التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 74

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 74، ألقاها

مقدمة في القدر وأصول الإيمان

يناقش مفهوم القدر وأهميته في الإيمان، ويشرح أنواع القدرية الذين أنكروا القدر. القدر يتضمن العلم القديم وتقدير الأمور قبل كونها.

التقدير الإلهي وعلاقته بعلم الله

يشرح مفهوم التقدير الإلهي ودلالاته على إحاطة علم الله بكل شيء، واختيار الله لما يفعله بمشيئته وإرادته. كما يتطرق إلى أنواع أمراض القلب.

اتباع السنة والقرآن في الشفاء

يؤكد على أهمية اتباع السنة والقرآن في الشفاء من الأمراض، ويبين أن القرآن شفاء تام من جميع الأدواء. كما يبين أن العرش والكرسي حق.

ختام بالتوبة وذكر الله

يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والاعتراف بذنوب العبد، ويطلب المغفرة والرحمة من الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع، هو ما قدره الله من مقادير العباد، وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذنب القدرية يعني به هؤلاء. تقول ابن عمر: لما قيل له يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: أخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء. والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولا عظيمة، أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فكما مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على الطوائف المكذبة بالقدر، سواء كان هؤلاء من المشركين أو من الصابئين أو من الفلاسفة أو غيرهم، كلهم يجتمعون في هذا المعنى، أي في كونهم يكذبون بالقدر. ومن كذب بالقدر فقد كفر، لأن من أركان الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله رب العالمين سبحانه وتعالى. وأشهر من علم عنه إنكار القدر من الطوائف المنسوبة إلى أهل الإسلام القدرية، وهم كما مر معنا مرارا على قسمين: قدرية غلاة، وهم الذين أنكروا المرتبة الأولى والمرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر، أنكروا العلم والكتابة. وهذه الطائفة من القدرية بحمد الله جل وعلا وحده لا شريك له إن قرضت أي ذهبت، وعفى عليها زمان بحمد الله رب العالمين، فليس لها وجود. بقي الطائفة الأخرى من الطوائف أو من طوائف القدرية، وهم الذين يكذبون بالمرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر، أي مرتبة المشيئة ومرتبة الخلق والإيجاد، أي أن الله جل وعلا لا يشاء ما يشاءه العبد، ولا يخلق أفعال العبد، ولا سيما المعاصي منها. وهؤلاء القدرية على قسمين: طائفة تكذب أو قل تنفي المشيئة والقدر في حق الله جل وعلا عن أفعال العباد مطلقا، أي الخير والشر. ومنهم من ينفي الشر دون الخير، بمعنى أنهم يقولون بأن الله جل وعلا لا يخلق الشر ولا يشاء الشر، فما حصل من الشر فهو من العبد خلقه العبد وشاءه العبد، ولم يخلقه الله ولم يشاءه الله جل وعلا. وطائفة أخرى يعممون نفي المشيئة والخلق لأفعال العباد في أفعال الخير والشر، فيقولون بأن الله جل وعلا لم يخلق أصلا أفعال العباد لا خيرها ولا شرها. وهذا باطل، والأول كذلك باطل. قال رحمه الله: الثاني أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها. إن الله قد جعل لكل شيء قدرا، قال تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾. فالخلق يتضمن التقدير، تقدير الشيء في نفسه بأن يجعل له قدرا، وتقديره قبل وجوده إذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته. فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته، كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة، خلافا لمن أنكر ذلك، وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات. فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات. وهذا كما ذكر رحمه الله تعالى مما تضمنه القدر، بأن الله جل وعلا عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، وهذا هو العلم المسبق الذي أنكرته القدرية الأولى. وكذلك يدخل فيه القدر ما يفهم ويشتق من لفظه، وهو أنه من قدر يقدر تقديرا، بمعنى أن الله جل وعلا قدر الأشياء تقديرا، فجعلها على قدر ما، وكذلك على قدر ما. فربنا جل وعلا قدر هذه المخلوقات بقدر ما باعتبار الكيفية والصفة، وكذلك باعتبار الزمان والمكان، وكذلك باعتبار العدد، وما شابه ذلك مما يتعلق بالتقدير. وهذا يدلنا على إحاطة علم الله جل وعلا بكل شيء صغيرا وكبيرا، وجليا وخفيا. قال رحمه الله: الثالث أنه يتضمن أنه أكبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات، إخبارا مفصلة، فيقتضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علما مفصلة، فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم، لأنه إذا كان يعلم عباده بذلك، فكيف لا يعلمه هو؟ وهذه أيضا طريقة من الطرق التي تبين لنا سبق علم الله جل وعلا للمخلوقات. فالله جل وعلا أخبر عن أشياء أنها ستقع وستكون، فوقعت تلك الأشياء كما أخبر الله جل وعلا بها. وهذا يدلنا على أن الله جل وعلا علم بها قبل وجودها، بل وأعلم بها من شاء من خلقه، ثم وجدت تلك الأشياء بحسب ما أعلمهم الله جل وعلا به. قال رحمه الله: الرابع أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، محدثا له بمشيئته وإرادته، ليس لازما لذاته. وهذا أيضا أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، أي أن الله جل وعلا يفعل ما يشاء باختياره سبحانه وتعالى، باختياره وإرادته، باختياره ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: الخامس أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم يكن. فإنه يقدره ثم يخلقه، وفق ذلك التقدير. فهذه أمور تضمنها معنى التقدير أو مع القدر الذي هو التقدير المطابق للعلم. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ﴿فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما﴾. قال الشارح رحمه الله: اعلم أن القلب له حياة وموت ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن. قال تعالى: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾. أي كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان. فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه، وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح. قال عبد الله بن مسعود: هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر. طيب الشيخ الباني رحمه الله تعالى في الحاشية يقول: لا أعرفه، لكن هذا يدل عليه ما جاء في الصحيح من حديث حذيفة ابن يمان رضي الله عنه وأرضاه في الحديث الذي ذكر فيه تقسيم القلوب. قال رحمه الله: وكذلك القلب المريض بالشهوة، لأنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه. ومرض القلب نوعان: مرض شهوة، ومرض شبهة. وأردأها مرض الشبهة، وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر. قال رحمه الله: وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يشعر به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها. بل قد يموت وصاحب لا يشعر بموته. وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة. فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته. وما لجرح بميت إيلامه. قال رحمه الله: هاهنا بأن القلب إن كان حيا فإنه يتألم بما فاته من الخير أو بما حصله من الضير. هذا متى إذا كان القلب فيه حياة. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت الأرض﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيله﴾. وفي المقابل قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تضغفوا﴾. قال الشيخ الإسلام نتيمية رحمه الله تعالى في عبارته المشهورة: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. صبر ويقين في السلوك إلى الله رب العالمين. قال رحمه الله: وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن ابن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه الحوادث والبدع: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا. قال الحسن البصري رحمه الله: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والقافي، فاصبروا عليها رحمكم الله. فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعتهم. قال رحمه الله: وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة إلى الأغذية الضارة، وعدوله عن دوائه النافع إلى دوائه الضار. فها هنا أربعة أشياء: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشاف على الضار المؤذي. والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن. وكل منهما فيه الغذاء والدواء. فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة، فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين. فإن الله تعالى يقول: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد﴾. وقال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزد الظالمين إلا خسارا﴾. ومن في قوله: ﴿من القرآن﴾ لبيان الجنس لا للتبعيد. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾. وهذا يؤيد هذا المعنى. قال رحمه الله: القرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة. وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به. قال رحمه الله: والعرش والكرسي حق. كما بيّن تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾، ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾، ﴿ثم استوى على العرش﴾ في غير ما آية من القرآن. قال الشارح رحمه الله: وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه الفلك الأطلس والفلك التاسع. وهذا ليس بصحيح، لأنه قد ثبت في الشرع أنه له قوائم تحمله الملائكة. والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿ولها عرش عظيم﴾. وليس هو فلكا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب. قال رحمه الله: وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾. وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره. نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. روى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى. قال رحمه الله: وقد روي مرفوعا، والصواب أنه موقوف على ابن عباس. وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش. قال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض. قال رحمه الله: وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على