قصة نوح عليه السلام 1

قصة نوح عليه السلام 1

الدرس في قصة نوح عليه السلام 1، ما بين آدم ونوح عليهم السلام - إدريس وشيت عليهم السلام - ظهور الشرك . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة لبعثة نوح عليه السلام وأهميتها

الدرس ينتقل إلى قصة نوح عليه السلام، مع التركيز على كونه من أولي العزم وأول رسول إلى أهل الأرض، ومناقشة وجود رسل قبل نوح. يمثل هذا التمهيد بداية لفهم أهمية بعثة نوح.

أصل بني آدم وظهور الكفر بين آدم ونوح

يتم استعراض أصل بني آدم وانتسابهم إلى شيث عليه السلام، مع مناقشة بداية ظهور الكفر خلال الفترة بين آدم ونوح، مستندًا إلى أقوال العلماء وأحاديث نبوية.

كيف يوقع الشيطان الناس في الشرك والبدع

يشرح المقطع دور الشيطان في إغواء الناس وإوقعهم في الشرك من خلال تزيين البدع، ويستشهد بقصة قوم نوح وعبادتهم للأصنام، موضحًا كيف يغير الشيطان مسار الناس من التذكر إلى الشرك.

ختام المقدمة والدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المقدمة بدعاء الله أن ينفعهم بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، مشيرًا إلى أن قصة نوح ستأتي في دروس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الانتهاء من ذكر أهم أحداث قصة آدم عليه السلام، كما هي مسطرة في كتاب الله، وكما هي مبثوثة في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. وننتقل الآن إلى قصة نبي آخر من أنبياء الله، ألا وهو نوح عليه السلام. لكن قبل الشروع في الدخول في أهم أحداث نوح عليه السلام، أحب هنا أن أذكر مسائل، أو قل على التحديد مسألتين، نعتبرها كمقدمة لبعثة نوح عليه السلام، وهي كذلك من أهم الأحداث التي وقعت، أو من أهم المسائل التي ينبغي أن تطرح بين فترة آدم عليه السلام ونوح. الآن، المسألة الأولى في بيان أن نوحًا عليه السلام هو من أولي العزم من الرسل، وهو من أوائل من أرسله الله إلى أهل الأرض، بنص القرآن والسنة. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَإِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، فنوح هو على رأس الهرم، والأنبياء من بعده. وأيضًا جاء مصرحًا في حديث الشفاعة الطويل الكبير العظيم، حينما ينتقل الناس ويطلبون الشفاعة في فصل القضاء، فيذهبون إلى الأنبياء والرسل، فيأتون إلى نوح عليه السلام، وبأعظم ما يصفون به نوحًا أن يقولوا فيه: «أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض»، أنت أول رسول، فله الأولوية المطلقة. إذن نوح عليه السلام، سيأتي معنى أنه هو أول رسول. تأتي هنا المسألة التي بها تبتدئ المسائل: هل معنى هذا أنه ما هناك رسول قبل نوح؟ يعمل لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث الله نوحًا، لم يكن هناك رسل؟ الجواب: لا، ما كان عندي رسل. قد يقول قائل: بلى، هناك إدريس، إدريس عليه السلام. وقد ذكر هذا في كتب المؤرخين على أن إدريس عليه السلام هو من الرسل الذي عاش بين آدم وبين نوح. الجواب: نعم، هذا مذكور، وهذا عند بعض المؤرخين مسطر على أن إدريس كان قبل نوح. لكن ما قاله العلماء من المحققين أن هذا غلط، أن هذا غلط. ومن أعظم من شدد في هذا المقام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، يسأل عن هذا السؤال حول أن إدريس كان قبل نوح، قال: «هذا خطأ وكذب»، يشدد «خطأ وكذب»، وما ينبغي أن يدرس، قال: لأن هذا يخالف النص، النص عندي صريح: «يا نوح، أنت أول رسول»، فكيف نعقب ونقول أن إدريس قبل نوح؟ لا، إذا أردنا الرسالة لا، وإنما إن كان رسولًا فهو بعد نوح، وليس قبل نوح. إذن انتهينا من مسألة الرسالة. تأتي مسألة ثانية: هل هناك أنبياء قبل نوح؟ قلنا: رسل، ما عندي أحد. هل هناك أنبياء قبل نوح؟ الجواب: يحتمل نعم، يحتمل أن هناك أنبياء قبل نوح عليه السلام. نحن كرسالة الرسل بدأت بنوح، الأنبياء مجاله أوسع، فآدم عليه السلام قد مضى ذلك، معنى أن آدم يعتبر ماذا؟ أول نبي، آدم نبي، نبي المكلم. هل بعد آدم جاء أنبياء؟ نعم، يذكر جماعة من أهل العلم عدة شخصيات، ومن أبرزهم شيث، شيث عليه السلام. نعم، يذكره العلماء في كتب التواريخ على أن شيث هذا نبي من أنبياء الله. جاء حديث في هذا الموضوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان شيثًا نبيًا»، لكنه ضعيف، لكنه ضعيف. ومع ذلك الكثير من العلماء قديمًا وحديثًا من علمائنا من يرى أن شيث نبي من أنبياء الله، كان قبل نوح. قبل نوح، بل أضاف وصف آخر لشيث عليه السلام بأنه كان من أبناء آدم من صلبه، من أبناء آدم من صلبه، فليس بعيدًا عنه، بل من صلبه المباشر. فإذا أخرى ذكروها في شيث قالوا: أن الذراري وذرية الآدميين الآن على الكون كلها تفرعت من شيث، كلها تفرعت من شيث. وهذا الكثير من أهل العلم من صرح به، وعلى رأس هؤلاء الإمام الإمام المفسر المؤرخ الإمام الطبري، قال رحمه الله تعالى في تاريخه: «وإلى شيث عليه السلام أنساب بني آدم كلهم اليوم»، وإلى شيث أي السلسلة إلى هذا الرجل، وإلى شيث أنساب بني آدم كلهم اليوم، وذلك أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث انقرض، انقرض، ولم يبق منهم أحد. قال: مرة معنا أن حواء قد أنجبت، ما تكلمنا حول حواء وأنها في كل بطن توأم ذكر وأنثى، وتكثرت وتكاثرت الولادة، وصلوا إلى المئات. فالذي يذكر العلماء أن هذه المئات انقرضوا إلا ما كان من نسل شيث، شيث هذا ولد من صلب آدم، أبقى الله له البقاء ولذرية. ونحن الآن نرجع إلى هذا الأصل، وهو نحن من أولاد شيث بن آدم، هذا الذي قاله إمام الطبري، قال: «من غير نسل شيث انقرضوا، فلم يبق منهم أحد»، قال: «فأنساب الناس كلهم اليوم إلى شيث عليه السلام». طبعًا هذه العبارات وهذه الأشياء قد بيّن جماعة من أهل العلم أنها من الإسرائيليات، أنها مأخوذة من الإسرائيليات، ما عندنا مستند آية قرآنية، ولا عندنا حديث نبوي يمكن أننا نستند عليه على هذه الحقائق في شخصية شيث عليه السلام. فعلى أقل تقدير نحن لا نمنع من وجود أنبياء قبل نوح، ما في إشكال. لكن رسل قبل نوح لا، عندي إشكال، لأن هذا فيه خلاف النص. فإذا فتح المجال على احتمالية وجود أنبياء قبل نوح، فذكر شيث عليه السلام، فقال: لا مانع، لا مانع أننا نؤمن إجمالًا على وجود أنبياء، ومنهم شيث، على ما صحف به الأخبار وتنقلها العلماء. أما الإيمان التفصيلي، الله أعلم بحياته وببعثته وما صار من أمره. هذه مقدمة وهي المسألة الأولى المتعلقة بهذا الباب. المسألة الثانية التي أحب كذلك أن أقدم بها أمام قصة نوح عليه السلام، سيأتي معنا على أن نوحًا عليه السلام بعث على قوم كفار، قوم كفار، وهذا قد علم به القاص والداني، وصورة نوح مسطرة في بيان كيف أن نوح تعب مع قومه. يبقى هنا السؤال: من أين جاء الكفر؟ آدم خرج من الجنة وأبقى بقي في الأرض فترة من الزمن، وقد ذكرنا أن الأمة بقيت على التوحيد، ما هناك شرك، ما هناك كفر. ثم جاء نوح على كفر، إذا هناك حلقة مفقودة، وهو أين ظهر الكفر؟ أين جاء؟ جاء ذلك في أحاديث، منها ما جاء في البخاري من حديث ابن عباس على أن ما بين آدم إلى نوح، هذه كانت عشرة قرون كلها على التوحيد، على التوحيد. لكن الشيطان في هذه الفترة كان يخطط وكان ينسق، ظهر الكفر على وجه الأرض من قصة أناس من أهل الصلاح: ود، سواع، ويغوث، ويعوق، ونسرى، هؤلاء أهل صلاح من أهل الإسلام من أهل الإيمان، وكانوا صلحاء، وما كانوا في منطقة واحدة كما يقال، بل كانوا هنا وهنا وهنا على خير وعلى دين وعلى وعظ وعلى إرشاد للناس للخير، دامت بهم مدة. كما جاء في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو يصف هؤلاء الخمسة، قالوا: كانوا رجالًا صالحين، قال: «فلما هلكوا - أي ماتوا - كتب عليهم الفناء»، هذا مات أولًا، ثم بعد فترة مات الثاني، ثم انقرضوا كما نراه الآن من موت كبار العلماء، كبار العلماء يموتون، اتباعًا هذا بعد فترة، ثم ما تسمع إلا وآخر ما يتوفاهم الله عز وجل. وهكذا صار مع ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرى، فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا. بل الشيطان يدخل، والشيطان إخواني في الله ينبغي أن نعلم أن له نظرة ثاقبة، نظرة ثاقبة. نعم، قد أحيانًا يدلك على باب من أبواب الخير، لكن على حساب أن يوقعك في ما هو ورطة ومصيبة، لا تستبعد أن الشيطان لربما يعينك على أن تقرأ شيء من القرآن، لكن بالمقابل أن تضيع فريضة، تضيع فريضة، فهو قد يوقعك في شيء، لكن يقابل أن تضيع ما هو أعظم مما فعلت. فقال: أوحى الشيطان إلى قومهم لما رأى منهم التأسف والندامة، لأن هؤلاء الخمسة كانوا في قمة من الورع والزهد والإيمان، فأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا، انصبوا ماذا؟ أنصابًا، تماثيل، أصنامًا، انصبوا في مجالسهم، وهذا كما يفعل الآن ما يسمى بالنصب التذكاري، النصب التذكاري. ومثل الآن ما نرى من بعض الناس من يعلق صور شخصيات يعظمها يقدسها، فبدأ الشيطان مع هؤلاء بقضية التصاوير: «انصبوا، وإن كان هذا ود، وإن كان قال: والله ود، هذا محل له مكان يجلس، ويعلم هذا المكان، ابدوا له نصبًا، وسموه باسمه»، هذا نصب ود، حتى الناس يتذكرون. وجاء في رواية: «ففعلوا الناس ذلك بحجة أنهم يتشوقون لعبادة الله، إذا رأوا ود وصورته وتمثاله تتحمسوا»، فجعلها ذريعة لهذا الباب، أي إلى تذكر الصالحين، أن انصبوا في مجالسهم التي يجلسون فيها أنصابًا، ففعلوا، ففعلوا هؤلاء القوم، وهو الجيل الآخر، فعلوا وأخذوا فترة من الزمن يجلسون في هذه المجالس التي فيها هذه النصب التذكارية. ثم قال ابن عباس: قال: «ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت». جاء في بعض روايات أن هذا الجيل انقرض، والشيطان صابر، عنده صبر عظيم، عنده تجلد، عنده نظرة ثاقبة، خطة خمسية يضعها، ولو بعد بيتين سنة، جيل بعد جيل ينتظر. فانتظر إلى أن يأتي الجيل الآخر، وهو جيل بعيد، جاءت هذه الأجيال، ويذكرون أن آباءهم وأجدادهم كانوا يجلسون في هذه الأماكن، المجالس العامة الذي فيها هذه النصب التذكارية. لكن هذه المرة أخذ الشيطان يوحي إليهم أن هذه ما كانت نصبًا تذكارية، لا، بل هذه نصب تعبدية، وأن آباءكم كانوا يعبدونها، وكانوا يسقون بها الأمطار، كما جاء في بعض روايات. فغير المسار من أن تكون تذكار إلى أن تكون تعبد من دون رب الأرض، فعبدت، كما قال ابن عباس: «حتى إذا هلك أولئك، ثم تأتي جيل بعد جيل»، وقال: «ونسخ العلم»، العلم لما يذهب العلم، ما الذي يحل؟ المحلة يحل الكفر والشركيات، لأن بدل العلم الجهل، وإذا استفحل الجهل في الأمم، انتظر يا عبد الله البلاء العظيم الذي يطم ويعم. فهذه الأجيال تلو الأجيال مع وجود النصب ومع وجود ماذا؟ قبض العلماء، لا ود موجود، ولا سواع، ولا يغوث، ولا يعوق، فذهب العلماء ونسي العلم، فبقي الشيطان في الميدان، استطاع أن يستحوذ على هؤلاء. فقال ابن عباس: «فعبدت»، عبدت على إثر هؤلاء أرسل الله عز وجل نوحًا عليه السلام، نوحًا جاء إلى الشرك الذي استفحل في قومه، قد عبدوا ود وعبدوا سواع ويغوث ويعوق ونسرى، وحاول معهم كما سيأتي معنا في دروس قادمة بإذن الله. مسألة أخيرة أختم بها المجلس: قد يقول قائل: طيب، هذه الأصنام متى كانت؟ كانت في زمن نوح، طيب، كتب التاريخ، وخاصة تاريخ العرب، يذكرون أن هذه الأصنام موجودة في الجزيرة، موجودة في الجزيرة، جاء أن ود وسواع، أحدهم في دومة الجندل، والآخر كان في جهة الطائف، والآخر في جهة نجد. كيف قد يقول قائل: ما الذي أتى بها مع الفترة الزمنية السحيقة؟ لأقول: عشرات السنين، ولا مئات السنين، ولا آلاف السنين، بل عشرات ومئات آلاف السنين بين نوح وبين العرب. كيف بقيت الأصنام هنا؟ جاءت الآثار التي تخبر على أن هذه الأوثان التي وجدت في زمن نوح عليه السلام، عندما جاء الطوفان الذي أغرق الأرض جميعًا، هي نعم مما غرقت وطمست وردمت وأقبرت داخل الأرض، فلا يبقى لها قرار، ولا بقي حتى أتى الشيطان فأخرجها من الأرض وأظهرها لمشرك العرب، فعبدوها مرة أخرى، هكذا قال العلماء في بعض الآثار المروية عن ابن عباس وعن غيره. فهذه أهم المقدمات التي أتقدم بها بين قصة نوح عليه السلام، والتي ستأتي معنا بإذن الله في دروس قادمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.