العربي المعروف الآن خليج العربي، كانوا متجهين إلى البحرين، وما بين البحرين وتلك البلاد إلا ماء. فقال لهم وتقدمهم العلا بن الحضرمي، ورفع يديه إلى السماء، وقال: يا خير الله، سيري، سيروا على بركة الله. ساروا بالخيول فوق الماء، فما ابتلت خيولهم إلا سافلها، يمشون بالخيول فوق الماء. أليست هذه كرامة؟ وكذلك أيضاً لما عطشوا وكانوا في البر، العلا بن الحضرمي: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، دعا الله، فنزلت السحابة مباشرة فسقوا القوم إلى آخرهم. وهكذا دعا الله عز وجل أنه يموت ولا يعرف قبره أحد. هذه ثلاث كانت دعوات خاصة بهذا الصحابي الجليل العلا بن الحضرمي. وكذلك ما حصل أيضاً لثابت بن قيس بن شماس، وهو خطيب الأنصار، حيث شارك في غزوة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، ورأى أن بعض القوم تخاذلوا ورجعوا القهقرى إلى الوراء. قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، فدخل وقاتل حتى قتل. ثم رآه رجل في المنام بعدما قتل رضي الله عنه وأرضاه، فقال له، وقد كانت سرقت درعه، كانت معه درع ولكنها سرقت عليه، قال لذلك الرائي في المنام: إن درعي بمكان كذا وكذا، وأوصاه بعدة وصايا. قال: فانتبه ذلك الرجل من نومه، وقام، فذهبوا إلى ذلك الموضع الذي أشار إليه في المنام، فوجدوا درعه تحته، ونفذوا له تلك الوصايا. وهذه كرامة من الله عز وجل لثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه. وكذلك ما حصل لمولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سفينة، قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فثقلت عليهم الأحمال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا سفينة، أبسط رداءك. قال: فبسطته. فقال للقوم: ضعوا أحمالكم عليه، ضعوا متاعكم عليه، ضعوها. فوضعوا متاعهم وأحمالهم على ذلك الرداء. قال عليه الصلاة والسلام لسفينة: يا سفينة، احمل. قال: فحملته. فوالله لو حملت وقر بعيرين أو ثلاثة لوجدتني عليه مستطيعاً. البعير يحمل، يحمل أشياء عظيمة، يحمل أوزاناً كبيرة، البعير، تنظروا البعير أحياناً يحمل الحطب من ها هنا ومن ها هنا، ويحمل رجل خمسين كيلو، سبعين كيلو، وهذا يحمل وقرين أو ثلاثة. يقول: يعني حمل أزواد القوم، كل من معه شيء قال: عطوه سفينة. لأنه قال له: لماذا سميت سفينة؟ التابعي أحد التابعين يقول له: لماذا سموك سفينة؟ سفينة تحمل، هو لقب وليس اسم. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت سفينة، لما تش حمل تلك الأحمال ولم يتعب، يشير ويحمل تلك الأحمال حق القوم ولم يتعب، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وذكروا له قصة أيضاً مع الأسد، لكن يقولون في إسنادها انقطاع بين محمد بن المنكدر وسفينة، وذكرها الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في دلائل النبوة. دلائل النبوة، هذه من دلائل النبوة، حصلت للصحابة رضي الله تعالى عنهم تلكم الكرامات العظيمة، وهم في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما ينكرها أحد، ما ينكرها أحد. أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، كذلك حصلت له كرامة، وهي كرامة الدعاء والثقة بالله سبحانه وتعالى. قال أنس: لما كسرت، أو كسرت الربيع بنت معوذ ثنية امرأة، جاءوا ليأخذوا القصاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبلغ أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه، وهو الذي خرجت فيه تلكم الآيات، أو التي نزلت فيهم تلك الآيات العظيمة في القتال في سبيل الله. لما قال: بخ، بخ، والله إنها لحياة طويلة، حتى أقعد آكل هذه التمرات، والله لأن يشهدني الله مشهداً ليريني الله ما أصنع. قال: فقاتل حتى قتل، ثم نزلت تلكم الآيات التي تدل على أن هؤلاء كانوا صادقين في قولهم. فالشاهد من هذا أن أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه قال: جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، القصاص كتاب الله. قال: والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله، قسم بالله عز وجل وهو واثق بالله سبحانه وتعالى، فأبر الله قسمه. قال: والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله، كانت عمته. قال: فجاء القوم الذين لهم حق القصاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قسم هذا الصحابي، وما كانوا يعلمون أنه قسم، أو ما أقسم، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما جاء، جاءوا من أنفسهم: يا رسول الله، قد عفونا عنها، قد عفونا عنها. فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن من الناس من لو أقسم على الله لأبره، إن من الناس من لو أقسم على الله لأبره. منهم هذا أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. أليست هذه كرامة؟ كرامة يكرم الله عز وجل بها من يشاء من عباده، بسبب اتباعهم للكتاب والسنة، وسبب عملهم الصالح، وثقتهم بالله جل وعلا. أويس القرني، وهذا في التابعين، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حوله؟ قال: يأتكم أمداد أهل اليمن، أهل اليمن، فيهم رجل، خير التابعين، أويس القرني. يا عمر، إذا لقيته فسأله أن يستغفر لك. فكان عمر رضي الله تعالى عنه يسأل في كل حج وموسم من مواسم الحج، يسأل: أين أويس القرني؟ إذا جاء مدد من اليمن، أين فيكم أويس القرني؟ حتى وجده. قال: أنت أويس؟ قال: نعم. قال: كان فيك برص فشفيت منه إلا موضع درهم في سرتك. هذه صفة أخبرهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم. فكشف عن سرته، قال: لأتذكر ربي، يعني الله عز وجل، شفاه من البرص كله، وترك له موضع درهم، هكذا مكان سرته، ليتذكر النعمة، أنه كان به برص وأن الله شفاه. وأنت بار بأمك؟ قال: نعم. لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا التابعي كان باراً بأمه، كان باراً بأمه، هذا عمل صالح قدمه هذا التابعي والجليل لله سبحانه وتعالى، بار بأمه، وما أدراك ما البر، حتى أوصله لهذه الكرامة العظيمة. قال: فاستغفر لي. قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين. ثم قال: ابقَ عندنا. قال: لا، أكون في أخلاط الناس، حتى ما يعرف واحد، تواضعاً لله سبحانه وتعالى، ما هو خلاص حصلت كرامة، أنا أحسن منكم، وأنا أفضل منكم، هذه كرامة حصلت على يديه من الله سبحانه وتعالى، والله كرمه بها، ما تفاخر، وما تغطرس، وما تجبر، يعني فخر على الناس بأن له كرامة. بل الأولياء والصالحون إذا حصلت على أيديهم شيء من الكرامات، بأن أجاب الله عز وجل دعاءهم، فإنهم يزدادون تواضعاً لله سبحانه وتعالى، بل ويحاولون أنهم يخفون تلك الأمور. فأويس القرني ذهب إلى العراق، حتى ما يعرفه أحد، ولا يقول له: تعال، واحد، استغفر لي، فإنك حتى ما يدخله الغرور. وهكذا توالت الأيام والأحداث، وأتوا إليه أناس ليطلبوا منه أن يستغفر لهم، فما كان منهم إلا أن يشترط عليهم أن لا يخبروا به أحداً، لا يدل الناس عليه، حتى ما يتزاحمون، تكاثرون، بعد ذلك تصير فتنة، تصير ماذا؟ فتنة. فاليوم ربما واحد فخر بعلمه، أو عنده علم قليل، أو عنده علم كثير، أو عنده خطابة، وعنده كذا وكذا، فإذا هو يريد الناس يمدحونه ويثنون عليه، ويرى نفسه وحده في الدعوة، ويرى آخرون لا شيء، وكذا، والله المستعان. وما بلغ ما بلغ هؤلاء الصالحون، الخائفون، الوجلون، العاملون، حتى كرمهم الله جل وعلا بتلكم الكرامات. والكرامات كثيرة، ومن رامها فهناك كتاب مؤلف: كرامات. حصلت حتى للعلماء: ابن القيم، الشيخ ابن تيمية، الإمام أحمد. لو نجلس نقصها ما خلصناها إلى المغرب. كرامات عظيمة، وهذه فيها تقوية للإيمان. كرامات، لما يقرأها الواحد يرى القوم، ما عليه، تزيد في إيمانه وتشرح صدره، وكذلك تشحذ همته أنه يعمل، يعمل، ويعمل، ويجتهد في تحصيل علم، في عمل صالح، لا لأجل أن تحصل له كرامة. استقامتك كرامة، لو استقمت على الكتاب والسنة فهي كرامة، كما قال بعض العلماء: أعظم كرامة دوام الاستقامة. هذه قالها بعض العلماء، يا يحضروني اسمه، لعله شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره: أعظم كرامة دوام الاستقامة، أن تستقيم على شرع الله، هذه أعظم كرامة يكرمك الله بها، من غيرك، من من يتخبطون في الجهالات والبدع والضلالات والانحرافات والدنيا، وأنت ثابت مستقيم على شرع الله. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يهدينا، وأن يسددنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.