التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 58

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 58، ألقاها

حكم علم الكلام والجدل واختلاف العلماء فيه

يناقش حكم علم الكلام والجدل، حيث اختلف العلماء بين من يراه مذمومًا وحرامًا ومن يراه مندوبًا إليه أو واجبًا، مستدلين بكلام أبي حامد الغزالي.

سبب كراهة السلف لعلم الكلام واعتباره بدعة

يرى السلف أن علم الكلام بدعة محدثة تثير الشبهات وتؤكد اعتقاد البدعة، بينما يرى بعض أهل الكلام أنه وسيلة لكشف الحقائق.

التحذير من الانشغال بعلم الكلام عن الكتاب والسنة

يحذر الشيخ من الانشغال بعلم الكلام عن الكتاب والسنة، ويذكر أمثلة على علماء ضلوا بسبب هذا العلم، ويشير إلى أن القرآن الكريم يحوي الحق والهدى.

انتقاد علماء الكلام وعدم وصولهم إلى اليقين

يُنتقد علماء الكلام لوقوفهم وحيرتهم في المسائل الكلامية الكبيرة، ويعتبر هذا الانتقاد دليلاً على عدم الوصول إلى اليقين في بعض القضايا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم على الشارح رحمه الله تعالى، ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه «إحياء علوم الدين»، وهو كتاب مشهور منتشر بين الناس، والكتاب -كما قيل- فيه الغث والسمين، فيه أشياء جيدة باعتبار ما فيه من بعض التعاريف والمسائل في مسائل القلوب والزهد وما شابه ذلك، وفيه أشياء منكرة، فيه أشياء منكرة باطلة لا يجوز القول بها، لذا كان العلماء رحمهم الله تعالى يحذرون الطلبة، ولا سيما في أوائل أمرهم، من القراءة في هذا الكتاب لما فيه من الأشياء الباطلة. وهو يعد من أهل الكلام، وتعمق في علم الكلام، وخاض في علم الكلام، واضطرب اضطرابًا كبيرًا، إلا أن الله جل وعلا تفضل عليه، فأكرمه بالتوبة قبل الممات، كما سيأتي معنا أنه مات وهو يقرأ صحيح البخاري، فمات وصحيح البخاري على صدره، رحمه الله تعالى وغفر له. وأما الكتاب، فقوله: «وهو من أجل كتبه أو أجلها»، أي: باعتبار غيرها من كتبه التي ألفها في علم الكلام، فهي -كما يقال- أفضلية نسبية، أي: أن هذا أفضل من غيره، وإلا فإن له بعض الكتب ذم فيها علم الكلام، وحذر منها، وبين فيها أو مال فيها إلى علم السلف، منها رسالة يقال: «بغية المريد في مسائل التوحيد»، وله كذلك رسالة أخرى بعنوان «إلزام العوام عن علم الكلام»، لما فيها من علم الكلام، كما نبه على ذلك بعض العلماء رحمهم الله تعالى. فالحاصل أن قوله: «ومن أجل كتبه أو أجلها» بالنسبة لغيرها من كتبه التي ملئت بالاضطراب والتناقض والجدل في علم الكلام. قال رحمه الله: «فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم، أو هو مباح، أو مندوب إليه؟ فعلم أن للناس في هذا غلوًا وإسرافًا في أطراف»، فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وأن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض إما على الكفاية وإما على الأعيان، وأنه أفضل الأعمال والقربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله. وهذا يعني أن القول الأول في قوله: «وأن العبد... إلخ» أنه حرام، أنه بدعة وحرام، هذا قول السلف، وهذا قول السلف والأئمة رحمهم الله تعالى، وتواترت أقوالهم، واشتهرت، وانتشرت. وأما القول بأنه من أفضل القربات وأعظم الواجبات -إلى غير ذلك- فهذا قول متكلمة المعتزلة، وكذلك من الأشاعرة ممن سار على هذا السير، اعتقد أن الخير كل الخير في علم الكلام. قال رحمه الله: «وإلى التحريم ذهب الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وجميع أئمة الحديث من السلف، وساق الألفاظ عن هؤلاء»، قال: «وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، لا ينحصر ما نقل عنهم من التجريحات فيه»، وقالوا: «ما سكت عنه الصحابة -مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم- إلا لما يتولد منه من الشر»، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون»، أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء. قال رحمه الله: «فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل»، يعني: ذكر القول المخالفين، أن السلف يقولون بقول، والخلف يقولون بقول آخر. قال: «فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب، أو واجب -كما يقتضيه الحال- وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام»، قال: «فأما مضرته: في إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل». قال: «وأما منفعته: فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف»، وهذا يدل على أنه يميل إلى قول السلف. قال: «فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قاله بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك»، قال: «فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قاله»، وهذا يدل على أنه يشهد شهادة حق أن علم الكلام لا ينفع في دين الله جل وعلا شيئًا، وضرره أعظم من نفعه. قال: «والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحًا جديدًا على معاني صحيحة -كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة- ولا كرهوه أيضًا للدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاجتماعه على أمور كاذبة مخالفة للحق»، طيب: بعض أهل الكلام يقولون: «أنتم تقولون بأن علم الكلام بدعة محدثة لم يكن عليه السلف، وما شابه ذلك»، فلماذا ما تقولون هذا في العلوم الاصطلاحية التي اصطلحتم عليها، مثل: علم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم النحو، وما شابه ذلك؟ يقول: لم تكن على عهد السلف هذه موجودة عند الصحابة والتابعين. فالجواب: أن السلف رحمهم الله تعالى لم ينكروا عليهم هذا الاصطلاح لمجرد أنه اصطلاح، وإنما أنكروا عليهم لأن هذا العلم فيه الباطل، وفيه المصادمة للحق من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيه التشكيك للثوابت من دين الله جل وعلا، فلذا نهى السلف رحمهم الله تعالى لأجل هذا المعنى، لا لأنه علم حديث اصطلح عليه، فذموه وأنكروه. قال رحمه الله: «وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريرًا، وأحسن تفسيرًا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد»، كما قيل: «لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كتب التناظر»، مثل: «المغني» لعبد الجبار المعتزلي، من كتب الكلام التي فيها التطويل والإبعاد عن الحق. قال: «فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك»، ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله، وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين. قال: «والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى»، وهذا مبسوط في موضعه. قال: «وسبب الإضلال الإعراض عن تدبر كلام الله، وكلام رسوله، والإنشغال بكلام اليونان والآراء المختلفة»، وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام لأنهم لم يفيدوا علمًا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد. قال: «فقد ضاه إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه»، بل قال: «أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين»، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا شاكًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا»، قال الشارح رحمه الله: «يتذبذب، يضطرب، ويتردد»، وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة. قال رحمه الله: «وكذلك الغزالي رحمه الله، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق، وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فمات وصحيح البخاري على صدره»، وكذلك أبوه، وهذه منقبة له رحمه الله تعالى، أن الله جل وعلا أنقذه من علم الكلام. قال رحمه الله: «وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه أقسام اللذات: نهاية إقدام العقول عقم، وغاية سعي العالمين الضلال»، إلى أن قال: «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن»، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ثم قال: «ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي»، أي: خرج بعد علم قد يكون أفنى فيه عمره، إلى أن ما أضاعه من العمر لم يستفد منه شيئًا، ووجده في القرآن، في عبارات مختصرة، فيها الخير كله. قال: «وكذلك الآمدي، أفضل أهل زمانه -من علماء الكلام من الأشاعرة- واقف في المسائل الكبار، حائر»، وكذلك الغزالي رحمه الله، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على