الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 32، ألقاها
يتناول المقطع تفسير آية تنهى عن دعاء غير الله، موضحًا أن كل شيء بيد الله وحده. يبين أهمية التوكل على الله والعمل بالأسباب وفق الشريعة.
يشرح المقطع أهمية التوحيد والإخلاص في نيل الفرج من الله، ويبين أن الأنبياء يعلمون أن الفرج قريب ما داموا مع الله. دعاء غير الله يعتبر شركًا وظلمًا عظيمًا.
يناقش المقطع تحذير الله من الشرك ودعاء غيره، ويبين أن دعاء غير الله عبادة له ويعتبر شركًا. يستدل على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يشرح المقطع أن الوسائل لها حكم الغايات في النهي عنها، ويضيق الأمر خشية أن تكون وسيلة إلى الشرك. يدل على أهمية الحذر من الذرائع التي قد تؤدي إلى الممنوعات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى: قال: وقوله ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: ففي هذه الآية أنه عن أن يدعى أحد من دونه تعالى، وأخبر تعالى أن غيره لا يضر ولا ينفع. وهذه الآية كغيرها من الآيات التي تبين أن غير الله جل وعلا لا يملك شيئًا من النفع، ولا يملك شيئًا من كشف الضر أو تحويله؛ لأن الأمر كله لله جل وعلا، فهو بيد الله جل وعلا، يفعل ما يشاء كيف شاء، من أراد له الخير أمده وأعانه ووفقه، ومن أراد به غير ذلك منع عنه التوفيق ووكله إلى نفسه فكان مخذولًا، فالأمر بيد الله جل وعلا. وكذلك مسألة جلب النافع أو دفع الضر هو بيد الله جل وعلا، فالله جل وعلا إن أراد أن ينفعك أيها العبد نفعك، ولا ممسك لفضل الله جل وعلا، وإن أراد الله جل وعلا أن يوصل إليك شيئًا من الضر فلا راد لحكم الله جل وعلا؛ لأن الأمر بيد الله لا معقب لحكمه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ومنه نعلم كما تقدمت الإشارة إليه فيما مضى سفاهة عقول هؤلاء المشركين؛ إذ أنهم يطلبون دفع الضر أو كشف الضر أو تحويل الضر أو النافع من غير الله جل وعلا ممن لا يملك من الأمر شيئًا، بل ويتقرب إليه بأنواع من القرب، ويتذلل إليه ويخضع إليه وينزله منزلة الرب جل وعلا في استحقاقه للتذلل والخضوع والمسكنة والإفتقار، وهذا كله يشرك بالله جل وعلا. فهذه الآية فيها دلالة واضحة - كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى - دلالة على النهي عن دعاء غير الله جل وعلا، ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾، ما لا ينفعك ولا يضرك، وكل من دعوته سوى الله جل وعلا في كشف ضر أو رفعه مما لا يقدر عليه إلا الله فهو لا يملك لك حقيقة ذلك الأمر، بل حتى بالأسباب الحسية؛ حتى في الأسباب الحسية لو شاء الله جل وعلا أن يمنع تلك الأسباب عن سببيتها لفعل ربنا جل وعلا؛ لأن الأمر منه وإليه، هو الذي إن شاء جعل السبب سببًا تامًا يكون معه الفعل، وإن شاء جعله سببًا ناقصًا أو عارضه بمانع من الموانع فلم يكن ذلك السبب مؤثرًا. فمثلًا لو أن إنسانًا دخل في البحر في مكان عميق غرق، فاستغاث بمن يحسن السباحة، هذه الاستغاثة من حيث هي جائزة؛ لأنه استغاث بإنسان حاضر موجود قادر في أمر ظاهر حسي وعادي اعتيادي أن إنسانًا إذا غرق استغاث بمن يحسن السباحة، لكن هذا السبب قد يتخلف، بمعنى أن ذلك الإنسان الخبير بالسباحة قد لا يستطيع أن يخرج ذلك الغريق، وإن كانت المسافة بينهما قريبة؛ لأن الأمر بيد الله، الأمر بيد الله جل وعلا، إن شاء جل وعلا أن يجعل السبب بإذنه جل وعلا نافعًا جعله نافعًا، وإن شاء لا يكون نافعًا لم يكن نافعًا. ومنه نعلم ما يقرره العلماء رحمهم الله تعالى في قاعدة العمل بالأسباب: أن مزاولة الأسباب هو من باب امتثال الشريعة؛ لأن الشريعة هي التي أمرت بمزاولة الأسباب، ولكن لا يلتفت القلب إلى تلك الأسباب، بل يكون القلب معلقًا برب الأرض والسماوات الذي إذا قال للشيء كن فيكون، ولو تخلفت الأسباب بل ولو انعدمت الأسباب، إذا علق الإنسان قلبه بالله جل وعلا وتوجه إلى الله جل وعلا توجهًا تامًا متضرعًا منيبًا واثقًا بربه جل وعلا أنه سينجيه، فالله جل وعلا على كل شيء قدير. ولنا في قصة إمام الموحدين وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام - كيف تكالب عليه الأعداء حتى ألقوه في نار عظيمة، وهو عليه السلام متوكل على الله يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك - ألقي في النار، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، انقطعت جميع الأسباب الحسية، ما بقي معه إلا سبب واحد وهو التوكل على الله وثقة بالله جل وعلا وانتظار الفرج من رب العالمين جل وعلا، فجاءه الفرج، قلنا: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأراد به كيدًا فجعلناهم الأخسرين. وقصة أخرى لنبي آخر ذي النون - كما أخبر الله جل وعلا عنه - أنه قال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، إن قطعت الأسباب الحسية لا أحد يستطيع أن يغيثه أبدًا من الناس من الخلق، ولكن الأنبياء لكمال توحيدهم وثقتهم بالله جل وعلا علموا أن هناك سببًا لا ينقطع أبدًا، وأن من اعتصم به وصدق مع الله جل وعلا فيه وجد المخرج بإذن الله جل وعلا. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، نجاه الله جل وعلا مع أن الأسباب الحسية الظاهرة كلها مقطعة، ولكن الأنبياء لكمال إيمانهم وتوكلهم وثقتهم بالله جل وعلا يعلمون أن الفرج قريب ما داموا مع الله جل وعلا؛ لأن إن زال الضر ممن هو؟ من البشر بيد البشر؟ الجواب: لا، من الله جل وعلا، فهو الذي ينزل الضر إن شاء على من شاء كيف شاء، وهو الذي يكشف أو يدفع أو يزيل ذلك الضر ممن شاء بما شاء كيف شاء، فسبحان الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ففي هذه الآية النهي عن أن يدعى أحد من دونه، وأخبر تعالى أن غيره لا يضر ولا ينفع كائنًا من كان، كائنًا من كان ولو كان نبيًا مرسلًا ولو كان ملكًا مقربًا ولو كان إمامًا من أئمة التقى وسيدًا من سادات الأولياء، لا أحد يستطيع أن يدفع عنك الضر المطلق إلا الله، ولينفعك نفعًا مطلقًا إلا الله؛ لأن الأمر بيد الله جل وعلا، وأولئك إن نفعوك في شيء مقيد مخصوص محصور فهو بإذن الله، بإذن الله، لا أحد يستطيع أن يتصرف تصرفًا بذاته، ولكن بأمر الله وبإذن الله جل وعلا. فمنه نعلم أن الإنسان كلما كان على علم بالله جل وعلا وثقة بالله جل وعلا وقوة يقين بالله جل وعلا كلما كان الفرج قريبًا، وأنه كلما نظر إلى الأسباب ولو كانت مشروعة، ولكن يحصل له شيء من الالتفات إليها، شيء ولو كان يسيرًا من الالتفات إليها، إذا حصل هذا النظر يحصل شيء من التأخر. قال رحمه الله تعالى: وقولهم ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: والظلم في هذه الآية هو الشرك؛ كما قال تعالى عن لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ففيه بيان أن من دعا غير الله جل وعلا في جلب نفع أو دفع ضر لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا أنه وقع في الشرك الأكبر؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإنك إذا من الظالمين. وهذه الآية كالآية الأخرى التي قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فهذه الآيات تبين بعضها بعضًا، ويبين لنا أن قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أن المقصود بالظلم ها هنا الشرك الأكبر؛ كما في الآية في سورة لقمان. قال: وقوله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، قال: هذا في حق المستغيث، أخبر الله تعالى أنه لا يكشف ضره إلا الله وحده دون ما سواه مطلقًا؛ لأن الأمر بيد الله جل وعلا. قال: وقوله ﴿وَإِنْ يَرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وهذا في حق كل طالب وراغب، أخبر تعالى أنه هو الذي يتفضل على من سأله، ولا يقدر أحد أن يمنعه شيئًا من فضل الله عليه، فهو المعطي والمانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فالأمر بيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: وفي حديث ابن عباس - وفيه - وعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، والحديث - كما ذكر - أخرجه الطبراني وغيره بإسناد حسن، وهو الصحيح العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وحسنه شيخ الإسلام مقبل بن هادي الوادعي في كتابه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: فمن تدبر هذه الآية وما في معناها علم أن ما وقع فيه الأكثر من دعوة غير الله هو الظلم العظيم والشرك الذي لا يغفره الله، وأنهم قد أثبتوا ما نفته لا إله إلا الله من الشرك في الإلهية، ونفوا ما أثبته من الإخلاص؛ كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، قال: والدين هو طاعة الله فيما أمر به ونهى عنه. قال: وأعظم ما أمر به التوحيد والإخلاص؛ كما في الآية السابقة وغيرها: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وكما في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فهو الدين. قال رحمه الله تعالى: وأعظم ما نهى عنه الشرك به في ربوبيته وإلهيته؛ أن لا يشرك مع الله جل وعلا غير في الربوبية بأن يعتقد أن غير الله جل وعلا بيده الملك أو النفع أو الضر أو ما شابه ذلك، هذا من الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية بأن يكون ذلك سببًا لدعائه ويستغاث به والتقرب إليه بأنواع من القرب التي هي حق لله جل وعلا وحده لا شريك له، هذا من الشرك في الألوهية، وكله باطل ومنكر. قال: قوله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، قال: فهذه الآية تبين وتوضح ما تقرر في الآية قبلها، فأخبر تعالى أنه لا أضل ممن يدعو أحدًا من دونه كائنًا من كان، وأخبر أن المدعو لا يستجيب لما طلب منه من ميت أو غائب أو ممن لا يقدر على الاستجابة مطلقًا من طاغوت ووثن، فليس لمن دعا غير الله إلا الخيبة والخسران. قال: وهذا الأسلوب - كما يقول علماء المعاني رحمهم الله تعالى - أسلوب معنى الاستفهام الاستنكاري، وهو يفيد معنى النفي وزيادة، وكأن الله جل وعلا يقول: لا أضل ولا أقبح ممن يزعم ذلك؛ لأن الاستفهام الاستنكاري له دلالة فوق مجرد النفي. قال: ثم قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، تبرأ المتبوع من تابعه والمدعو من داعيه، وهذا حال هؤلاء يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: فلا يحصل للمشرك يوم القيامة إلا نقيض قصده، فيتبرأ منه المدعو ومن عبادته وينكر ذلك عليه أشد الإنكار، وقد صار المدعو للداعي عدوًا، بل إبليس يوم القيامة يتبرأ من عابديه وممن أغواهم وممن أضلهم، وقال الشيطان لما قضي الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمُ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، إلى آخر ما ذكره الله جل وعلا عنهم، الشيطان يتبرأ ويكفر بعبادتهم، وكل معبود عبد سوى الله جل وعلا يتبرأ من عبادة عابديه له، وهذا حال هؤلاء. قال: فدلت أيضًا على أن الدعاء عبادة؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، قال: فدلت على أن دعاء غير الله عبادة له، وأن الداعي له في غاية الضلال؛ يعني إن دعا الله عبد الله، وإن دعا غير الله جل وعلا معنى أنه عبد غير الله جل وعلا فيكون مشركًا بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وقد وقع من هذا الشرك في آخر هذه الأمة ما طم وعم، حتى أظهر الله من بينه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في زمانه، قال: وهو في الكتاب والسنة في غاية البيان، أي: هذه الأحكام وهذه الأمور وبيان التوحيد من الشرك في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في غاية البيان والوضوح. قال: ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، فالآية - كما ذكر رحمه الله تعالى - كالآية التي بوب عليها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. قال: روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل»، وهذا الحديث - كما ذكر - رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث عبادة بن الصامت، وذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في جامع المسانيد والسنن، وهو من طريق ابن لهيعة، وهو ضعيف. قال رحمه الله تعالى: الطبراني هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني صاحب المعاجم الثلاث وغيرها، روى عنه النسائي وإسحاق بن إبراهيم الدبري وخلق كثير، مات سنة ستين وثلاثمائة. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدر أن يغيثهم منه، ففي إشارة إلى أن الاستغاثة في الأمر المحسوس الظاهر العادي ممكنة جائزة. قال: وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدر أن يغيثهم من ذلك المنافق، فيكون نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغاثة به حماية لجناب التوحيد، واضح يا أخوة، حماية لجناب التوحيد، كان يقول: أصل الفعل جائز، لكن لا تنظر إلى الأسباب، ننظر إلى الله جل وعلا، فيكون هذا - لو صح الحديث - من باب تدريبهم وتعويدهم على معالي الأمور؛ أن الإنسان يرجع إلى الله ويستغيث بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: والوسائل لها حكم الغايات في النهي عنها؛ أي: أن الاستغاثة بغير الله جل وعلا المشروعة لو خيف من أن تكون سببًا للاستغاثة الممنوعة في زمن من الأزمان في مكان من الأماكن أو ما شابه ذلك، يضيق الأمر؛ خشية أن تكون وسيلة وذريعة إلى الاستغاثة الشركية الممنوعة، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.