شرح فتح المجيد 64

الدرس في شرح فتح المجيد 64، ألقاها

تفسير آية ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ومعاني الصلاة والنحر

يفسر المقطع الآية الكريمة ويبين أهمية الصلاة والنحر كعبادات لله تعالى، ويشير إلى أن الجمع بينهما يدل على قوة اليقين. كما يؤكد أن صرفهما لغير الله شرك بالله.

أهمية الصلاة والنحر كعبادات للتقرب إلى الله

يشرح المقطع أهمية هاتين العبادتين ويبين أن صرفهما لغير الله يعد شركًا، مستدلًا بآية "فصل لربك وانحر" وقول شيخ الإسلام حول الجمع بين الصلاة والنسك.

معاني اللعن والصلاة في القرآن وذبح لغير الله

المقطع يشرح معاني اللعن والصلاة كما وردت في القرآن، ويوضح حكم الذبح لغير الله واعتباره كفرًا أكبر، مشيرًا إلى البعد عن الرحمة في اللعن والثناء في الصلاة.

دعاء وذكر وتوبة

المقطع يتضمن تسبيح الله وتمجيده والاعتراف بتوحيده، ثم طلب المغفرة والإعلان بالتوبة، حيث يذكر المتحدث ذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنحر الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر. ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه، فإنها أزكى ما يتقرب به إلى الله تعالى، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله تعالى من الكوثر. وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر. وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية. وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن أمر عجيب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة، كثير النحر. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب هذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، ليستدل بها الشيخ رحمه الله تعالى على أن النحر عبادة جليلة لا تكون إلا لله جل وعلا. فجمع ربنا جل وعلا في هذه الآية بين الصلاة التي هي من أجل العبادات، وبين النحر؛ ليدلنا على أن النحر عبادة كما أن الصلاة عبادة. فمن صلى لغير الله جل وعلا أو صرف العبادة أو الصلاة لغير الله جل وعلا فإنه مشرك بالله جل وعلا. وكذلك من صرف النحر إلى غير الله جل وعلا ونحر لغير الله وذبح لغير الله جل وعلا فإنه يكون بذلك مشركًا. فالشيخ رحمه الله تعالى ذكر ما ذكر في هذه الآية ليبين هذا المعنى من أن الذبح عبادة خاصة بالله جل وعلا، فلا يجوز صرفها إلى غير الله جل وعلا. قال: «فصل لربك وانحر»؛ ليستدل بها الشيخ رحمه الله تعالى على أن النحر عبادة جليلة لا تكون إلا لله جل وعلا. وهذه قاعدة ينبغي أن يستصحبها أهل التوحيد في كل مقام وفي كل مقال؛ باعتبار أن الإنسان إذا أراد أن يبين حكم مسألة ما، وأن صرف هذه المسألة إلى غير الله جل وعلا بأنها من الشرك، ينبغي بل يجب عليه أولًا أن يثبت أن ذلك الأمر أو ذلك الشيء عبادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهم الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته». الإنسان إذا تأمل حاله في الصلاة كيف يجد نفسه؟ قارئًا لله جل وعلا وهو واقف بين يدي الله في هيئة من هيئات التضرع وهيئات الخضوع، ثم بعد ذلك يركع لربه جل وعلا خاضعًا منكسرًا لربه جل وعلا، ثم بعد ذلك يسجد لربه جل وعلا خاضعًا منكسرًا متضرعًا إلى ربه جل وعلا. قال: «والنسك الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه». فلا بد في النسك أن يكون ما يقصد به التقرب. قال: «فإنهما أي الصلاة والذبح أجل ما يتقرب به إلى الله تعالى». لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله تعالى من الكوثر. الله جل وعلا قال في هذه السورة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. الله جل وعلا أكرم نبيه بالكوثر، وهو الحوض الذي يصبه من نهر الجنة. ثم قال له: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾؛ من أجل أن يشكر هذه النعمة. قال المصنف رحمه الله تعالى عن علي بن أبي طالب قال: «حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض». رواه مسلم. قوله: «لعن الله»؛ اللعنة: البعد عن مضان الرحمة ومواطنها. قيل: واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة أو دعي عليه بها. قال أبو السعادات: أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله ومن الخلق. قال شيخ الإسلام: «ما معناه: إن الله تعالى يلعن من استحق اللعنة بالقول، كما يصلي سبحانه على من استحق الصلاة من عباده». قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾، ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. قال: «والقرآن كلامه تعالى أوحاه إلى جبريل عليه السلام وبلغه رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجبريل سمعه منه». معنى هذا أن القرآن الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله بواسطة جبريل هو الكلام المسموع الذي سمعه جبريل عليه السلام من الله جل وعلا. قال: «فالصلاة سناء الله تعالى». فالله تعالى هو المصلي وهو المثني كما دل على ذلك الكتاب والسنة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لم يزل الله متكلمًا إذا شاء». بمعنى أن كلام الله جل وعلا من صفات الله عز وجل فعلية التي يتكلم الله جل وعلا بها متى شاء. قوله: «من ذبح لغير الله». قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، ظاهره أنه ما ذبح لغير الله. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم. وقال: «إن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة لغير الله». فالذبح لغير الله عز وجل يدخل فيه الذبح بتسمية غير الله جل وعلا، ويدخل فيه كذلك الذبح بقصد التقرب إلى غير الله جل وعلا. قال: «وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم وإن قال فيه بسم الله». كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك. وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال. لكن يجتمع في الذبيحة مانعان: الأول أنه مما أهل به لغير الله، والثاني أنه ذبيحة مرتد. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على