شرح الفرائد البهية  15

شرح الفرائد البهية 15

الدرس في شرح الفرائد البهية 15، تابع : القاعدة الثالثة:المشقة تجلب التيسير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية

يتناول هذا الفصل أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية، حيث ذكر سبعة أسباب منها العسر والحرج والسفر والمرض والنقص. كما يشرح أنواع التخفيف الستة.

التخفيف في العبادات وأحكامه

يتناول هذا الفصل أسباب التخفيف في العبادات مثل المرض والسفر والنقص، ويشرح كيف أن هذه الأسباب تؤدي إلى التيسير في أداء العبادات. كما يبين اختلاف العلماء في تحديد المشقة التي توجب الرخصة.

أنواع التخفيفات وتطبيقاتها العملية

يتناول هذا الفصل شرح أنواع التخفيفات في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها بحسب الأحوال والأسباب، مثل المشقة والعسر في السفر أو الحج. كما يبين أحكام بيع المرابحة والتقسيط.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المولى تعالى من الأسباب التي دلت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما قرره علماء الأمة أنها أسباب للتخفيف. وهي بالاستقراء، كما مر معنا، سبعة أسباب. ومر معنا ما يتعلق بذلك تحت القاعدة الثالثة من القواعد الكلية التي تنبني عليها الكثير من الأحكام الشرعية، وهي «المشقة تجلب التيسير». ومما أخذناه ما ذكره عن الإكراه والنسيان والجهل. ثم قال رحمه الله: «والعسر كما أبانوا»، أي ومن أسباب التخفيف العسر، وهو الذي قد يعبر عنه بالحرج. قد يقال: من أسباب التخفيف العسر، أو يقال: من أسباب التخفيف الحرج. ودليله ما تقدم من الأدلة: «ما جعل عليكم في الدين من حرج»، وقوله سبحانه: «إن مع العسر يسرى، إن مع العسر يسرى»، وغير ذلك مما سبق معنا في الأدلة التي ذكرها العلماء في هذا الباب. والمراد بالعسر والحرج، كما تقدم، هو ما دون الضرورة. فالضرورة من باب أولى. فمثلًا المرض الذي سبق وصفه أنه من النوع المتوسط من المشقة، مما قد لا يكون به ضرر، لكنه مظنة الضرر، فهو مما يترخص به. وقد ذكر العلماء أن التخفيف الوارد في الشرع، بالاستقراء -ومعنى الاستقراء التتبع لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة- أنها ستة أنواع. نحن الآن نتكلم عن أسباب التخفيف، وهي سبعة. أما أنواع التخفيف فهي ستة. فمن أنواع التخفيف الإسقاط، أن يسقط الحكم بالكلية، مثل سقوط الجهاد عن الأعمى والأعرج، وسقوط الحج عن غير المستطيع، وسقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، وهكذا الصيام، وغير ذلك من معاني الإسقاط الذي دل عليه الشرع. فمن مواضع التخفيف وأنواعه الإسقاط. ومن أسبابه الإسقاط، وهو من أسباب التخفيف، هو ماذا؟ وجود العسر أو الحرج. لماذا سقط الحج عن غير المستطيع؟ للعسر وللحرج. لماذا سقط الجهاد عن الأعمى والأعرج؟ للحرج والعسر. وهكذا كذلك الصلاة والصيام مع الحيض والنفاس، لوجود المانع. ومن حكمه وقوع الحرج والعسر. وهكذا كذلك من أنواع التخفيف الإبدال، إبدال حكم بحكم، مثل التيمم بدلًا عن الوضوء والغسل. ومن أنواع التخفيف ثالثًا النقص، أن ينقص من العبادة، مثل القصر بالنسبة للمسافر، وفي صلاة الخوف، وهكذا كذلك ما كان بمعناه من معاني النقص. ومن أنواع التخفيف التأخير والتقديم، هذا تخفيف، مثل جمع صلاة التقديم، أو الجمع صلاة على وجه التقديم في الصلاة، أو التأخير في المرض أو في السفر أو نحو ذلك. ومن أنواع التخفيف الرخصة، وهو ما جعل معنى آخر في تنويع العبادات أو أفعال بعض الطاعات، كالاستنجاء يجوز بالحجارة ويجوز بالماء، هي رخصة. وسادسًا من أنواع التخفيف التغيير، تغيير صفة بعض العبادات، كالصلاة في صلاة الخوف، وهكذا كذلك في بعض العبادات، وما يقع فيها من تغيير بسبب بعض أسباب التخفيف. وسيأتي معنا إن شاء الله ذكر شيء من ذلك على وجه التفصيل في دروس لاحقة. فقوله رحمه الله: «كما أبانوا» أي مما ذكر بهذه الأسباب وذكره العلماء، وذكر هذه اللفظة إتمامًا للبيت والاستقامة الوزن فيه. ثم قال رحمه الله تعالى: «وسفر ومرض ونقص»، فهذه السبعة فيما نصوا. ومعناه من أسباب التخفيف رابعًا السفر. والصحيح أنه لا يشترط في السفر المشقة، ولا يشترط في السفر المسافة، بل كل ما سمي شرعًا وعرفًا سفرًا، فهو مما يترخص فيه برخص السفر، سواء وجدت المشقة أو لم توجد، وسواء كان على مسافة طويلة أو مسافة قصيرة، ما دام قد سمي سفرًا، فهو مما تقع فيه الرخصة لعمومي الأدلة في هذا الباب. قال الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فأطلق لفظ السفر ولم يقيده بمشقة أو طول أو قصر، وهذا هو الصحيح. والسفر له رخص، لكن قسم العلماء هذه الرخص إلى ثلاثة أقسام: قسم منها ملازم لوصف السفر، كالقصر والفطر ومدة المسح. وقسم منها عارض إذا عرض مع السفر، فإنه يترخص به، مثل ترك الجمعة والجماعات. وهكذا كذلك ما كان بمعناه مما قد يعرض للمسافر وليس ملازمًا له. فالمسافر إذا حضر الجمعة وجب عليه أن يصلي مع الناس، وإذا حضر الجماعة وجب عليه أن يصلي مع الناس. وإذا لم يعرض له فإنه يسقط عنه، أو احتاج إلى أن يجمع ويقدم أو يؤخر، جاز له ذلك. والقسم الثالث ما كان منه يباح لأجل ما ينضم مع السفر من رخص، وإن كان قد يقع في السفر وهو عارض، مثل أكل الميتة، فهو للضرورة، ويكون في السفر -يعني يقع ذلك غالبًا-، في غير حال المقيم والإقامة، ونادرًا ما يقع في حق المقيم، ولكن يقع مع المسافر وغيره. وهناك تفاصيل ذكرها العلماء. ولعله يأتي بعضها إن شاء الله في موضعه في الكلام على السفر ورخصه وتخفيفاته. ومن أسباب التخفيف ومن أسباب التخفيف المرض. قال: «ومرض ونقص»، فالمرض من أسباب التخفيف. وأدلته كثيرة، منها ما جاء بالبقرة وغيره، في حديث عمران بن حسين أنه شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بواسير كانت به، فقال له عليه الصلاة والسلام: «صلي قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». فهذا نوع من أنواع المرض كان سببًا للرخصة. فالمريض يجوز له أن يترخص برخص بسبب هذا السبب من أسباب التخفيف، بحسب استطاعته. «لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها». فإن استطاع قائمًا في الصلاة، لا يجوز له أن يصلي قاعدًا. فإن استطاع القعود، لم يجوز له أن يصلي مضطجعًا. فإن لم يستطع القعود، واستطاع فقط أن يضطجع، صلى مضطجعًا. «ما جعل عليكم في الدين من حرج». ما هو السبب في هذا التخفيف؟ المرض. المرض سبب من أسباب التخفيف. وكما مر معنا: التخفيف أنواع، قد يكون إسقاطًا، قد يكون إبدالًا، قد يكون نقصًا، قد يكون تأخيرًا، قد يكون ترخيصًا، قد يكون تغيرًا. وقد دل الشرع أن المريض قد يحتاج إلى بعض هذه الأنواع من أنواع التخفيف. فقد ينتقل من حكم إلى آخر بالإبدال، مثل إذا كان المرض معه شيء من البرد، أو يمنع من الماء، فاحتاج إلى التيمم، فإنه عنده سبب من أسباب التخفيف، يجوز له معه ماذا؟ أن يستعمل هذا النوع من أنواع التخفيف. وهكذا من أنواع التخفيف التقديم والتأخير، فإذا احتاج المريض أن يقدم أو يؤخر الصلاة، فهو عنده سبب من أسباب التخفيف، جاز له أن يقدم أو يؤخر الصلاة على الصحيح. فعندنا هذه القاعدة: «والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع». ولهذه القاعدة أدل عامة وخاصة. العامة ما تقدم. ومن الخاصة في كل مسألة لها دليلها الخاص. فمثلًا من أدلة الترخص في بعض واجبات الصلاة حديث عمران بن حسين. ومن أدلة الترخص ببعض أحكام الطهارة كذلك ما جاء في أدلة الكتاب والسنة من الترخص في ذلك. فمن كان منكم ... فمن لم يجد ... نعم، الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فإذا المرض رخصة من رخص الانتقال من الطهارة بالغسل أو الوضوء إلى التيمم. وهكذا كذلك الجمع، جمع التقديم والتأخير، لحديث ابن عباس في جمع النبي صلى الله عليه وسلم من غير سفر ولا مطر. وجاء في رواية: مرض. وإن كان فيها كلام، لكن معناها صحيح. فقد قال ابن عباس حين سئل: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، يعني يرفع عن أمته الحرج، فيجوز الجمع لأجل المرض. وقوله رحمه الله: «ونقص»، أي من أسباب التخفيف النقص. ومعنى النقص: أي حصول الضعف المعنوي أو المانع مما يكون به معنى من معاني التخفيف. فذكروا في معنى النقص عموم البلوى، وذكروا الضعف المعنوي، كالأنوثة، وذكروا أشياء أخرى مما هو ضد الكمال في حق الإنسان. فمثلًا الأعمى والأعرج، عنده نقص، كان سببًا في تخفيف بعض العبادات والطاعات عنه. فالأعرج إذا لا يستطيع القيام في الصلاة، صلى قاعدًا. والأعمى إذا لا يستطيع الإتيان للمسجد، مع وجود ما قد يضره، سقطت عنه صلاة الجماعة، كما في حديث عتبان بن مالك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له لأجل ما بينه وبين مسجده عليه الصلاة والسلام من واد هو مضنة الضرر عليه. وهكذا كذلك سقوط الجهاد، ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج. وغير ذلك مما هو معاني النقص. ومنه الحيض والنفاس، لحق المرأة، نقص، كان سببًا في التخفيف، فسقط عنها الصلاة والصيام. ومنه كذلك الأنوثة، فالمرأة بأنوثتها فيها معنى من معاني النقص، سقطت به عدد من الأحكام، مثل الجهاد بالسيف والسنان، فإنه ليس عليها ذلك. ومثلها الصبي، ومثلها الشيخ الكبير، ومثلها المريض. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره بإسناد صحيح: «جهاد الصغير والكبير والمرأة: الحج والعمرة». وهذا فيه معنى ما ذكر من أن النقص من أسباب التخفيف. وبعضهم يدخل في معنى النقص عموم البلوى، إذا عمت البلوى وابتلي المجتمع بمعنى من معاني النقص، فهو مما يوجب التخفيف، مثل ما وقع في عام الرمادة، فإنه وقع بالناس شدة ومجاعة شديدة، كانت سببًا في تطاول بعض الناس فيما لا يتطاولون مثله في وقت الرخاء. فعند ذلك لم يقم عمر رضي الله عنه الحدود. وهذا من فقه السلف والصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وليس معنى ذلك فتح باب الفوضى وبغي الناس وعدوانهم بعضهم على بعض، لكن قد يتسامح في الخلسة ما لا يتسامح بالعنف والغصب. وإن كان هذا الثاني قد تكون فيه من الأحكام ما لا يكون في وقت الرخاء، يعني مثلًا إنسان في وقت مجاعة دخل مزرعة وأخذ فأكل شيئًا وذهب على وجه مثله، تقطع يده. لكن في وقت المجاعة ما تقطع يد مثل هذا الإنسان، لماذا؟ لهذا العارض وهذا النقص الذي حصل. لكن إنسان آخر قطع الطريق وبغى وظلم، فهذا شيء آخر، وإن كان في وقت شدة، لكن الحكم يختلف، فيفرق بين هذا وهذا. وهناك تفاصيل ذكرها العلماء مما دلت عليه النصوص الشرعية، وكان عليه فقه السلف، يدل على معنى التفرقة. ثم قال رحمه الله: «فهذه السبعة فيما نصه»، يعني أنها من أسباب التخفيف. وتقدم معنى أن بعضهم زاد شيئًا، فذكر مثلًا عموم البلوى سببًا ثامنًا، أو الضعف المعنوي سببًا تاسعًا. وبعضهم أدخل الضعف المعنوي وعموم البلوى في معنى النقص، فيكون بهذا هي سبعة. وبعضهم جعل الحرج غير العسر، فمن فرق زاد في الأسباب، ومن لم يفرق جعلها شيئًا واحدًا، فتكون على هذا العدد. قال رحمه الله تعالى: «والقول في ضبط المشاق مختلف بحسب الأحوال فيما قد عرف». ومعناه أن ضبط هذه المشاق أمر قد يصعب حصره وضبطه، ولهذا قد يختلف العلماء في ذكر المشقة التي توجب الرخصة، والحرج الذي يكون معه التيسير، والعسر الذي يكون معه رفع الحرج. وقد تقدم معنا أن العلماء قسموا المشقة إلى قسمين: مشقة لا تنفك عن العبادة غالبًا، فهي ليست محل الترخيص، إلا ما أوصل إلى معنى الضرورة، فهو مبيح ومعذر. وقسم آخر وهو مما تنفك عنه العبادات غالبًا، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، كما تقدم معنا في الدرس السابق. وبه نعلم أن بعض هذه الأسباب قد يقع فيها الخلاف بحسب الشخص، وبحسب الزمان، وبحسب المكان. وهنا يأتي التنبيه على أمر مهم، وهو إذا حصل التردد في حصول الضرر وعدمه، فهل الواجب هو التورع أم يجوز الأخذ بالرخصة؟ الجواب: هذا محل خلاف. دلت النصوص الشرعية أن الأخذ بالرخصة مما لا يقع فيه الحرج، ويدل عليه قصة عمر بن العاص في غزوة ذي السلاسل، فإنه لم يغتسل بسبب البرد، فأنكر عليه الصحابة وشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل أن البرد لم يكن محل ترخيص باتفاق، فمنهم من يرى أنه شديد، كما ترخص به أميرهم، ومنهم من رأى أنه ليس محل رخصة، فلذلك شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «تذكرت قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾»، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا إذن ورخصة في مثل هذه الحالة، وهو يدل على أن مثل ذلك مما يرفع به الحرج. ومثل هذا ما قد يسأل عنه كثيرًا: إذا كانت المرأة فيها شيء من الضعف في جسدها، فربما في أيام البرد تستطيع أن تسخن الماء، لكن مع تسخين الماء وضعفها تخاف على نفسها من المرض بسبب ضعفها وشدة البرد، فليست تسخين الماء وحده يكفي في دفع الضرر، لأن هناك ما يكون من سبب ملامسة الماء -ولو حارًا- فإنه سيكون بعد ذلك آثاره ورطوبته سبب لبرودة هذه المرأة، فتخشى على نفسها، خصوصًا إذا علمت من نفسها أنها إذا اغتسلت فإنها تمرض، فجربت هذا. فهنا مثل هذه المرأة لها رخصة أن تتيمم وتؤخر الغسل إلى وسط النهار، حين تدنو الشمس ويدخل الدفء. وهنا يأتي السؤال: هل معنى هذا أنها تستمر بالغسل حتى ولو كان لمدة أشهر، تترك الغسل وتؤخره إلى وسط النهار، وتُصلي صلاة الفجر بتيمم؟ الجواب: نعم، ما دام يغلب على ظنها حصول الضرر، فهي لها الرخصة بذلك، خصوصًا إذا جربت هذا. وهنا يأتي سؤال آخر: فيما كان في مثل هذه الحالة، أو ما كان بمعناها، كرجل في سفر، يعلم أنه ليس عنده ما يكفي لأهله، هل يجوز له أن يباشر أهله وهو يعلم أنه سينتقل إلى التيمم، وعنده ما يكفي للوضوء، ولا يكفي للتيمم؟ أو هناك برد يستطيع معه الوضوء، ولا يستطيع معه ماذا؟ الغسل. فهل فعله لذلك معناه تساهل وتفريط في أحكام دين الله، وخصوصًا إذا تكرر ذلك في كل ليلة، أو في الأسبوع أكثر من مرة؟ هل يعتبر هذا من التساهل والتفريط؟ الجواب: لا، لا يعد هذا من التساهل والتفريط، فإن احتاج إلى ذلك فلا حرج عليه. ومثله حال تلك المرأة كذلك، فلا حرج في ذلك، لأن سبب الرخصة موجود. سبب الرخصة موجود. إذن قوله رحمه الله: «والقول في ضبط المشاق مختلف بحسب الأحوال فيما قد عرف»، يعني أنه يختلف من حال إلى حال، كما تقدم، ومن زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن شخص إلى شخص. فرب إنسان يرخص له، ورب إنسان آخر لا يرخص له، هذا قوي وهذا ضعيف، هذا ذكر وهذه أنثى، بل ربما هذه أنثى قوية، وهذا ذكر ماذا؟ ضعيف، فيختلف، فتكون الرخصة بحسب الأحوال. ولهذا يختلف الحكم بحسب وجود السبب الذي يكون به الترخيص، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. قال رحمه الله تعالى: «وشرع تخفيفاته تنقسم ستة أنواع كما قد رسموا: تخفيف إسقاط وتنقيص يلي، تخفيف إبدال وتقديم جلي». هذا انتقال إلى ذكر أنواع التخفيفات التي سبقت الإشارة إليها على وجه الاختصار. فلما ذكر العلماء أسباب التخفيف، ذكروا معه أنواع التخفيف، لأجل أن يعلم أنه إذا وجد سبب من أسباب التخفيف، جاز عند الحاجة، وبالدليل الشرعي العام أو الخاص، أن يترخص بشيء من أنواع التخفيف. فمن أنواع التخفيف، وقوله: «ستة علم هذا بالاستقراء، بتتبع نصوص الكتاب والسنة، وجدوا أن التخفيفات تنقسم إلى هذه الأقسام الستة». أولها كما قال: «تخفيف إسقاط»، يعني بسقوط الحكم، كما تقدم، مثل سقوط الحج مع عدم الاستطاعة، مثل الخوف على النفس أو المال في أيام أزمنة معينة، أو كذلك عدم وجود الزاد والراحلة، أو نحو ذلك. ومن أنواع التخفيف: «وتنقيص يلي»، يعني ما تقدم من معنى نقص بعض العبادات، مثل القصر في حق الصلاة للمسافر، فإن الأربع تصير ركعتين، كما في حديث عائشة: «فردت الصلاة ركعتين ركعتين، فوقر في السفر، وزيدت في الحضر». وقوله: «يلي»، إتمام لوزن البيت. ومعناه أنه من أنواع التخفيف التي تلي الإسقاط. وقوله: «تخفيف إبدال وتقديم جلي»، أي من أنواع التخفيف التخفيف بالإبدال، كما تقدم معنى من الإبدال: التيمم بالنسبة للوضوء والغسل. وقوله: «تقديم جلي»، أي تقديم واضح وظاهر. ولفظة «جلي» أتي بها لإتمام وزن البيت. ومعناه التخفيف بالتأخير أو التقديم، الذي سبقت الإشارة إليه، مثل الصلاة يجوز أن يجمع جمع تقديم، أو يجمع جمع تأخير. والصحيح كما تقدم أنه يجوز ذلك في السفر تقديما أو تأخيرا، بحسب ما تقتضيه المصلحة، لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب. وقول من قال بجواز التأخير دون جواز التقديم ليس عليه حجة واضحة وبينة، بل عمومات الأدلة تدل عليه. «والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع». فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع جمع تقديم في الحج. وهذا على الصحيح أنه لأجل النسك. فإذا كان كذلك، فهو في السفر مع المشقة، لا شك أنه سبب من أسباب التخفيف. فهنا يأتي شيء عارض: هل النسك سبب من أسباب التخفيف؟ ما هو الجواب؟ لا، ولكن المشقة والعسر الموجود في النسك هو الذي كان سببًا من أسباب التخفيف، نعم، لأن نسك الحج فيه مشقة، وفيه حرج، وفيه عسر، فلهذا حصل التخفيف بالقصر، والتخفيف كذلك بماذا؟ بالجمع، جمع تقديم، وجمع تأخير. ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة بالإتمام، مع علمه أن من الحجاج من كان من أهل مكة، وهم ليسوا بأهل سفر. ومع ذلك شمل الجميع حكم القصر والجمع، فدل على أن من أسباب التخفيف العسر والمشقة الواقعة في السفر، الواقعة في النسك في الحج. قال رحمه الله تعالى: «قال: تخفيف تأخير وترخيص، وقد تخفيف تغيير يزاد فليعد». يعني من أنواع التخفيف تأخيرًا أو تقديمًا، وتقدم معنا. «وترخيص»، ومعنى الترخيص كما تقدم معنا، مثل الاستنجاء، مثل الاستنجاء هو حكم زائد، مع الاستنجاء بالماء يجوز الاستنجاء بالحجارة، يجوز الاستنجاء بالحجارة. وننتبه أن بعض العلماء ذكروا أشياء فيها خلاف، والصحيح خلاف ذلك، ليس من الترخيص التداوي بالحرام، ليس من الترخيص التداوي بالحرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي في محرم عليها». فقول بعض الشراح بأن منه التداوي بالمحرمات، هذا غير صحيح، وخلاف الصواب، لنص النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يجعل شفاء هذه الأمة في محرم عليها. وليس منه إباحة أكل الميتة للضرورة، فقياس التداوي بالحرام على أكل الميتة خطأ، قياس مع الفارق، وهو قياس فيه شيء من القصور، لأنه قياس أدنوي. القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس أولوي ومساوي وأدنوي. فالأولوي والمساوي مما دل الشرع على الأخذ به، والأدنوي لا يجوز الأخذ به، ونصوص الشرع تمنع منه. فقياس التداوي بالمحرمات على أكل الميتة للضرورة قياس أدنوي، ليس بصواب. وقوله رحمه الله: «تخفيف تغيير يراد فليعد»، يعني من أنواع التخفيفات التخفيف بالتغيير، أي تغيير الأحكام أو صفة العبادات. ومن ذلك ما تقدم معنا في صلاة الخوف، فإن الصلاة تتغير كيفيتها بحسب كيفيات وصفات صلاة الخوف، ويترخص بها بحسب المشقة، على ما ذكروا العلماء من فقه صلاة الخوف. طيب نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز الجمع؟ هل يجوز الحج والعمرة بالتقسيط مع زيادة بسبب التأخير؟ إيش هذا؟ نعم، نعم. ونفس الشيء الحج، لو ترك هذا لكان أحوط، أو لا؟ فالعبادة لا ينبغي أن يدخل الإنسان فيها بالدين، قد أسقط الله عز وجل فرضها إذا لم يكن هناك استطاعة، فلا يحتاج أن يستدين الإنسان لأجل ذلك. لكن لأجل ما قد يقوله بعض الناس: المال موجود، لكنه لا يأتي دفع واحدة، لأن أكثر الناس اليوم صاروا يتعلقون برواتبهم، بخلاف الذي يعمل بكسب يده، فهذا الذي يتعلق براتبه قد ينتظر مال معين لا يستطيع أخذه الآن، وهو في نفس الوقت يقدم الأوراق لعلمه أنه لها حد معين وتاريخ معين. فالمهم الذي عنده المال وأراد ذلك جاز، ما دام الذي يفعل هذا هو الذي يملك هذا العمل، وهو الذي يقوم به. ننتبه لهذا، لو كان غير مالك ولا يقوم به، فهو من بيع ما لا يملك، ومن الكسب بالدين، وهو لا يجوز. فهناك فرق بين بيع التقسيط الذي تكون فيه زيادة، هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والصواب جوازه، وتركه أفضل. وبين ما يسمى ببيع المرابحة الذي فيه حيلة على الرب، فهذا محرم، ولا يجوز. وهذا محرم، لا يجوز. والفرق بينهما ظاهر، هذا مالك ومتصرف، وذاك ليس كذلك، بل بينهما واسطة. فبيع التقسيط لمن يملكه ويتصرف فيه، فيه خلاف، والجمهور على جوازه، وتركه أفضل. فلذلك يقال: من استطاع أن يتركه فهو أحوط، ومن احتاج إليه مع وجود السداد، ومظنة فوات الفرصة، ويحتاج إلى الطاعة وأسباب الرحمة، فلا حرج إن شاء الله، ما دام أنه عنده ما يسدد به، والله تعالى أعلم.