شرح الفرائد البهية  36

شرح الفرائد البهية 36

الدرس في شرح الفرائد البهية 36، القاعدة الرابعة عشرة:الرخص لا تناط بالمعاصي. القاعدة الخامسة عشرة:الرخص لا تناط بالشك. القاعدة السادسة عشرة:الرضا بالشي رضا بما يتولد منه. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في القواعد الفقهية المتعلقة بالرخص

تناولت المقاطع قواعد فقهية متعلقة بالرخص، حيث أوضحت أن الرخص لا تناط بالمعاصي أو الشك، مع اختلاف العلماء في تطبيق هذه القواعد. هناك استثناءات لهذه القواعد مثل التيمم عند فقد الماء.

تطبيق قاعدة الرخص وعلاقتها بالمعاصي والشك

أوضحت المقاطع أن الرخص الشرعية لا تعلق بالمعاصي أو الشك، مع اختلاف العلماء في تطبيق هذه القاعدة، وتناولت استثناءات مثل التيمم عند فقد الماء. كما تطرقت إلى قاعدة الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه.

الرضا بالشيء والآثار المترتبة عليه

القاعدة الفقهية تنص على أن الرضا بالشيء يعني الرضا بما يتولد عنه من آثار، مع تفصيل في الضمان الناشئ عن الأمور المأذون فيها وغير المأذون فيها. استثنت حالات الاعتداء والتفريط.

ختام بالصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن ختامًا بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مما يظهر احترامًا وتقديرًا للنبي ويعتبر هذا الدعاء شائعًا في نهاية العديد من النصوص الدينية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الرابعة عشرة: «قال: الرخص لا تناط بالمعاصي»، قال: «ولا تناط بالمعاصي الرخص»، فلم يبح لعاصٍ الترخص. هذه قاعدة، وكما ترون ذكرها في القواعد الكلية الجزئية، وهي ليست كذلك، بل أشبه ما تكون قاعدة أو ضابط، ويعبر عنها بهذا اللفظ: «الرخص لا تناط بالمعاصي». وأحيانًا يقولون: «الرخص لا تباح للمعاصي»، وأحيانًا يقولون: «لا تباح الرخص في المعصية»، وأحيانًا يقولون: «لا تباح الرخص في سفر المعصية». وهي عبارات لو تأملناها متقاربة. ومعنى هذه القاعدة أن الرخص جاءت رحمة من الله سبحانه وتعالى في الحلال والمباح، فلا تستعمل في المعصية والحرام. فهي من حيث المعنى العام مقبولة، لكن من حيث التطبيق وما جاء من نصوص الشرع في أنواع الرخص، فإنه قد يكون معارضًا لبعض النصوص، ولهذا اختلفوا في هذه القاعدة. فالإمام الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد قالوا: لا يستعمل الرخص في سفر المعصية، وفي المعصية؛ فالرخص لا تناط بالمعاصي. وخالف أبو حنيفة، ووافقه جماعة من أهل المذاهب الأخرى، فقال: بل لنا عموم ما جاء في النصوص. فمثلًا قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، لم يبين أن السفر لا بد أن يكون سفر طاعة؛ فله رخصته، وعليه معصيته. وله رخصته، وعليه معصيته، وكونه يضاعف له الإثم لأجل استعمال الرخصة في المعصية شيء، وكون أن نقول: لا يجوز له الترخص شيء آخر؛ لأن معناه أن من سافر سفرًا في معصية، فإذا صلى ركعتين صلاته باطلة، ولا تقبل منه حتى يصلي أربعًا. وإذا كذلك ترخص بسائر الرخص كان كذلك. إلا أن من قال بالمنع وأعمل هذه القاعدة استثنوا بعض الاستثناءات كما سيأتي إن شاء الله. قوله: «ولا تناط بالمعاصي الرخص فلم يبح لعاصٍ الترخص»، معناه كما تقدم: لا تعلق الرخص بالمعاصي؛ فالرخص إنما هي للطاعة وللمباح. والرخصة معناها ظاهر وواضح، مأخوذ من التيسير والتسهيل. وأما في الاصطلاح -كما ذكر وأشار في التعليق- الانتقال من الشيء الصعب إلى الشيء السهل لوجود عذر وسبب شرعي يرخص بذلك. فمثلًا: السفر عذر وسبب لحصول الرخصة في القصر، والمرض عذر لحصول الرخصة في الجمع، وهكذا قل في أنواع الرخص التي جاءت في الشرع. ومثلوا له بأمثلة كثيرة؛ فمن سافر لأجل الحرام كشرب الخمر، أو تجارة المخدرات، أو غيره، فالجمهور يقولون: لا يجوز له الترخص برخص السفر؛ فلا يجمع، ولا يقصر، ولا يفطر، ولا غير ذلك من رخص السفر؛ لأن سفره سفر معصية. وأبو حنيفة ومن وافقه -وهو الصحيح- إلا أن هناك استثناءات سيأتي التنبيه عليها- يقولون: بل له معصيته وقد تضاعف، والرخصة يعمل بها؛ لأنها عبادة تعبد الله عز وجل بها العباد، فلا يغير شرع الله. وكونه ترخص بسفر معصية، فهو يأثم؛ إذ إن الرخص إعانة على الخير، فاستعان بها على المعصية. كـ«النعم» إذا استعان بها على المعاصي، فإنه يعاقب على معصيته، ويعاقب على ماذا؟ على النعم التي استعان بها على المعصية. واضح: إنسان يعصي بذاته بجسده، وإنسان عنده مال، عنده سيارة يذهب فيعصي بماله وسيارته؛ الأول إثمه أقل، والثاني إثمه أكثر؛ لأنه استعمل نعم الله التي أعطاه إياها ليستعين بها على عبادته وطاعته والمباح مما حله الله له في معصية. وهكذا كذلك يقال بالنسبة لهذه الرخص مع هذه المعاصي. وهكذا كذلك قل في أشياء كثيرة هي نحو هذا المعنى. إلا أن الجمهور على قولهم بهذه القاعدة استثنوا مسائل من هذه المسائل؛ ما إذا كان الرخصة في فقد الماء، واستباحة التراب للتيمم، قالوا: يرخص له؛ لأنه ليس عنده ماء، فإذا لم يتيمم ماذا يصنع؟ معناه لا يصلي، والصلاة وقتها مضيق، ولا يجوز له أن يفوت هذه الصلاة؛ فلحرمة الوقت جاز له الأخذ بهذه الرخصة. وإذا كان كذلك دل هذا على تأييد القول الآخر؛ تأييد القول الآخر؛ لأن الاستثناء معيار العموم، ومعناه: كلما كثر الاستثناء في الشيء دل على ضعفه. ومن مسائل القاعدة أنه إذا اجتمع عليه بسبب معصيته شيء من الأعمال لزمه ذلك زجرًا وتأديبًا وإعمالًا لعدم الترخيص له. قالوا: مثاله لو شرب الخمر، ففقد عقله لأيام كثيرة، فلا ينزل منزلة المجنون، ولكن ينزل منزلة النائم، فيلزم بقضاء كل الصلوات. ولو قال: الوقت؛ لأنه هو السبب في ذلك وبمعصية وبمعصية. والصحيح والصحيح في هذه المسألة التفصيل على ما تقدم؛ إن كان هو بمنزلة النائم فحكمه حكم النائم، وإن كان هو بمنزلة المجنون -مثل أن يصاب بمرض فيفقد عقله بسبب السكر- فإنه لا يقضي، وهو يدخل في عموم رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المعتوه والمجنون حتى يفيق. وهذا هو الصحيح. ومنه كذلك عند الجمهور: طلاق السكران ينفذ؛ لأنه لا رخصة له في معصية. والصحيح أن طلاق السكران لا ينفذ؛ له معصيته، وطلاقه لا ينفذ. وقس على ذلك مسائل كثيرة. ولا ينافي ذلك القاعدة: «ما تولد عن مأذون فهو غير مضمون، وما تولد عن غير مأذون فهو غير مضمون». هذا ممكن أن يقال في المتلفات الذي يفقد عقله بشيء مباح، فأتلف شيئًا فلا شيء عليه؛ إن الله تجاوز عن أمة الخطأ والنسيان. والمستكري عليه هذا ما عنده عقل، ووضع القلم عن ثلاثة: المعتوه، المجنون حتى يفيق. رجل شرب شيئًا من الدواء، ففقد عقله من قوة الدواء، استعمل شيئًا مباحًا أو حرامًا. مباحًا، وعند فقدان عقله أتلف شيئًا، أتلف شيئًا، أو حصل منه شيء من الاعتداء، أو ربما كذلك عمل جناية. فبالنسبة للمتلف: هذا من الأحكام التي تتعلق بأسبابها، ليس من الأحكام التكليفية، لكن من الأحكام الأخرى التي تسمى بالوضعية، تعلق الشيء بأسبابها وعلاماتها؛ فعليه الضمان. لكن بالنسبة للإثم لا يأثم، ولو كان يترتب عليه حد لا يحد. لو كان يترتب عليه حد لا يحد. بخلاف من فقد عقله بسكر؛ بخلاف من فقد عقله بسكر؛ فإنه تولد تصرفه عن غير مأذون؛ فالأمر في حقه مضمون. ومن تولد فعله عن مأذون فهو غير مضمون. وقس على ذلك أمثلة كثيرة ونظائر لا تعد ولا تحصى. وهكذا مما استثنى الجمهور. وهذه مسألة خلافية أخرى: التفريق بين العاصي بالسفر والعاصي في السفر. وهذا كما قلنا يضعف القاعدة، ويؤيد قول الحنفية ومن وافقهم؛ فهم يفرقون فيمن أنشأ السفر لأجل المعصية، وبين من سافر وعرض سفره. فيجعلون الأول لا رخصة له، والثاني ماذا؟ له رخصة؛ لأنهم يقولون: ما أحد من بني آدم يسلم من المعصية في الحضر وفي السفر؛ فإذا وقعت المعصية في السفر لا يبطل الترخص في السفر، حاله كحال الحضر. لكن إذا كان أصل السفر لأجل المعصية فالأمر يختلف. وهذا الذي ذكروه يؤيد القول الآخر كما تقدم؛ لأن كثرة الاستثناءات تضعف القاعدة. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة عشرة: «الرخص لا تناط بالشك». قال: «والشك لا تناط أيضًا». قال: «والشك لا تناط أيضًا الرخص به». كما نص على ذلك السبكي. ومعنى هذه القاعدة أو أولًا من ألفاظ هذه القاعدة القريبة منها: «الرخصة» يقولون: «الرخصة لمن كان في أمر خاص لا تثبت مع عدمه». أو يقولون: «ما ثبت لعذر بطل بزواله». أو يقولون: «الضرورة تقدر بقدرها». معنى هذه القاعدة أولًا نأخذ هذه القواعد التي قريبة من هذه القاعدة. هذه القاعدة معناها ظاهر: أن الرخصة تدور بدوران علتها؛ فإذا وجدت العلة وجدت الرخصة، وإذا زالت العلة زالت الرخصة. «ما ثبت لعذر بطل بزواله»، «الرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه»، «الضرورة تقدر بقدرها». مثلًا: السفر رخصة للقصر؛ فإذا لم يوجد السفر ولم يوجد سبب آخر للقصر، فإنه لا يكون القصر؛ لأن الحكم يدور مع علة وجودًا وعدما. التيمم مع عدم الماء أو عدم القدر على الماء من ما يترخص فيه، فهي رخصة عند عدم الماء أو عدم القدرة على الماء؛ فإذا لم توجد هذه العلة لهذا ولا هذا فلا يترخص بالتيمم. وهكذا كذلك: يعالج للضرورة وعدم الطبيبة المرأة الأجنبية؛ فإذا لم تكن ضرورة أو وجدت المرأة والطبيبة المسلمة التي تعالجها، فهنا لا يجوز له أن يطببها. طيب الآن علمنا بهذا: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما؛ فالرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه. كذلك «ما ثبت لعذر بطل بزواله»، و«الضرورة تقدر بقدرها». بقي إذا وقع شك في هذه الرخصة، ووجود العلة فيها؛ فهنا كذلك لا يترخص بالرخصة. إذن معنى القاعدة: لا يترخص برخصة شككنا في وجود السبب المرخص لها. هذا معنى القاعدة: لا يترخص برخصة شككنا في وجود السبب المرخص لها. فإذا شككنا في تحقق السفر -هل هذه المسافة سفر أم ليس بسفر؟ هل نترخص أم لا نترخص؟- لا نترخص. لهذه القاعدة: «الرخص لا تناط بالشك». وإذا شككنا في وجود الماء؛ فهل نترخص؟ لا نترخص. أو شككنا في القدرة على الماء؛ فلا نترخص. وهكذا لو شككنا في أن هذا المرض ضرورة، أو أن الطبيبة غير موجودة؛ فلا نترخص بالدخول على الطبيب مع هذه أو لهذه المرأة الأجنبية. وهكذا قل في مسائل كثيرة لا تعد ولا تحصى، وأشباه ونظائر حول هذا المعنى. قوله رحمه الله: «والشك لا تناط أيضًا الرخص به». كما نص على ذلك السبكي. معنى القاعدة كما تقدم: إذا حصل التردد في أمر أنه وجد فيه السبب الرخصة أو لم يوجد؛ فالأصل أنه لا يترخص بهذه الرخصة. لا يترخص بهذه الرخصة. فمثلًا: شك هل أكمل مدة المسح أو لم يكمل مدة المسح؟ وليس عنده أصل يرجع إليه. بخلاف -وهذا مما يستثنى في القاعدة- إذا كان هناك أصل يرجع إليه؛ فيرجع إلى الأصل؛ لأن القاعدة: القواعد درجات؛ فهناك قاعدة أقوى من قاعدة. فقاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان» أقوى من قاعدة: «الرخص لا تناط بالشك». لماذا؟ لأن «بقاء ما كان على ما كان» يقين، و«الرخص لا تناط بالشك» ماذا؟ شك. فيقدم اليقين على الشك. فيقدم اليقين على الشك. إنسان شك في عدد المسح -عدد أيام المسح- كونه مسافرًا شك: هل أكمل المدة أو لم يكمل؟ إذا كان هو متيقنًا مثلًا من اليومين، وشك في دخول اليوم الثالث؛ فالأصل ماذا؟ بقاء ما كان على ما كان؛ اليومين، والمشكوك يلغى. وهذه هي قاعدة الشك. وقاعدة الشك كما تقدم معنا: أنه إذا شك في القليل والكثير؛ فيبني على ماذا؟ على القليل. كما في حديث أبي سعيد: «في من شك في صلاته: أصلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليجعلها ثلاثًا، وليبني على ما استيقن». وهكذا كذلك في قاعدة الشك. لكن إذا شك وليس عنده أصل؛ لا يدري: هل أكمل أو لم يكمل؟ وهذا قد يحصل للإنسان؛ فهنا الأصل يرجع ماذا؟ إلى عدم الرخصة؛ يغسل ويترك المسح. يغسل ويترك المسح. وهكذا في كل رخصة تشك فيها؛ فالأصل عدم الرخصة؛ لأن «الرخص لا تناط بماذا؟ بالشك». لكن يستثنى من ذلك كما تقدم: إذا كان هناك أصل؛ فيرجع لهذا الأصل. قال رحمه الله تعالى: القاعدة السادسة عشرة: «الرضا بالشيء رضاً بما يتولد منه». قال: «ثم الرضا بالشيء قر رضاً بما ينشأ عنه حسب ما قد رسم». وقد يقال: «ما نشأ عنه أذن فيه، فما من أثر عنه زكن». ولكن استثني منها «ما شرط سلامة العقبى به كما ضبط». كضرب زوج، ومعلم، ومن يلي، وتعزيرات قاض؛ فعلم. هذه قاعدة أخرى، وهي -وما قبلها- وما قبلها جعلها من القواعد الكلية. وأشبه ما تكون قواعد صغرى أو ضوابط. هذه القاعدة يعبر عنها بهذا التعبير: «الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه». أو يقولون: «الرضا بالشيء رضا واعتراف بما يتولد منه وبصحته». رضا بما يتولد منه واعتراف بصحته. أو «رضا واعتراف بما يتولد منه». وقد يعبر عنها كذلك: «ما تولد عن مأذون فيه فلا أثر له، وما تولد عن غير مأذون فله أثر». وقد يعبر عنها: «ما تولد عن مأذون فهو غير مضمون، وما تولد عن غير مأذون فهو مضمون». فهذه العبارات كلها تدور حول معنى واحد. ومعنى هذه القاعدة: أنه متى حصل الرضا متى ما حصل الرضا على الأمر الذي حرص عليه؛ فإنه يترتب عليه آثاره؛ يترتب عليه آثاره. ونلاحظ أن لفظة «ما تولد عن مأذون» أفضل من «الرضا بالشيء»؛ لأنه يدخل فيه ما يتعلق بالأشخاص أنفسهم في حقوقهم، وما يتعلق بالتصرفات. فمثلًا: إنسان أعارك سيارته؛ فتلفّت السيارة بغير تفريط؛ هل عليك شيء؟ الأصح: ليس عليك شيء. «ما تولد عن مأذون فهو ماذا؟ غير مضمون». «الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه»: هو رضي، أذن لك أن تستعيرها؛ فخربت بدون تفريط؛ ليس عليك شيء. أخذتها برضا، لكن كونك من عندك إكرامًا وردًا للجميل ومجازاة المحسن بالإحسان؛ تعوضه وتصلح له ما أتلفته؛ هذا هو الكمال، وهو خلق المسلم. لكن هل يجب؟ الصحيح: لا يجب. «الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه». بخلاف ما إذا فرط؛ بخلاف ما إذا فرط. ولهذا استثنى العلماء في هذا التعدي والتفريط؛ استثنى العلماء من هذه القاعدة التعدي والتفريط. لكن هل يدخل في هذه القاعدة: من وجب عليه الحد، فقطعت يده؛ فامتد أثر هذا القطع وسرايته حتى تلفت اليد أو ربما مات هذا الإنسان؟ قد يقع هذا، ولا يقع؛ قد يقع. فهنا: السارق ما رضي أن تقطع يده؛ رضي، ما رضي أن تقطع يده. لكن إذن هي لا تدخل في القاعدة؛ إنما تدخل في التعبير الآخر، وهو ماذا؟ «ما تولد عن مأذون فهو غير مضمون». ولهذا كان التعبير الآخر أفضل وأوسع من التعبير الذي عبر به هاهنا رحمه الله. فإذا كان كذلك فهو غير مضمون؛ لماذا؟ لأنه قطع يده بحق، ولم يكن متعديًا ولا مفرطًا؛ فـ«ما تولد عن مأذون فهو غير مضمون». لا دية إذا مات هذا السارق؛ لا دية لأهله؛ لأن الذي وقع له بسبب تصرف مأذون، ولم يحصل أي اعتداء. لكن إذا حصل شيء من الاعتداء -مثل أن يعتدي القاطع- بدل أن يقطع من رءوس الأصابع والكف؛ قطع أعلى؛ فتلفت يده؛ فمات؛ فهنا هذا التصرف فيه اعتداء أم لا؟ فيه اعتداء؛ فعليه الضمان؛ فعليه الضمان؛ لأنه تولد عن غير مأذون؛ فهو مضمون. ومثله لو اختصم مع رجل، فقطع يده؛ فهنا عليه القصاص الجروح قصاص؛ فإذا تعدى؛ فمات؛ فإذا عليه الدية؛ لأنه في شيء غير مأذون. وهكذا قل في أمثلة كثيرة في هذا المعنى. قوله رحمه الله: «ثم الرضا بالشيء قل رضا بما ينشأ عنه حسب ما قد رسم». ومعنى القاعدة كما تقدم: أن الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه؛ إذا رضيت وأذنت في شيء معين؛ يستلزم ذلك الرضا بما يتولد عن هذا الشيء من الآثار التي تلحق. مثل ما مر معنا في مثال الإعارة؛ فإذا أعرت إنسانًا شيئًا؛ فإنك يلزمك أن ترضى بتبعات هذه الإعارة. أعرت كتابًا؛ فقرأ فيه الإنسان؛ فرد لك الكتاب؛ لا تأتي تقول: يا أخي ماذا صنعت بالكتاب؟ أنت تقرأه أم تفتت الورق؟ أنت أذنت؛ فلم يعتدِ. لكن إذا قطع الورق؛ أتى لك بالكتاب فيه شيء من الاعتداء؛ فهنا لك الحق. أما أنك تريد الكتاب جديدًا مثل ما أعطيته إياه؛ هذا ليس مما يكون. فـ«الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه». وهكذا قال: «وقد يقال: ما نشأ عنه أذن فيه، فما من أثر عنه زكن». قد يقال كذلك عن القاعدة: «ما نشأ عن مأذون فيه؛ فما كان من أثر فهو ساقط، أو ليس يؤخذ به». وهو الذي سبق: «المتولد من مأذون لا أثر له، والمتولد من غير مأذون له أثر». ومعنى «زكن»: أي علم؛ «فما من أثر»: يعني ليس له أثر. وهذا أمر معلوم عند أهل هذا العلم. وقوله: «ولكن استثني منها ما شرط سلامة العقبى به كما ضبط». يعني استثناء العلماء والفقهاء والأصوليين وأرباب القواعد الفقهية والأشباه والنظائر هذا الاستثناء، وهو ما إذا كان من شرطه سلامة العقبى، وهو في الحقيقة بمعنى القيد الذي تقدم: أن لا يكون فيه اعتداء ولا تفريط. لكن نص على ذلك؛ لأن الشرع ضبطه بذلك. قال: «كضرب زوج، ومعلم، ومن يلي». ضرب الزوج: يعني لزوجته؛ أذن له -إن احتاج إلى الضرب في التأديب- أن يضرب؛ لكن كما جاءت في السنة: «ضرب غير مبرح»؛ يعني لا يكسر عظمًا ولا يجرح لحمًا؛ المقصود هو التأديب، ليس الانتقام. فإذا أراد التأديب؛ إذن قد لا يحتاج أصلا إلى أن يضرب؛ قد يهدد ولا يضرب. وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب فعليه الصلاة والسلام؛ فمن استطاع أن يلجأ أو يلجأ إلى الضرب؛ فهذا هو الأكمل والأفضل. ومن استعمله؛ فإذن بضابطه: لا يكسر عظمًا ولا يجرح لحمًا. ضرب يقصد منه التأديب، ليس الانتقام والتشفي كما يفعل بعض الناس؛ فإذا حصل شيء من ذلك؛ فإذن عليه الضمان؛ لأنه تصرف تصرفًا زائدًا عن المأذون. المأذون: «ضرب غير مبرح»؛ فسر «غير مبرح»: «لا يكسر عظمًا ولا يجرح لحمًا». ومثله: المعلم؛ فإنه يضرب ضرب التأديب الذي لا يتعدى معنى هذا الضرب. بل نص العلماء: أن ضرب التأديب دون ضرب التعزير كما مر معنا في كتاب الحدود قريبًا. وقوله: «ومن يلي»: أي ولي اليتيم؛ أي ولي اليتيم؛ فهو كذلك قيد بالشرع بأن لا يعتدي في ضربه. «وتعزيرات قاض؛ فعلم». لأن القاضي حتى في التعزير مأمور بالتخفيف؛ ولهذا جاء -كما هو معروف في الفقه- وهذه من مسائل مباحة الفقه: أن التعزير له أحكام خاصة تختلف عن الحدود؛ فلا يجوز تشبيه التعزير بالحد. وفيه تفاصيل كثيرة. فإذن ما هو الجامع الذي يجمع هذه كلها؟ هو أن لا يكون فيه اعتداء ولا تفريط ولا مخالفة للشرع؛ فتقيد هذه القاعدة بهذه القيود الثلاثة. طيب نقف لهنا. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.