شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 6

الدرس في شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 6، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

حكم الجهر بالبسملة ودليل حديث أنس

يستعرض المقطع حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين بأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كانوا يستفتحون القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين» دون الجهر بالبسملة، وهو دليل على أن الإسرار بها هو السنة. ويناقش ضعف حديث أبي هريرة الذي استدل به القائلون بالجهر، ويرجح ضعف إسناده عند أئمة الحديث كالحافظ الزيلعي والألباني، مع التنبيه إلى أن الخلاف لا يوجب الإنكار.

مذاهب العلماء في الجهر بالبسملة وكونها آية

يناقش المقطع خلاف العلماء في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، حيث يرى الشافعية والجمهور استحباب الجهر بها لكونها آية من الفاتحة، بينما يرى الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم الإسرار بها استنادًا لحديث أنس. كما يستعرض المذاهب الثلاثة في كون البسملة آية من الفاتحة أم لا، والأدلة المستندة إلى كتابة المصحف وإجماع الصحابة.

الأقوال التفصيلية في كون البسملة آية من الفاتحة والترجيح

يستعرض المقطع ثلاثة أقوال للعلماء في البسملة: الأول أنها آية من الفاتحة وباقي السور (قول الجمهور)، والثاني أنها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها بل للفصل بين السور (قول ابن تيمية وابن عثيمين)، والثالث أنها آية من الفاتحة فقط (رواية عن الشافعي وأحمد). ويرجح المقطع القول الثاني مستدلاً بحديث الثلاثين آية في سورة الملك، وحديث القسم الإلهي للصلاة الذي بدأ بـ «الحمد لله»، وبأن الفاتحة متفق على أنها سبع آيات لا ثمانٍ.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فنأخذ بعضًا من الأحاديث للإمام البغوي رحمه الله تعالى. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى - وهو الحديث السادس -: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعبة وشيبان، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، يستفتحون القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين». وهذا الحديث إسناده صحيح، وهو في الصحيحين، جاء من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. وفي هذا الحديث بيان واضح من أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا إذا استفتحوا الصلاة يستفتحون بـ «الحمد لله رب العالمين»، لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول القراءة، يعني في سورة الفاتحة. عندما يصلي الإمام في الصلاة الجهرية فهو يبدأ بـ «الحمد لله رب العالمين»، وهذه هي السنة. ولا شك أن في المسألة خلافًا لورود بعض الأحاديث التي فيها ذكر البسملة، وأن من الصحابة من جهر بالبسملة. ولكن حتى مع وجود الخلاف فلا يكون هناك إنكار، والأصل أن المسلم يعمل بالدليل وبما صح وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسنذكر إن شاء الله تعالى أقوال العلماء في هذه المسألة، مسألة البسملة في الصلاة الجهرية، والجهر بها: هل الجهر بها سنة أم الإسرار بها هو السنة؟ ففي هذا الحديث يدل على أن الإسرار بها هو السنة، لأن أنسًا رضي الله تعالى عنه يقول: إنه سمع الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيضًا في خلافة أبي بكر، وأبي بكر كذلك، وعمر كذلك، وعثمان كذلك، كانوا يستفتحون القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين». في بعض الروايات في الصحيحين: «لا يذكرون»، يقول أنس: لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم»، فهذا تصريح. وأما الذين قالوا بالبسملة فاستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى بالناس واستفتح القراءة بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم قال: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا الحديث الذي استدلوا به ممن قال بالجهر بالبسملة فيه خلاف، فيه خلاف من حيث صحته في الإسناد: هل هو صحيح الإسناد أم ليس بصحيح الإسناد؟ أطال علماء الحديث، ومنهم الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في «نصب الراية»، أطال الكلام على هذا. وأيضًا الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وغيره، واحد من أهل العلم ممن تكلم في هذا الحديث من حيث صحة الإسناد. حديث أبي هريرة الذي فيه الجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» ضعفه الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى، وممن ضعفه من العلماء المعاصرين العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وقد سبقه كما سمعتم جماعة من أهل الحديث. شيخنا مقبل رحمه الله تعالى كان في بداية الأمر يحسن أو يصحح هذا الحديث، لكنه تراجع عنه رحمه الله تعالى في آخره، وقد ذكر هذه المسألة في عدة كتب، وأنه لا يشنع على من بسمل في الصلاة لورود الحديث في ذلك الذي كان يصححه، وهو حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والراجح ضعف هذا الحديث، وهذا هو عمدتهم، عمدة الذين قالوا بالجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». لكن الذي صح وثبت حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وهو في الصحيحين، في البخاري ومسلم، أنه ذكر هذا: أنهم كانوا يستفتحون القراءة، أي النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعده أبو بكر، ثم بعده عمر، ثم بعده عثمان، كانوا ما يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم». ولا يعني هذا أن الإمام لا يبسمل سرًا، لا يبسمل سرًا، هو يأتي بها سرًا لكن لا يجهر بها. فالسنة هي «الحمد لله رب العالمين» عندما يقرأ في الصلاة الجهرية، فيبدأ بالحمد، ما يجهر بالبسملة. وهذا الخلاف أيضًا مبني على مسألة أخرى، وهي: هل البسملة آية من الفاتحة أم ليست بآية من الفاتحة؟ قبل أن نشرع في المسألة الثانية نذكر أولًا أقوال أهل العلم في هذه. الشافعية عندنا يبسملون، يعني يجهرون بالبسملة. وقد ذكر هذه المسألة أيضًا الإمام النووي رحمه الله تعالى في «المجموع»، وأطال الكلام على هذه المسألة في «المجموع» له، ورجح الجهر بالبسملة تبعًا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى. يقول النووي رحمه الله: استدل بهذا الحديث - يعني قصده حديث أنس لأنه في مسلم وهو يشرح مسلم - يقول: استدل بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة، ومن يراها منها ويقول لا يجهر. إذن عندنا قولان، أو عندنا قولان: في ناس في علماء يقولون: لا، ليست البسملة آية من الفاتحة، وعليه فلا تقرأ بها أصلًا، لا تقرأ بها. وفي ناس يقولون: آية، لكن لا يجهر بهذه الآية وهي البسملة. إذن هذه حجة هؤلاء، هذا الحديث الذين يقولون لا يجهر بالبسملة. قال: ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى وطوائف من السلف والخلف أن البسملة آية من الفاتحة. هذا مبني على هذه المسألة. قلنا: سنذكر إن شاء الله الأقوال: هل البسملة آية من الفاتحة؟ أكثرهم يرون أنها آية من الفاتحة، وفي هناك من خالف هذا القول ويقول: البسملة ليست بآية من الفاتحة. قال: وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة. واعتمد أصحابنا يعني الشافعية ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في المصحف بخط المصحف، كتبت. الدليل أنها كتبت في عهد الصحابة رضي الله عنهم في المصحف، هذا دليل على أن البسملة آية من الفاتحة. قال: وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن. وكلام هذا ما يلزم. إن كانت القول الآخر الذي يرى أنها ليست بآية من الفاتحة قالوا: هي آية للفصل بين السور، كل سورة تبدأ فيها البسملة. وأدلتهم قوية، وأدلة أصحاب القول الثاني الذين يقولون أنها آية للفصل بين السور وليست آية من ماذا؟ من الفاتحة. ولا يعني أنهم كتبوها في المصحف يعني أنها آية من الفاتحة، جاء بها للفصل بين السور كما سيأتي في أدلة الفريق الآخر. قال: فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في كل الأعصار إلى يومنا، وأجمعوا أنها ليست في أول براءة. هذا بالإجماع أن البسملة ليست من براءة، يعني ليست آية في براءة، ولا من أول براءة، ولا تقرأ في ماذا؟ في براءة. وقد ذكر هذا الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الشاطبية أنها ليست آية من براءة، اتفق القرآن على هذا، وأجمعوا أنها ليست آية من براءة. قال: وأنها لا تكتب فيها، أي لا تكتب في براءة. واتفقوا كذلك على أنها جزء آية من سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾. لكن الخلاف الذي وقع هو: هل هي آية من الفاتحة أم ليست بآية من الفاتحة؟ انتهى كلامه. إذن عندنا القول الأول: وهو قول الجمهور أن البسملة يستحب الجهر بها، واستدل بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والحديث كما سمعتم أنه ضعيف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وطائفة أخرى: منهم علي، وابن مسعود، وعمار، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبو عبيد، ذهبوا إلى أن السنة هو الإسرار بالبسملة، لحديث أنس هذا الذي في الصحيحين. وهذا القول رجحه جماعة من المتأخرين: منهم الحافظ ابن رجب رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمه الله تعالى أيضًا، ومن المعاصرين العلامة ابن باز، والعلامة الألباني رحمه الله، والعثيمين، وشيخنا مقبل رحمه الله. الجميع هؤلاء يرون الإسرار بالبسملة هو السنة، أنه لا يجهر بها في الصلاة الجهرية. وأما كون البسملة آية من الفاتحة أو ليست بآية من الفاتحة، فهذا على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أنها آية من الفاتحة، وهذا كما سمعتم مذهب الجمهور ومذهب الكثير. ونقله ابن عبد البر رحمه الله عن ابن عباس، وعن ابن عمر، وابن الزبير، وطاوس، وعطاء، ومكحول، وابن المنذر، وطائفة. وحكاه الخطابي عن أبي هريرة، وسعيد بن جبير. ورواه أيضًا البيهقي عن علي، والزهري، وسفيان الثوري. وهذا دليلهم: أولاً: كتبت في خط المصحف. والدليل الثاني أيضًا: حديث أبي هريرة: «إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن»، أي الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و«بسم الله الرحمن الرحيم» إحدى آياتها. وهذا الحديث ضعيف، رواه الدارقطني رحمه الله تعالى، ولا يصح رفعه، والراجح فيه الوقف. وهذا الذي ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله تعالى: أن البسملة آية من الفاتحة، وأنه يجهر بها في الصلاة الجهرية. وأما المذهب الثاني: فذهبوا لأن البسملة ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، وإنما هي عبارة عن آية للفصل، يعرف بها ابتداء السورة. وقد جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنه وغيرها أنهم ما كانوا يعرفون انقضاء السورة إلا إذا نزلت «بسم الله الرحمن الرحيم»، فنعرف أن السورة التي مضت انتهت وجاءت سورة أخرى، فهي جيء بها للفصل بين السور. أيضًا دليلهم الثاني: ما جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثون آية شفعت لصاحبها، ثلاثون آية شفعت لصاحبها»، وهي ماذا؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، سورة الملك، ثلاثون آية. إذا عددت البسملة ستصير كم؟ واحد وثلاثين آية. وإذا لم تعد البسملة منها آية ستصير الآية الأولى ماذا؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ثلاثون آية. إذن البسملة ليست ماذا منها؟ آية. طيب، لو قيل: كيف نعد آيات الفاتحة؟ ابن عثيمين رحمه الله تعالى يقول: تعدها من «الحمد لله رب العالمين»، «الرحمن الرحيم»، «مالك يوم الدين»، «إياك نعبد وإياك نستعين»، «اهدنا الصراط المستقيم»، هذه كم؟ «صراط الذين أنعمت عليهم» إن آية، «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» هذه الآية السابعة. إن هنا التناسب يقول: من أجل ماذا؟ من أجل التناسب، فنقف على «غير المغضوب عليهم» فتكون هي الآية، والبسملة ليست ماذا؟ آية على هذا القول. وأما على القول الأول وهو قول الجمهور أنها آية من الفاتحة، فتكون البسملة ماذا؟ هي الأولى: «بسم الله الرحمن الرحيم»، «الحمد لله رب العالمين»، «الرحمن الرحيم»، «مالك يوم الدين»، «إياك نعبد وإياك نستعين»، «اهدنا الصراط المستقيم» هذه ست، ثم «صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين» كلها آية تكون السابعة. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال ماذا؟ هي السبع المثاني، أي الفاتحة. فالفاتحة بالاتفاق أنها سبع آيات وليست ثماني آيات. واضح هذا؟ فأصحاب القول الثاني يقولون: هذا، يقولون نبدأ بـ «الحمد لله» ونفصل الآية الأخيرة إلى ماذا؟ إلى آيتين. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والعلامة العثيمين. أيضًا دليل ثالث: وهو حديث أبي هريرة المتفق عليه أن الله عز وجل يقول: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي»، إلى آخر الحديث. فبدأ بماذا؟ بدأ بـ «الحمد لله رب العالمين». فدل على أنه إذا لم يذكر البسملة في أولها أنها ليست آية، أنها ليست آية. هذه ثلاثة دلائل قوية لأصحاب القول الثاني، وهو الراجح والله تعالى أعلم. وأما القول الثالث: فهو قول الشافعي في رواية عنه، وأحمد كذلك في رواية عنه، إلى أن البسملة آية من الفاتحة فقط، وليست آية من باقي السور، تعتبر من باقي السور للفصل فقط، وأما هي من أول الفاتحة تعتبر آية. هذا المذهب الثالث الذي ذهب إليه الشافعي رحمه الله وأحمد في رواية عنهما أخرى. ويراجع إن شاء الله تعالى في هذا المبحث كتب الفقه كالمجموع والمغني، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك كتب ابن عثيمين رحمه الله تعالى، والنيل. فالكتب موجودة ولله الحمد، من أراد الاستفاضة والمزيد فليرجع إلى هذه الكتب. وخلاصة هذا الحديث، وهو حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستفتح القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين»، هذا هو السنة، والله تعالى أعلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر