الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 5، ألقاها
يشرح هذا الفصل أسباب ظهور البدع وكثرة التحريف، ويبين تأثير بعد العهد عن زمن الرسالة والنبوة على ذلك. كما يشير إلى دور إصغاء الناس إلى شبه المبطلين في كثرة الشبه والكلام المذموم.
يتناول هذا الفصل تعريف الفسق وأقسامه، ويشرح ضابط الإصرار على الصغيرة، ويستشهد بأقوال العلماء في ذلك. كما يوضح أن الفسق ينقسم إلى قسمين.
يفصل هذا الفصل الفرق بين المعصية والفسق، ويبين أن الفسق نوعان: أحدهما يخرج من الإسلام والآخر لا يخرج، ويوضح أن الفسق أخص بارتكاب النهي بينما المعصية أخص بمخالفة الأمر.
يتناول هذا الفصل أسباب ضلال الناس وعدم اتباعهم تعاليم الرسول، ويشدد على أهمية الفهم الصحيح والعمل بتعاليم الرسالة. كما يبرز ضرورة البحث التام والنظر القوي لمعرفة وتطبيق ما جاء به الرسول.
بسم الله الرحمن الرحيم قالت شارح رحمه الله تعالى: وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي التحاوي، تغمده الله برحمته. بعد المائتين، فمولده سنة تسع وثلاثين ومائتين، ووفاته سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. فأخبر رحمه الله عما كان عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن حسن الشيباني رضي الله عنهم، ما كانوا يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين. وكلما بعد العهد، ظهرت البدع وكثرت، تحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل. وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل، إذ قد يسمى صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلاً، وإن لم يكن تم قرينة توجب ذلك. ومن هنا حصل الفساد. فإذا سموه تأويلاً قبل، وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما. فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إضاح الأدلة، ودفع الشبه الواردة عليها. وكثر الكلام والشغب. وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه، امتثالاً لأمر ربهم حيث قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. فإن معنى الآية يشملهم. وكل من التحريف والانحراف على مراتب، وقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. بسم الله، والحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد: فقد تيسر معنا التعليق على قوله رحمه الله تعالى: «وكلما بعد العهد ظهرت البدع وكثر تحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل». وقوله رحمه الله تعالى: «فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إضاح الأدلة ودفع الشبه الواردة عليها، وكثر الكلام والشغب». وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين. فالشيخ رحمه الله تعالى تدرج لبيان ما صار إليه الناس، فبين أن العهد كلما كان أقرب بزمن الرسالة والنبوة كان على السلامة، وكانت السنة فيها أو فيه أظهر وأقوى. وكلما بعد، ضعف هذا. وسبب آخر: أن الناس كلما بعد عهدهم من زمن الرسالة، كأنهم يشتاقون إلى الجديد. وما هو الجديد؟ الجديد هو ما دخل على أهل الإسلام في زمن المأمون العباسي حينما كان خليفة للمسلمين، فأمر بترجمة كتب الفلاسفة - كتب أهل اليونان. وبعد أن عربت وترجمت تلك الكتب، انشغل الناس بالجديد على حساب كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كما قيل: الناس على دين سلطانهم. فلما كان ذاك السلطان مولعاً بعلم الكلام، كان الناس في زمنه كذلك. على حساب كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة. لذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عبارة مشهورة، قال: ما أظن - أو ما أرى - بأن الله جل وعلا غافل عما فعل المأمون العباسي في أهل الإسلام، بسبب هذا السم الزعاف الذي وضعه في أهل الإسلام، فانشغلوا به عن كتاب الله جل وعلا، وعن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فانشغل الناس بعلم الكلام. وعلم الكلام - كما سمعتم مرة معنا - علم هو كلام، كثرة كلام، والمقصد فيه: معارضة الأدلة العقلية للأدلة النقلية، ثم تقديم الأدلة العقلية - زعموا - على الأدلة النقلية. إذن سبب بعد الناس، ودخول البدع - ولا سيما بدع أهل الكلام - سببه ما ذكر، ثم إصغاؤهم إلى شبه المبطلين. صاروا - الناس - يترأسون، وصاروا رؤساء في علم أهل الكلام. الرؤساء في علم الكلام يذكرون الشبه، ويذكرون ما عندهم من التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية. بل ربما دخل فيه من دخل، فأظهر أن هناك تعارضاً في الأدلة النقلية فيما بينها. ثم دخلت الشبه، وصار الناس يثقون - أو صار كثير - أو قل - صار بعض الناس يثقون بعلم الكلام أكثر من وثوقهم بكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وذلك لأنهم يعتقدون - وزعموا - أن العقل هو الدليل الذي به توصل إلى صحة النقل - صحة خبر المخبر. لأن النبوة خبر من الله جل وعلا يلقيه على نبيه بواسطة الملك. والخبر والأخبار لا تصدق إلا بالعقل. إن كانت موافقة للواقع صدقت، وإلا فلا. لذا قالوا: بأن العقل أصل، وأن النقل فرع. وهذه شبهة باطلة - كما تقدم بيانها وتوضيحها قريباً معنا - في كتاب القاعدة التدمرية. قوله رحمه الله تعالى: «وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين وخوضهم في الكلام المذموم». في الكلام المذموم: ليس كل كلام مذموم، وإنما الكلام الذي كان في الإلهيات وفي العقائد، أدخل الشكوك والشبه والحيرة على أهل الإسلام. هذا هو الكلام المذموم الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه، امتثالاً لأمر ربهم حيث قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. لأن هؤلاء يخوضون في آيات الله بغير علم. إنما علمهم ومنطقهم: علم الكلام الذي مبناه على ترجيح - كما يقولون - الأدلة العقلية، ومقارعة الحجة بالحجة. ثم إذا وصلوا إلى برهان في ذلك، جعلوا ذلك البرهان معارضاً للأدلة النقلية، وقدموه عليها. قال رحمه الله: «فإن معنى الآية شملهم». أي: الآية تشمل هؤلاء في أن هؤلاء يخوضون في آيات الله جل وعلا. وإذا كان كذلك، فمن رأى من هؤلاء من يتكلم في الإلهيات، فواجب عليه أن يبتعد عنهم. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِهِ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فأعرض عنهم، ابتعد عنهم، حتى يخوضوا في حديث غيره. ثم قال رحمه الله: «وكل من التحريف والانحراف على مراتب». من التحريف والانحراف قد يقول قائل: ما الفرق بين التحريف والانحراف؟ التحريف هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يحتمله في الجملة، وهو ما يسمونه تأويلاً. فهذا التحريف باعتبار العمل والصنيع. وهو - كما ذكر - بأن هذا التحريف قد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. وأما الانحراف: فإن الانحراف يكون في انحراف الشخص عن الجادة، إما في العقيدة، وإما في العبادة، وإما في السلوك، وإما في المعاملة. من خرج عن الجادة يقال فيه: بأنه منحرف. لماذا؟ لأنه خرج عن الجادة. ثم هذا التحريف والانحراف؛ لأن التحريف باعتبار الفعل - العمل - والانحراف باعتبار الشخص. والانحراف باعتبار الشخص قد يكون كفراً. مثال ذلك: من حكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، حكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، وحرف الكلمة عن مواضعها، مستحلاً لذلك. هذا الفعل يسمى تحريفاً، وذلك الشخص الفاعل يسمى منحرفاً. وذاك الفاعل بهذا الاعتبار يكون: فعله يكون كفراً، يكون كفراً مخرجاً من الملة. قد يكون التحريف أو الانحراف كذلك في مثل هذه الصورة: بأن يحكم بغير ما أنزل الله، معتقداً أن حكم الله هو الذي يجب أن يحكم به، وما سواه باطل، ولكنه غلب شهوته وهواه على حكم الله. فهذا يكون فاسقاً. يكون فاسقاً. أن يكون كافراً كفراً دون كفر - معنى أنه يكون فاسقاً. يكون فاسقاً. وذلك الفعل يكون فسقاً. والفعل يكون فسقاً. وقد يكون معصية: بأن يعمل عملاً من الأعمال، وهو يعلم أنه مخالف في ذلك العمل، ولكنه غلبت عليه شهوته. فيكون بذلك العمل عاصياً. وربما يكون مخطئاً، وذلك إن صدر منه ذلك القول أو ذلك الفعل على سبيل الاجتهاد، ولكنه أخطأ حكماً في مسألة، يظن أن الحق فيها كذا، والحق فيها على خلاف ما قال، ولكنه مجتهد، ولكنه متحري للحق. فهذا يقال فيه: بأنه أخطأ. لا يكون فعله كذلك هو لا يكون فاسقاً، ولا كافراً، ولا عاصياً، بل قد يكون مأجوراً، على حسب اجتهاده ونيته الحريصة على الخير. بقي هنا تنبيهات. من هذه التنبيهات: قول رحمه الله تعالى: «فقد يكون كفراً». أي: ذلك التحريف أو الانحراف. والكفر عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى قسمين: كما أن الفسق ينقسم إلى قسمين، كما أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إلى أكبر وأصغر. والأكبر هو الذي يخرج عن الملة، ويكون صاحبه كافراً. ويكون كافراً في الدنيا حلال الدم، ويكون في الآخرة خالداً مخلداً في نار جهنم. وأما الكفر الأصغر: فإنه يكون صاحبه من جملة العصاة، ولا يكون كافراً مرتداً. وفي الآخرة يكون مستحقاً للوعيد. إن عذبه الله جل وعلا تلك المعصية، فإنه لا يخلد. ثم إن الكفر الأكبر عند أهل السنة والجماعة خمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق. هذه خمسة أنواع للكفر. قوله: «وقد يكون فسقاً». أي: ذلك الفعل. بقي: الفاعل أو الفعل، متى يكون فسقاً ومتى لا يكون فسقاً؟ يعني: متى يقال للفعل المعين: بأنه فسق، وأن صاحبه فاسق؟ أو قل: المعصية التي يعصي بها العبد ربه، متى يقال في مرتكبها أو في تلك المعصية: بأنها فسق، وفي مرتكبها: بأنه فاسق؟ العلماء رحمهم الله تعالى في ضابط في ضابط ذلك ذكروا أموراً. فقالوا: أولاً الفسق: الفسق أولاً من حيث اللغة قالوا: هو الخروج. فالفسق قد يكون بترك الفرائض، وتارة بفعل المحرمات - إما بترك واجب أو بفعل المحرمات. وبعض أهل العلم - ومنهم العلامة ابن عثيمين - المعاصرين رحمه الله يقول: الفسق يكون بفعل الكبيرة، أو الإصرار على الصغيرة؛ لأنه قد يقول لنا قائل: ما الضابط الذي يكون فيه الإنسان إذا فعل المعصية يكون فاسقاً؟ بمعنى: هل كل من عمل معصية يقال بأنه فاسق؟ الجواب: لا. لأن المعاصي على مراتب. كما أنه ليس كل من عمل معصية يقال فيه: بأنه كفر. كذلك لا يقال في كل معصية: بأنه فسق. الكفر من فعل مكفر من المكفرات يقال: بأنه فعل كفر. فالفسق: ما هو الضابط الذي يقال فيه للإنسان: بأنه فاسق، وفي ذلك الفعل: بأنه فسق؟ الجواب: هو إما أن يفعل كبيرة، وإما أن يصر على صغيرة. مثال ذلك: رجل شرب الخمر. ما حكمه يا جماعة؟ كبير. هذا نقول: بأنه الفعل فسق، والرجل فاسق. وهكذا قل في غيرها من الكبائر. بقي الصغائر. بقي الصغار. وقبل أن ننتقل إلى الصغار: إصرار عليها. العلماء رحمهم الله تعالى في باب الشهادات، وفي باب الرواية، حينما يذكرون عدالة الراوي أو عدالة الشاهد، يشترطون في ذلك الشاهد أو يضعون ضابطاً في العدالة: هو اجتناب الكبائر، ولم يصر على الصغائر، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه. هذا يقال: بأنه عدل. فدل هذا على أن من فعل الكبائر أو أصر على الصغائر: بأنه لا يكون عدلاً. وإذا لم يكن عدلاً فهو فاسق. فهو يكون بذلك فاسقاً. إذن: رجع وانضم كلام العلماء إلى معنى واحد: وهو أن الفاسق يكون من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة. محل ارتكاب الكبيرة: أن من ارتكب الكبيرة أنه يكون فاسقاً. والكبيرة التي ليست بكفر. هذا قد يكون محل اتفاق. ولكن وقع خلاف في الشق الآخر: ما هو الشق الآخر؟ وهو الإصرار على الصغيرة. فهل من أصر على الصغيرة يكون فاسقاً؟ الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى تطرق إلى هذه المسألة، وقال: وقد قيل: إن الإصرار على الصغائر حكمه حكم مرتكب الكبيرة. أن من أصر على الصغيرة فحكمه حكم مرتكب الكبيرة. وحكم مرتكب الكبيرة: يكون فاسقاً. قال رحمه الله تعالى: «وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به». قال: «وإنما هي مقالة لبعض الصوفية؛ فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار». وروي حديث وهو لا يصح. ثم قال رحمه الله تعالى: «والحق: أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه». فالإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة. عملاً. وهذا يدلنا على أن الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى لا يرى أن من أصر على الصغيرة تصير كبيرة. وكذلك ذهب إلى هذا قبله الإمام الزركشي. ومبناهم على ما تقدم يقول: أنه ليس هناك دليل، وإنما المقالة المشهورة إنما هي من مقالة بعض الصوفية. ولكن الأظهر - والله تعالى أعلى وأعلم - القول الأول: أن من أصر على الصغيرة فإنها تصير كبيرة. يدل على هذا ما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من قوله: «إنه قال: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار». رواه ابن أبي حاتم كما في التفسير بإسناد صحيح. وكذلك رواه الإمام الطبري رحمه الله تعالى. ورحم الله جميع أمة الإسلام. وإذا علم هذا، علم أن نسبة هذا القول إلى الصوفية ليس بصواب؛ أنه من قول حبر هذه الأمة، من قول ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما. والناس على ابن عباس عيال في التفسير. فابن عباس عند تفسير الآية: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. يفسرها بهذا المعنى. الكبائر بهذا المعنى. وهذا يدلنا على صحة ما ذهب إليه من ذكر. وهذا القول كذلك اختاره وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ويدل عليه كذلك من السنة: ما جاء في حديث حذيفة عند مسلم - الحديث المشهور في عرض الفتن على القلوب - تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً. الحديث. في إشارة لطيفة إلى أن الصغائر صغيرة فوق صغيرة فوق صغيرة تصير القلب مظلماً أسود لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً. إذن: الصغائر إذا كثرت، وإذا أصر عليها صاحبها، كانت سبباً لفساده وفساد قلبه. بقي أنه قد يقول قائل: ما هو الضابط في الإصرار على الصغيرة؟ أي: متى يقال فيه الشخص بأنه مصر على الصغيرة؟ الجواب: أن الإصرار - كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى - إما أن يكون بالعقيدة - بالاعتقاد والإرادة - وإما أن يكون بالفعل. بالاعتقاد والإرادة: بأن يفعل المعصية وينوي أن يفعل أختها - أن يكررها مرة ثانية وثالثة ورابعة. هذا إصرار. أو بالفعل: بأن يكرر الفعل - بأن يكرر تلك المعصية الصغيرة. فهذا كذلك يقال فيه: بأنه مصر على الصغيرة. بقي كذلك تتم لهذه المسألة من باب الفائدة: أن بعض أهل العلم قسم الذنوب أو ذكر خلافاً في تقسيم الذنوب: أي: هل كل ذنب يقال فيه بأنه كبير؟ أم هناك تفاصيل؟ ذكر في المسألة ثلاثة أقوال. من قال: أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر. وعلى هذا جماهير الفقهاء والمحدثين، بل قل عليه عامة أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الذنوب كلها كبيرة - أو كل معصية فإنها كبيرة. قالوا: لأن هذا القائل نظر لم ينظر إلى المعصية، ولكن نظر إلى من عصى - إلى من عصى. فكونه يعصي ربه جل وعلا هذا كبيرة. وهذا القول ذكر عن أبي إسحاق والجويني في الإرشاد. والقول الثالث: وهو قول الحليمي: أنه قسم الذنوب إلى ثلاثة أقسام: صغيرة وكبيرة وفاحشة. على الترتيب: الصغيرة، وأعلى منها أو أشد منها الكبيرة، وأشد منها الفاحشة. قال: فقتل النفس بغير حق كبيرة. فإن قتل ذا رحم ففاحشة. أي: أن الفاحش أشد إثماً من الكبائر. أشد إثماً من الكبائر. بقي كذلك أمر ينبني عليه: وهو قد يقول لنا قائل: فما الفرق بين المعصية والفسق؟ فما الفرق بين الفسق والمعصية؟ الجواب: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والفسوق فهو في كتاب الله نوعان: مفرد مطلق، ومقرون بالعصيان. والمفرد نوعان: فسوق كفر يخرج عن الإسلام، وفسوق لا يخرج عن الإسلام. فالمقرون: كقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. قرن الله عز وجل الفسوق بالعصيان. فالاقتران يدل على أن الفسوق غير العصيان. قال رحمه الله: والمفرد الذي هو فسوق كفر: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾. وما يكفر بها إلا الفاسقون. قال: وأما الذي لا يخرج من الملة: فقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إِن يُعَذِّبْكُمْ فَإِنَّهُ فَسُوقٌ بِكُمْ﴾. قال: وقوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال رحمه الله: والفسوق التي تجب منها التوبة قسمان: من جهة العمل، وفسق من جهة الاعتقاد. قال: ففسق العمل نوعان: مقرون بالعصيان، ومفرد. فالمقرون بالعصيان: هو ارتكاب ما نهى الله عنه. والعصيان هو عصيان أمره - كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾. فالفسق أخص بارتكاب النهي. ولهذا يطلق عليه كثيراً. كقوله: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إِن يُعَذِّبْكُمْ فَإِنَّهُ فَسُوقٌ بِكُمْ﴾. والمعصية أخص بمخالفة الأمر. قال ابن القيم رحمه الله: ويطلق كل منهما على صاحبه. أي: وقد يطلق هذا على هذا، وهذا على هذا. أي: الفسق على ترك الأمر، والمعصية على فعل النهي. كقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. ففسق عن أمر ربه. فهو ترك الأمر، وسماه الله جل وعلا فسقاً. وقال: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾. فسمى ارتكاب النهي - لأن الله نهى آدم أن يأكل من تلك الشجرة، فأكل منها آدم - فقال الله عز وجل: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ﴾. فسمى ارتكاب النهي معصية. فهذا عند الانفراد. فإذا اقترنا، كان أحدهما لمخالفة الأمر، والآخر لمخالفة النهي. قال رحمه الله: فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزل الله عليهم. وقد ختمهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء. وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين - الجن والإنس - باقية إلى يوم القيامة. وانقطعت به حجة العباد على الله. وقد بين الله به كل شيء، وأكمل له ولأمته الدين - خبراً وأمراً. وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية له. وأقسم بنفسه: أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم. وأخبر: أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره. وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول - وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله - صدوا صدوداً. وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقاً - كما يقول كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم - إنما نريد أن نحس الأشياء بحقيقتها - أي: ندركها ونعرفها - ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات - وهي في الحقيقة جهليات - وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرسول. أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة - كما يقول كثير من المبتدعة - من المتنسكين والمتصوفة - إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن، والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل الذي يسمونه حقائق - وهي جهل وضلال. وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتأمرة - إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة، والتوفيق بينها وبين الشريعة - ونحو ذلك. وحاصل هذا: أن كل إناء بما فيه ينضح. صاحب السياسة يدعي أنه يريد الإحسان. صاحب الفلسفة يدعي أنه يريد الإحسان. المتصوف والمتنسك من العباد يدعون أنهم يريدون الإحسان. والإحسان: كل الإحسان في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وفيما كان عليه صحابته الكرام وأتباعهم بإحسان. ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون، ولا يعقلون. لذا حصل منهم ما حصل. قال رحمه الله: فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه. فله نصيب من ذلك. بل ما جاء به الرسول كاف كامل. يدخل فيه كل حق. نصيب من ذلك عيد على قوله: ﴿صَدُّوا صُدُودًا﴾. أي: صد عن كتاب الله، وعن سنة رسوله؛ لأنهم يريدون أن يوفقوا بين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم - بين الوحيين - بين كتاب الله جل وعلا الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، وبين سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي وحي يوحى، وبين آرائهم وعقلياتهم الفاسدة الكاسدة. وأن لهم بذلك الواجب عليهم التسليم والإذعان، والتدبر والتفقه لكتاب الله جل وعلا، لو كانوا يعقلون. قال رحمه الله: وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلموا ما جاء به الرسول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من الإمارة السياسية. أو نسبوا إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها. وأخرجوا عنها كثيراً مما هو منها. فبسبب جهل هؤلاء، وضلالهم، وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك، وجهلهم، ونفاقهم. كثر النفاق، ودرس كثير من علم الرسالة. قال رحمه الله: إنما يكون البحث التام، والنظر القوي، والاجتهاد الكامل فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ليعلم ويعتقد ويعمل به - ظاهرا وباطنا - فيكون قد تلا حق تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء. نكتفي بهذا، إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.