قصة نوح عليه السلام 2

قصة نوح عليه السلام 2

الدرس في قصة نوح عليه السلام 2، دعوة نوح - عليه السلام - لقومه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة نوح عليه السلام وبداية دعوته

نوح عليه السلام مكث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه في العراق إلى توحيد الله، واستخدم أساليب مختلفة في الدعوة. قومه أبدوا عناداً واستكباراً تجاه دعوته.

تحديات نوح لقومه ودعاؤه عليهم

نوح عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد، لكنهم أعرضوا وتحدوه، فدعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه أن لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن. خشي على المؤمنين من الكفار.

صنع السفينة ورد فعل قوم نوح

أمر الله نوحًا بصنع سفينة كبيرة، واستغرق ذلك خمسين سنة، وكان قومه يستهزئون به لتركه الدعوة والانشغال بصنع السفينة في منطقة لا يوجد فيها ماء.

ختام الدرس والإشارة للدرس القادم

تم استعراض بداية قصة قوم نوح والعذاب الذي سيحل بهم، وسيتم تفصيل ذلك في الدرس القادم. الدرس تم ختامه بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله في قصص الأنبياء والرسل، وها نحن في هذا المقام نبتلئ وإياكم في الدخول في قصة نوح عليه السلام. مضى معنا كتمهيد لهذا المقام أن نوحا عليه السلام يعتبر أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض. وقد ذكر العلماء أن اسم نوح ذكر في القرآن ثلاث وأربعين مرة، اسمه ذكر في القرآن ثلاث وأربعين مرة، وهو من أولي العزم من الرسل. وقصة نوح، كما يقول أهل التفاسير، أنها تدور على أرض العراق، تدور في أرض العراق، واستأنسوا بما كان من أحداث جبل الجودي، سيأتي معنا في أحداث قصة نوح، وهذا الجبل هو من الجبال المتاخمة لأرض العراق. وستأتي معنا أن هذه البلاد، بلاد العراق، هي كذلك أحداث نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهكذا يونس. وستأتي معنا بعض الأحداث التي وقعت في هذه المنطقة بالذات بعد عشرة قرون، كما مر معنا في أثر بن عباس، حصل الشرك في قوم نوح، ثم أرسل الله عز وجل نوحا إلى قومه يدعوهم إلى الإيمان وإلى توحيد الله جل في علا. فقام نوح عليه السلام بدعوة قومه دعوة عظيمة، عظيمة في مدتها وعظيمة في كيفيتها. في مدتها مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، تخيل يا عبد الله إلى هذه المدة التي لربما تتقاصر الأذهان في تخيلها، ألف سنة ليست مئة ولا مئتين ولا ثلاث ولا أربع، كلا، لها نبي الله نوح عليه السلام، كلا، لها بالدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، بل وتفنن في ذلك، تفنن في ذلكم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿قال ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾. تخيل يا عبد الله إلى هذه الطرق التي اتخذها نوح مع قومه، ليل ونهار، صباح ومساء، سر وإجهار وإعلان. وبالمقابل، انظر إلى صور العناد: استغشوا ثيابهم، ووضعوا أصابعهم في آذانهم، كل ذلك يأبون الاستماع والاتباع لنوح عليه السلام. مما يذكر في دعوة نوح عليه السلام أننا كما أشرنا، وإن كانت المصادر تتحدث على أن نوحا كان في أرض العراق، لكن كانت دعوته شملت أهل الأرض، إذ أنه كان ينتقل بين أرجاء المعمورة بما أعطاه الله من هذا العمر المديد. فكان ينزل هاهنا عشرين سنة، وفي بلدة ثانية ثلاثين، وفي البلدة الأخرى أربعين، خمسين، ثلاثين، عشرين، هنا على الأرض. وهذا قد رجعه جماعة من أهل العلم إلى أن نوحا عليه السلام أن دعوته قد وسعت الأرض. ودليل ذلك بما جاء في قوله تعالى: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾، على الأرض، لماذا؟ لأن دعوته شملت الأرض، وكما قلنا أعطى هنا وهنا وهنا وهنا، فأبلغ الحجة إلى كافة المعمورة. هذا ذكره بعض علمائنا في قصة دعوة نوح عليه السلام. أشاهد أن نوحا عليه السلام بدأ مع قومه بدعوتهم إلى التوحيد وإلى الرجوع إلى رب العبيد سبحانه وتعالى، إلا أنه وجد منهم الإعراض، بل كما قال: ﴿فلم يزدهم دعاء إلا فرارا﴾، هذا إغلاق، إغلاق تام، يعني أصبحت الدعوة ليست سبيلا للهداية أو تخفيفا لشر، بل إعراض، إذا دعا زادوا نفورا، أغلقوا عليه الأبواب. بل ما وصل الأمر إلى هذا الحد حتى وصل بهم الأمر إلى التحدي وطلبوا من نوح: يا من تتوعدنا بعذابك بعذاب ربك، فأتينا به، فأتينا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. أيش تخوفنا بعذاب ربك؟ هات العذاب، نحن في انتظاره. هذا قمة من التطاول والاستهزاء والإزدراء. فكان من أمره قال: ﴿إنما يأتيكم به الله إن شاء﴾، هذا أمر ليس عندي وليس لي، وإنما هذا أمر لربي، إن شاء أهلكهم وأتاكم بعذابه. إلا أن الله عز وجل أرسل وأوحى إلى نوح بوحي: ﴿وأنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتأس﴾، خلاص يعني لا تنقطع نفسك حسرة على هؤلاء الذي تراهم أمامك من أهل الإيمان، هم هم لن يزاد عليهم أحد، لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلا تبتأس بما كانوا يفعلون. حينها لما علم نوح عليه السلام أن الأمر انتهى، وأن ما هناك داعي إلى استمرار في الدعوة، وأن الأمر انقضى، حينها دعى بدعاء وهو دعى على قومه: ﴿ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾، لماذا دعى على قومه؟ لما علم بهذا الأمر بأنه لن يؤمن إلا من قد آمن، خشي على من خشي على هذه الفئة المؤمنة من الفئة المتكاثرة من الكفرة، خاف على القلة من هؤلاء الكثرة أنهم يضيق عليهم، يضيق عليهم، فخاف على هؤلاء المؤمنين. فقال: ﴿ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضل عبادك ولا يلد إلا فاجرا كفارا﴾. فلما كان خائفا على الفئة المؤمنة دعى على الكفار بأن الله يزيحهم ويستأصلهم، وخاصة أنه لن يؤمن منهم أحد، وأن الله قد ختم على قلوبهم. وكم عسى من آمن مع نوح؟ القرآن أشار إلى القلة: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، مع طول هذه المدة ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع كثرة ما قام به من طرق الدعوة الجلية والخفية، إلا أنه في الأخير ما آمن معه إلا قليل. نعم، تناقل أهل التفاسير عددا فيه التقريب لمسألة القلة، ومن أشهر ما ذكر من هذه الأرقام والأعداد ما جاء عن أهل الكتاب، وقد نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنهم ثمانين شخصا فقط، ثمانين، هؤلاء الذين أسلموا وكانوا من أتباع نوح عليه السلام، قلة قلة أمام أرض أهل الأرض وأمام هذه الدعوة العريضة. لكن الله عز وجل لم يكتب النجاح والفلاح إلا لهذه الفئة، ثمانين شخصا، ومنهم من ذهب إلى أقل من ذلك، إلى أقل من ذلك. فلما كان الأمر كذلك، حينها أوحى الله عز وجل إلى نوح: ﴿أن اصنع الفلك﴾، أي اصنع سفينة كبيرة ضخمة، اصنعها، اصنعها. فبدأ نوح عليه السلام بالاعتمار بأمر الله بصنع السفينة. تناقل أهل التواريخ على أن صنع السفينة كلف نوحا عليه السلام خمسين سنة، خمسين سنة. وتخيل معي يا عبد الله ما الذي سيقوم به نوح؟ سيقوم بإنشاء سفينة كبيرة كبيرة، وهو متى في هذا العمر قد قارب من الألف سنة، يعني قد بلغ في السن، وما معه إلا القليل من الرجال الذي قد يستعان بهم. ذكر العلماء على أن بداية صنع السفينة كان من إنبات الأشجار، عمد نوح عليه السلام إلى أراضي وزرع فيها الأشجار الذي سيستعان بها على بناء سفينة كبيرة ضخمة. فغرس الأشجار حتى إذا اشتدت واستوت أخذ بتقطيعها إلى ألواح، ثم بدأ بصنع السفينة. يذكر العلماء على أنها كانت على ثلاثة طوابق، ثلاثة الطوابق، ليس على طابق واحد، الطابق الأول للحيوانات، الطابق الثاني للبشر، الطابق الثالث للطيور. كان قوم نوح ممن يرون نوحا يفعل هذا، وكلما مر عليه قوم ملأوا من قومه سخروا منه، يسخرون ويتضاحكون. وسأتي معنا حتى أن الناس تنادوا من كل صقع: تعالوا تعالوا، فيأتي من هنا ويأتي من شرق ويأتيها البواد وينظرون لهذا المنظر، لماذا؟ استهزاء بنوح عليه السلام وما يصنع. وكان السخرية تعود إلى أمرين اثنين، الأمر الأول أنهم رأوا أن نوحا قد توقف عن الدعوة والتفت إلى ماذا؟ إلى صنع السفينة. فقال: يا نوح، أصبحت نجارة بعدما أن كنت نبيا، أصبحت نجارة بعد أن كنت نبيا، يرونه يقطع الأخشاب ومعه المسامير الدسر والألواح، فكانوا يستهزئون من هذه المهنة. هذا الوجه الأول من أوجه الاستهزاء. الوجه الثاني من وجه الاستهزاء من أوجه الاستهزاء أنه قام بصنع سفينة في مكان لا بحر فيها، لا ماء، لا خليج، حتى يقال لعله أراد أن يرتحل من قريتنا إلى قرية ثانية، لكن أين الماء في أبوادي؟ أرض قحل ليس فيها مياه ولا أمطار، فكانوا يستهزئون منه. فالشاهد إخواني في الله، كانت هذه بداية ما سيأتي من قوم نوح من العذاب الشديد، وهو الطوفان العظيم. وسيأتي هذا معنا بإذن الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.