التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 90

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 90، ألقاها

تفاوت المؤمنين في الولاية ودرجات الإيمان

المؤمنون يتفاوتون في الولاية كما يتفاوتون في الإيمان، والولاية تزيد وتنقص بحسب طاعة العبد واجتنابه للمعاصي. هذا التفاوت يدل على أهمية العمل الصالح في تعزيز الولاية.

مفاهيم الإيمان والقدر وأولياء الله

يناقش المقطع مفهوم الإيمان والقدر وأولياء الله، ويشرح تفاصيل تتعلق بهذه المفاهيم مثل خروج من في قلبه ذرة إيمان من النار. الإيمان يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

أهمية تحقيق التوحيد والتوكل على الله

يجب على العبد أن يتوكل على الله وحده ويشكره على نعمه ويستغفره من ذنوبه. تحقيق التوحيد يكون بالتوكل على الله وحده وعدم الاعتماد على الأسباب والمخلوقات.

الكرامات والمكاشفات وحكمتها

الكرامات والمكاشفات من الله تعالى ليست دليلاً على محبة الله للشخص، بل هي لحكمة عظيمة يعلمها الله. الله تعالى لا يعمل شيئاً إلا لحكمة بالغة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم على الإمام الطحاوي رحمه الله، والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن»، الكلام حق، ولكن المؤمنين في الولاية على درجات، على درجات، فليسوا على درجة سواء، كما أنهم في الإيمان على درجات، فليسوا على درجة سواء، هذا على مذهب أهل السنة والجماعة. أما على مذهب المرجئة، فعندهم الكل مؤمنون، والكل أولياء، وهم في الولاية سواء، فهذا الموطن إن كان جر فيه الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى على ما جر فيه في مسألة الإيمان، أن أهله في أصله سواء، وقال: «والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن»، إن كانت هذه العبارة كالعبارة السابقة، فالكلام عليها كالكلام على العبارة السابقة. ليسوا سواء، ليسوا سواء، بل بينهم فرق عظيم، كما سمعتم في الإيمان، وكذلك فيهم فرق عظيم في الولاية. ما من مؤمن إلا وعنده ولاية، وأنه ولي لله رب العالمين، ولكن الولاية تتفاوت، فقد يكون وليًا لله من جهة، وفيه معنى العداوة من جهة أخرى، أو معنى البغض من جهة أخرى، بسبب ما ارتكبه من بعض المعاصي والمحرمات. فيكون وليًا لله جل وعلا من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون كذلك، فأصل الولاية موجودة، وكذلك أصل الإيمان موجود، ولكن الولاية التي جاءت ثناء من الله جل وعلا على أربابها، فالمراد بهم خواص المؤمنين، إما أن يكونوا المسارعون في الخيرات، وإما المقتصدون، وأما من كان ظالمًا لنفسه، فهذا عنده أصل الولاية، وليس عنده الولاية التامة من الله رب العالمين. قال الشارح رحمه الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس: 62، 63]، الآية. الولي من الولاية، بفتح الواو، التي هي ضد العداوة. وقد قرأ حمزة: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنفال: 72]، بكسر الواو، والباقون بفتحها، وقيل: هما لغتان. قال الزجاج: وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضًا جنسًا من الصناعة والعمل، وكل ما كان كذلك مكسور، مثل الخياطة ونحوها. فقال رحمه الله: فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [سورة البقرة: 257]، الآية. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد: 11]. وما الجمع بينها وبين قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام: 62]، وظل عنهم ما كانوا يفترون؟ الجواب: أن هذه الآية -أي: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد: 11]- أي: لا مولى لهم ولاية محبة ونصرة وتأييد، وأما الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام: 62]، فالمراد بالولاية ها هنا ولاية القهر والملك. قال: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [سورة المائدة: 55]. فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالات المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم. فقال: والولاية أيضًا نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ أن أهلها في أصلها سواء، وتكون كاملة وناقصة. فالكلام في الولاية كالكلام في الإيمان، فضلًا. قال: وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليس بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تملق ولا رياضة. وقيل: الذين آمنوا مبتدأ، والخبر لهم البشرى، وهو بعيد لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية. قال: ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان. طيب، وهذا كما ذكرنا عند أهل السنة والجماعة، أن الكلام في الولاية كالكلام في الإيمان، يزيد وينقص، والولاية كذلك ماذا؟ تزيد وتنقص. قال: ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في الإيمان. طيب، بينه وبين أهل البدع بأن الوعيدية يسلبون عنه الإيمان، المعكز لا يقول: ليس بمؤمن، بمنزلة بين منزلتين، وهو خالد مخلد في نار جهنم في الآخرة، والخوارج يقولون: كافر وخالد مخلد في نار جهنم في الآخرة. قال: ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده. تعالى أولى، بل هو الواجب. كيف ربنا جل وعلا يحكم على الشيء بأنه إيمان، ويأتي إنسان يقول: ليس بإيمان، أو يحكم على بعض الذنوب بأنها ليست إيمانًا، ويأتي إنسان يقول: بل لا يضر مع الإيمان ذنب. قال: قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف: 106]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات: 14]، الآية. وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منه، كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» [رواه البخاري ومسلم]. قال: وحديث شعب الإيمان تقدم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من كان في قلبه متقال ذرة من إيمان» [رواه مسلم]، وهذا كذلك يؤيد هذا المعنى، أن الإنسان قد ما يبقى في قلبه إلا ذرة من إيمان، فكيف يقال بأنهم في الإيمان سواء. قال: فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل، لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك. ثم يخرج من النار. قال: والطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق. طيب، قوله: وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، كما تقدم ليس رأس شعب الكفر الجحود فحسب، بل رأس شعب الكفر الجحود، وكذلك التكذيب، وكذلك الاستهزاء، وكذلك الإباء، وكذلك الشك. قال: وأما ما يهوى مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه» [حديث ضعيف]، فلا أصل له، وهو كلام باطل. قال: وأما أولياء الله الكاملون، فهم المنصفون في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس: 62، 63]، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، الآية. قال: والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [سورة البقرة: 177]، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 177]. قال: وهم قسمان: مقتصدون ومقربون، فالمقتصدون الذين يتقربون إلى الله بالفرائض، من أعمال القلوب والجوارح، والسابقون الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى. قال الشارح رحمه الله: تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المشهور، المتفق على صحته. قال: وسأله عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» [رواه البخاري ومسلم]. وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقرأ في ركعتين الفجر تارة بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص]. قال: وفسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته، حيث قال لهم: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمسًا ما غنمتم» [رواه البخاري ومسلم]. قال: ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال الخمس التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المذكور، فلما قال: «إن الإسلام هذه الخصال الخمس»؟ قال: وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الإسلام، أعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها لا يشعر بانحلال قيد ولايته. والتحقيق: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقًا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان. قال: فيجب على كل من كان قادرًا عليه ليعبد الله مخلصًا له الدين. وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك، فإنما يجب بأسباب ومصالح. فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضًا على الكفاية، كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال: وقوله: والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى، تقدم قوله صلى الله عليه وسلم لحديث جبرائيل: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» [رواه مسلم]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [سورة التوبة: 51]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: 78]. قال: فين قيل: فكيف الجمع بين قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: 78]، وبين قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى: 30]؟ قيل: قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: 78]، الخصب والجد والنصر والهزيمة، كلها من عند الله. قال: وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى: 30]، أي: ما أصابك من سيئة من الله، فبذنب نفسك عقوبة لك. فما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى: 30]، يدل على ذلك. قال: والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، لأصح الأقوال. وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية. وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد. قال: وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [سورة مريم: 76]، واضح؟ فزادهم الله بهداهم هدى. قال: ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة: 6]، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة: 7]. قال: فإنه إذا هداه هذا الصراط، أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة. لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب. قال: وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة. ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة، لفرط حاجتهم إليه. قال: فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر. فقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى. قال: وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يشكر سبحانه، وأن يستغفره العبد من ذنوبه، وأن لا يتوكل إلا عليه وحده. فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده، والاستغفار من الذنوب. قال: وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه في الصحيح، أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع، يقول: «ربنا لك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» [رواه البخاري]. قال: فهذا حمد، وهو شكر لله تعالى، وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد. ثم يقول بعد ذلك: «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» [رواه البخاري]، وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية، خلقًا وقدرًا، وبداية وهداية. قال: فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، أو تحقيق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: 5]. فإنه لو قدر أن شيئًا من الأسباب يكون مستقلًا بالمطلوب، وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره لكان الواجب أن لا يرجى إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا هو. قال: فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلًا بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه، ولا بد أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه، حتى يحصل المقصود. فكل سبب له شريف، وله ضد. قال: فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما يضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك. ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له. والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى. قال: ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات -أي: الموانع- التي بسببها لا يستطيع الانتفاع من ذلك الشيء. كم إنسان عنده من المال ما يستطيع أن يأتي بأحسن الطعام، وأشهده طعام، لكنه ممنوع من أكله. قال: والمخلوق الذي يعطيك أو ينصر الطاعة، مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة والفعل، لا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته، تعاونه على مطلوبه، ولو كان ملكًا مطاعًا. قال: ولا بد أن يصرف عنه الأسباب المعارضة والمعوقة. فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي، وعدم المانع. وهذه كلها بيد من؟ بيد الله رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: وكل سبب معين، فإنما هو جزء من المقتضي. فليس في الوجود شيء واحد هو مقتضٍ تام. وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذاب بالمعجزات التي أيد بها الصادقين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: وأكرمهم عند الله أطوعهم، وأتبعهم للقرآن. قال الشارح رحمه الله: أراد أكرم المؤمنين، هو الأطوع لله، والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: 13]. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى» [رواه أحمد]. قال: والتحقيق: أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغناء، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق. فالمسألة فاسدة في نفسها؛ فإن التفضيل عند الله بالتقوى، وحقائق الإيمان، لا بفقر ولا غناء. قال: والفقر والغناء ابتلاء من الله تعالى لعبده، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [سورة الفجر: 15]. قال: فإن استويا -الفقير الصابر والغني الشاكر- في التقوى، استويا في الدرجة. وإن فضل أحدهما فيها، فهو الأفضل عند الله. فإن الفقر والغناء لا يوزنان، وإنما يوزن الصبر والشكر. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى. قال الشارح رحمه الله: تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المشهور، المتفق على صحته. قال: وسأله عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» [رواه البخاري ومسلم]. قال: وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقرأ في ركعتين الفجر تارة بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص]. قال: وفسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته، حيث قال لهم: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمسًا ما غنمتم» [رواه البخاري ومسلم]. قال: فكيف ربنا جل وعلا يحكم على الشيء بأنه إيمان، ويأتي إنسان يقول: ليس بإيمان، أو يحكم على بعض الذنوب بأنها ليست إيمانًا، ويأتي إنسان يقول: بل لا يضر مع الإيمان ذنب. قال: فالمتقون يجعل الله لهم مخرجًا مما ضاق على الناس، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون. فيدفع الله عنهم المضار، ويجلب لهم المنافع، ويعطيهم الله أشياء يطول شرحها من المكاشفات والتأييدات. قال: وهذا من الكرامات التي يكرم الله جل وعلا بها من شاء وليس من لم يعطيه الله جل وعلا الشيء من المكاشفات لا يكون مكرمًا محبوبًا، بل بإن الله جل وعلا يجعل ما شاء في من شاء، لحكمة عظيمة علمها الله جل وعلا سبحانه وتعالى. قال: فالله جل وعلا لا يعمل شيء إلا لحكمة عظيمة.

شاركنا على