الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 11، ألقاها
يناقش تقسيم الصوفية للتوحيد إلى ثلاثة أنواع ويبين بطلانه وارتباطه بمذهب الجبرية. يبين أن هذا التقسيم يقدح في مقام النبوة ويتنافى مع دعوة الرسل والأنبياء.
يشرح توحيد الأنبياء والمرسلين وأولو العزم، ويبين أن أكمل الناس توحيدا هم الأنبياء والمرسلون. يبين أن توحيد الخاصة هو التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء والمرسلون.
يناقش مفاهيم التوحيد والفناء عند الصوفية، ويحذر من الانجراف إلى الاتحادية. يبين أن القسم الثالث من الفناء يفضي إلى الاتحاد وهو قول باطل.
يناقش معنى التوحيد الحقيقي لله عز وجل، ويبين أهمية اتباع الشريعة والابتعاد عن الابتداع والتأويلات الباطلة. يشير إلى غلو بعض الصوفية في التأويل وانحرافهم عن الصراط المستقيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، وقفنا في الدرس الماضي عند قوله رحمه الله تعالى: «وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب كما تقدمت إليه الإشارة، فلا يتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع». وتقدم معنا في الدرس الماضي أن المراد بهم أولئك الصوفية الذين يجعلون الناس طبقات في التوحيد، يجعلون الناس طبقات في التوحيد. قال رحمه الله تعالى: «فلا يتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، وجعل هذا النوع إشارة إلى التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، يسمونه توحيد العامة». إذن، ما كان عليه الرسل والأنبياء وما دعا إليه الرسل والأنبياء هو -إنما عند هؤلاء- إنما هو دعوة هؤلاء العامة، دعوة هؤلاء العامة. وفي هذا -كما يقال- قدح واضح في مقام النبوة، قدح في مقام النبوة، إذ أن الأنبياء -وهم أعلم الناس بالله جل وعلا وبدينه وشرعه- كانوا على هذا النوع من التوحيد، كانوا على هذا النوع من التوحيد. وهؤلاء يسمون هذا النوع من التوحيد بأنه توحيد العامة، ولهم كذلك ألفاظ أخرى يطلقون على هذا النوع من التوحيد، فتارة كما سمعتم يسمونه توحيد العامة، وتارة يسمونه توحيد أهل الشريعة، توحيد أهل الشريعة، وكذلك يسمونهم توحيد أهل الظاهر، وتوحيد أهل الرسوم وأهل الأوراق. هذا هو توحيد العامة، لهم ألقاب كثيرة على هذا المعنى. قال: «والنوع الثاني توحيد الخاصة»، والنوع الثاني توحيد الخاصة، وهم الصوفية، ويسمونهم أهل الباطن، يقول: «هـ توحيد أهل الباطن وأهل الأذواق أو الخاصة وما شابه ذلك». والنوع الثالث قال: «والنوع الثاني هو توحيد الخاصة»، وهو الذي يثبت بالحقائق، وهو الذي يثبت بالحقائق. ومعنى هذا -أي أنه يثبت بالحقائق- أي بالمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والاتصال والانفصال والحياة والقبض والبسط، وبالجملة، وبالجملة. فليس يعني هؤلاء يجعلون توحيد ماذا بإسقاط الأسباب، بإسقاط الأسباب من التوحيد، وإسقاط الأسباب من التوحيد ليس من التوحيد، ولا يتأتى إلا على مذهب الجبرية الغلاة، على مذهب الجبرية الغلاة. قال: «والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم»، توحيد قائم بالقدم، وقد تقدم معنى هذا، وأنهم يجعلون أن الموحد هو الموحد، الموحد الموحد هو الموحد، وتارة قد يراد به معنى آخر هو -كما يقال- خير من هذا المعنى، فقد يراد به أن الموحد يقذف في قلب الموحد نورا وتوفيقا، وكذلك في لسانه نورا وتوفيقا، فيكون موحدا بذلك النور والتوفيق. وهذا -كما ترون- كذلك لا يتأتى إلا على مذهب من؟ كذلك لا يتأتى إلا على مذهب الجبرية، على مذهب الجبرية، لأن هؤلاء يجعلون يسقطون ماذا؟ يسقطون الأسباب، يسقطون الأسباب. فعلى المعنى الأول باطل، وعلى المعنى الثاني كذلك ماذا؟ باطل، لماذا باطل؟ لأنهم يسقطون الأسباب، فهم إنما وحدوا -يعني- لسان حالهم، بل وقالهم يقولون: «إنما وحدنا الله، إنما نحن صرنا موحدين لله جل وعلا لأن الله جل وعلا قذف التوحيد في قلوبنا، فصرنا ماذا موحدين؟». فالله جل وعلا -حقيقة- هو ماذا؟ هو الفاعل فيهم التوحيد، فالله جل وعلا هو الفاعل فيهم التوحيد، فحقيقة الفعل إلى من؟ منسوبة إلى الله جل وعلا، وهذا لا يتأتى إلا على مذهب من؟ على مذهب الجبرية. وهذه الأقوال حقيقتها ومآلها -بل حالها وأصلها- يرجع إلى مذهب الجهم، إلى مذهب الجهم في الجبر، إلى مذهب الجهم في ماذا؟ في الجبر. والحاصل والخلاصة من هذا أن هذه بعض شطحات هؤلاء، بعض شطحات هؤلاء الذين يجعلون للتوحيد أناسا، فيجعلون الطبقة الأولى هي طبقة العامة، وطبقة العامة هي طبقة من؟ حقيقة طبقة الرسل والأنبياء وأتباع الرسل والأنبياء. ثم الطبقة الثانية طبقة أهل المكاشفات، الذين يصل إليهم العلم بالمكاشفات والمكاشفات -كما عرفها من العلماء- قالوا: «هو الاطلاع على ما وراء الغيب»، المكاشفة هو الاطلاع على ما وراء الغيب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا، ذكر هذا الجرجاني في كتاب «التعريفات». قال رحمه الله: «والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم»، وهو توحيد خاصة الخاصة، توحيد خاصة الخاصة، الذين يصلون إلى مرحلة -كما مر معنا- إن كانوا من أهل الباطن- إلى مرحلة تسقط معهم الشرائع، تسقط عليهم معهم ماذا؟ الشرائع. قال رحمه الله تعالى: «وهو توحيد خاصة الخاصة»، فإن أكمل الناس قالوا: «هو توحيد خاصة الخاصة»، وتقدم معنا فيما مضى من دروس -كما في «التدمرية»- أن هؤلاء يجعلون كذلك لأهل هؤلاء لأهل التوحيد بكل واحد لفظ يخصه. فالعامة -يعني- عامة الناس، قالوا: «أنتم ذكركم أن تقولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾»، ذكر العامة أن يقولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير ما قاله هو الأنبياء قبله ماذا؟ يا جماعة: «لا إله إلا الله»، كما جاء في «الحج»، قالوا: «قال ماذا؟ خير ما قلته أنا والأنبياء قبل يوم عرفة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾» الحديث. وهؤلاء يقولون بأن هذا الذكر هو ذكر من؟ ذكر العامة، ذكر الخاصة ماذا يقولون؟ يقولون: «قولوا: الله الله الله»، لماذا يا جماعة؟ يقولون: «نخشى أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله أن يموت في الجزء الأول من الكلمة فيموت» ويقول: «لا إله»، وإذا مات ويقول: «لا إله» إيش يكون حكمه عندهم؟ يكون ملحدا، قالوا: «هذا ذكر العامة»، أما ذكر الخاصة فيبقى على الإثبات، لا إله هذا يحذف، يبقى على ماذا؟ الله الله، هل هذا يا جماعة يدخل الإسلام؟ يستطيع الإنسان أو يدخل به الإنسان في الإسلام؟ يعني أن يدخل الإسلام بالله الله، الجواب: لا. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، وفي الحديث الآخر: «حتى يشهدوا أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله»، وجاء في حديثه كذلك من عباس في بعثة معاذ إلى اليمن قال: «مرهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، ألا حديث في ذلك كثيرة؟ ألا حديث في ذلك كثيرة؟ بل دعوة الأنبياء والرسل -كما أخبر الله جل وعلا- أنها قائمة على هذا المعنى، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون﴾، والآيات في هذا كثيرة. وهؤلاء يقولون بأن هذا الذكر هو الذكر العامة، وذكر الخاصة أن يقول ماذا؟ أن يقول: «الله الله»، طيب ما هو الذكر الخاصة الخاصة؟ قالوا: «أن يقول -أن يذكر الله جل وعلا- بالضمير، بالضمير، أن يقول: هو»، لذا تجدهم يقول: «هو هو هو»، وما شابه ذلك على أنه ماذا؟ أنه ذكر، وهذا عندهم ذكر الخاصة، هذا الذكر هو ذكر ماذا؟ ذكر خاصة، حرم هؤلاء الخاصة أعظم الذكر، حرم هؤلاء الخاصة أعظم الذكر، حتى لفظ الجلالة لا يذكرونه، حتى لفظ الجلالة لا يذكرونه، إنما يقول: «هو»، يقول: «هو هو» إلى غير ذلك مما يقول هؤلاء من الأقوال المباعدة لدين الله جل وعلا وشرعه. قال رحمه الله تعالى: «قال: فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء»، فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء، أي أكمل الناس من كان على توحيد الأنبياء، كما سمعت أنه يحتمل أن يراد به ما سمعت أولا من أن الموحد هو الموحد، ويحتمل أن يراد به أنه قذف في قلوب العباد التوحيد، فصاروا بذلك موحدين، فصاروا بذلك ماذا؟ موحدين. لكن بهذا الاعتبار نفوا ماذا؟ نفوا الفعل من العبد، نفوا الفعل من العبد، هذا باطل، بل العبد فاعل حقيقة، والرب جل وعلا فاعل حقيقة، فالرب جل وعلا موحد لنفسه حقيقة، كما قال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، والعبد إذا وحد الله جل وعلا فهو موحد لله جل وعلا حقيقة بفعله، موحد لله جل وعلا حقيقة بفعله. ولكن هؤلاء سلبوا عن العبد الفعل، سلبوا عن العبد الفعل، فلذا قلنا: كلا القولين باطل، كلا القولين ماذا؟ باطل، إن أرادوا أنه ليس هناك موحد يوحد الله إلا الله، فهذا قول باطل واضح، وإن أرادوا أن من العباد من يوحد الله، ولكن فعلهم -إنما حقيقة- إنما هو من فعل الله، ولا فعل لهم، نقول: هذا القول كذلك ماذا؟ قول باطل، لماذا؟ لأنه من قول الجبرية، لأنه من قول الجبرية. وسيأتي -بإذن الله جل وعلا- هذا مزيد في كلام في كلام ماذا؟ في كلام الشارع عند ذكر كلام أبي إسماعيل الهروي: «ما وحد الواحد من واحدين»، طيب قوله رحمه الله تعالى: «قال: فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء صلوات الله عليهم»، أي فإن أكمل الناس توحيدا فإن أكمل الناس توحيدا من كان على توحيد الأنبياء، من كان على توحيد الأنبياء. وأيضا فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء بمعنى أن أكمل الناس هم الأنبياء، أكمل بأن أكمل الناس في التوحيد هم الأنبياء والمرسلون، الأنبياء والمرسلون هم أكمل الناس في التوحيد، ومن اتبعهم على ذلك التوحيد كذلك ناله من الكمال بحسب ما قام في قلبه من التوحيد. إذا قال رحمه الله: «فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء صلوات الله عليهم والمرسلون منهم»، والمرسلون منهم، بمعنى أن المرسلين من الأنبياء، فالأنبياء أعم من المرسلين، والمرسلون أخص من ماذا؟ أخص من الأنبياء، فليس كل نبي الرسول، ولكن كل رسول نبي. قال: «والمرسلون منهم أكمل في ذلك»، قال: «وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا»، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، هؤلاء أكمل الناس توحيدا، كما قال الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في قول الله جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، هل «منها» هنا لبيان الجنس أم أنها للتبعيد؟ على قولين لأهل العلم، فمن أهل العلم من رأى الأول، ومنهم من رأى الثاني. وعلى القول الأول -بأنها لبيان الجنس- قالوا: «معناه أن كل الرسل من أولي العزم»، أن كل الرسل من أولي العزم، فتكون الآية: «فاصبر كما صبر أولي العزم وهم الرسل أجمع»، وهم الرسل أجمع. ومن أهل العلم ذهب إلى أن «منها» هنا للتبعيد، وأن المراد بهم الأنبياء، وأن المراد بهم الخمس المذكورين، أن المراد بهم الخمس المذكورون في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى، وفي سورة الشورى، وهذا هو الصواب، وهذا هو الصواب، يدل على أنه الصواب قول الله جل وعلا في كتابه الكريم في حق آدم عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلِ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وقال الله جل وعلا كذلك في حق يونس عليه السلام، قال الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، الآية، ففيه إشارات إلى أن الأنبياء والرسل إنما هم من خصوا بالذكر في آيتي الأحزاب، وفي آيتي الشورى، والله تعالى أعلى وأعلم. قوله رحمه الله تعالى: «وأكملهم توحيدا خليلان»، أكملهم توحيدا خليلا محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلام، فإنه ما قام من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه. قال رحمه الله: «ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه»، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك والصحة التوحيد، وذكر الأنبياء من ذريته: «أولئك الذين اتبعهم الله بهداه»، مقتده، فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام وعلى كلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين»، طيب وهذا الحديث صح من حديث عبد الرحمن بن أبزة -كما في «مسند أحمد» و«سنن الدارمي» وغيرهما-، وجاء من حديث أبي بن كعب، وفيه ضعف، وفيه ضعف من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلم بن كهير، عن أبيه، عن جده، وإبراهيم بن إسماعيل ضعيف، وأبوه وجده متروكان. لكن -كما سمعتم- قصا من حديث عبد الرحمن بن أبزة، والشاهد منه واضح، الشاهد منه: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين». فتفضل هذا رحمه الله، فملة إبراهيم التوحيد، ودين محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة. فهذا توحيد خاصة خاصة، لا كما زعم أولئك، هذا هو توحيد خاصة الخاصة -إن صح التعبير-، إن صح التعبير، لا كما يقول هؤلاء أصحاب الشطحات من أن توحيد الرسل والأنبياء والذي دعا إليه الرسل والأنبياء إنما هو توحيد العامة، بل إن صح التعبير بأن هذا التوحيد هو توحيد الخاصة الذين هم أعلم الخلق بربهم جل وعلا. قال رحمه الله: «فهذا توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء»، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اسْتَخْلَصْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، إذ قال له ربه: «أسلم»، قال: «أسلمت لرب العالمين». وكل من له حس سليم وعقل يميز به لا يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام، إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واستحلالهم وطرقهم البتة، واستحلالهم وطرقهم البتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة. فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا الذي أتى الله به، ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد. انظر إلى ما أجد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول شعرا: «ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد»، توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده، ونعت من ينعته لاحد لاحد. طيب قوله رحمه الله تعالى: «قوله: لا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء»، ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطير يفضي إلى الاتحاد. والفناء -كما مر معنا مرارا- يقسم إلى ثلاثة أقسام: فناء عن إرادة السواء، عن إرادة السواء، ومعنى هذا أنه لا يريد إلا ما يريد الله جل وعلا، لا تكون له إرادة إلا ما أراده الله، فلا يميل إلا ما أراده الله جل وعلا، فهذا -كما ذكر الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى- من حيث المعنى معنى صحيح ومطلوب، أن الإنسان يميل بإرادته إلى مراضي الله جل وعلا، ويقدم محابة الله جل وعلا على محبوبه، ومراض الله جل وعلا على مراضيه، ومراد الله جل وعلا على مراده، إلى غير ذلك من المعاني، فيكون عبدا حقا لله -كما أراد الله جل وعلا أن يكون منه عبدا خالصا له سبحانه وتعالى-. ولكن -كما سمعتم- مرة معنا أن هذا اللفظ بهذا الأسلوب ليس من أساليب السلف، ولم يعرف هذا اللفظ لا في كتاب ولا في سنة ولا أثر عن السلف، وما كان كذلك فينبغي أن لا يتلفظ به، ولا يتجارى مع هؤلاء بهذه الألفاظ. النوع الثاني من الفناء: النوع الثاني من الفناء فناء عن شهود السوى، فناء عن شهود السوى، ومعنى عن شهود السوى -بمعنى أنه لا يشاهد إلا الله-، لا يشاهد إلا الله، كما يعبرون بأنه يغيب بمشهوده عن شهوده، فلا يبصر من حوله، ولا يشعر بمن حوله، ولا يلتفت إلى من حوله، بل يشاهد الله ويراقب الله في صنعته وفي خلقه وفي إبداعه سبحانه وتعالى، هذا ما يسمونه الفناء عن شهود السواء. النوع الثالث من أنواع الفناء -وهو الذي أشار إليه الشيخ رحمه الله تعالى بأنه يفضي إلى الاتحاد-، الأول -كما سمعتم- معناه شرعي، الثاني ليس من المطالب الشرعية، الثالث فناء عن وجود السواء، عن وجود السواء، ومعنى هذا أنه لا يرى أو لا ينظر في الوجود إلا إلى وجود الله، لا ينظر في الوجود إلا إلى وجود الله، فكل موجود في الوجود فهو الله، فكل موجود في الوجود فهو ماذا؟ فهو الله، وهذا هو قول أهل الاتحاد، وهذا هو قول أهل الوحدة، قول باطل، قول باطل منكر، والعياذ بالله. فالحاصل أن هذا الفناء -هذا الفناء الذي قد تقدم معنا أنه بمعنى الإضمحلال والتلاشي- سواء كان على المعنى الأول أو الثاني أو الثالث يفضي إلى ماذا؟ يفضي إلى هذا، يفضي إلى القول بالوحدة، لأن أولا -كما سمعتم- يقدم الإرادة عن إرادة، تأتي الطبقة الثانية ماذا؟ لا يشهد إلا من؟ لا يشهد إلا الله، تأتي الطبقة الثالثة أشد منها، فلا ترى في الوجود إلا الله، لا ترى في الوجود إلا ماذا؟ إلا الله، وهذا هو حقيقة قول من؟ هذا هو حقيقة قول اتحادية، فلا يرون لأنفسهم وجودا، فضلا أو لا يرون لأنفسهم وجودا، فضلا على أن يروا لأنفسهم فعلا قائما بهم، بل يرون أن كل فعل هو من الله، بل كل موجود هو من من؟ من الله جل وعلا، وهذا هو حقيقة قول الاتحاد، لذا قال رحمه الله: «قال: وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد»، درب خطر يفضي إلى الاتحاد، أي اتحاد الخالق بالمخلوق، فلا يميز العبد بعد ذلك بين خالق ومخلوق، بل ينظر إلى الوجود بأنه عين واحدة، وأن الوجود كله هو الله جل وعلا، وهذا هو حقيقة قول من؟ قول اتحادية، لذا قال رحمه الله: «انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول: ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد»، توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده، ونعت من ينعته لاحد لاحد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى -شارحا لقوله: «ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد»- قال رحمه الله تعالى: «قال: يعني ما وحد الله عز وجل أحد سواه»، أي ما وحد الله جل وعلا أحد سواه، أي سوى الله، وكل من وحد الله فهو جاحد بحقيقة جاحد لحقيقة توحيده، فإن توحيده يتضمن شهودا ذات الواحد وانفراده. قال: «وتلك اثنينية ظاهرة»، بخلاف توحيده لنفسه، فإنه يكون هو الموحد والموحد والتوحيد صفته وكلامه القائم به، فما ثم غير، اثنينية ولا تعدد. وأيضا قال: «فمن وحده من الخلق فلابد أن يصفه بصفة»، وذلك يتضمن جاحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف، فمن وصفه فقد جاحد إطلاقه، إطلاقه من قيود الصفات، من قيود الصفات. وهو -كما ترون- كلام ماذا؟ يعني كلام ليس بصحيح، كلام ليس بصحيح، بل الأنبياء والرسل قد وحدوا الله جل وعلا حق توحيده، توحيده، قد وحدوا الله جل وعلا، وقاموا في المقام حق قيام، يستطيع أن يصل إليه بشر، يستطيع أن يصل إليه بشر، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وقوله: «توحيد من ينطق عن نعته عالية أطلها الواحد»، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال: يعني توحيد الناطقين عنه عارية مردودة»، كما يسترد العواري، كما يسترد العواري، العارية معروف، الشيء الذي يأخذها الإنسان من صاحبه، من جاره، يستخدمها ثم يردها من غير عوض، يستخدمها ثم يردها من غير عوض. ثم عارية فهو يقول: «يقول: توحيد -يعني توحيد من ينطق عن نعته عالية أطلها الواحد»، يقول ابن القيم: «يعني توحيد الناطقين عنه عارية أبطالها الواحد»، يعني عارية مردودة، كما يسترد العواري، إشارة إلى أن توحيدهم عارية، لا ملك لهم به الحق، أعارهم إياه كما يعير المعير تاعه لغيره، ينتفع به، ويكون مالكا للمعير، لا للمستعير. قوله: «أبطالها الواحد»، أي الواحد المطلق من كل الوجوه، وحدته تبطل أو تبطل هذه العارية وتردها إلى مالكها الحق، فإن الوحدة المطلقة من جميع الوجوه تنافي ملك الغير لشيء من الأشياء، بل المالك لتلك العارية هو الواحد، فلذلك أبطلت الوحدة هذه العارية، أي توحيده الحقيقي هو توحيده لنفسه بنفسه من غير أثر لسوى، بوجه، بل لا سوى هناك، بل لا سوى هناك. وهو -كما سمعتم- قال رحمه الله: «توحيده إياه توحيده»، توحيده إياه توحيده، ونعت من ينعته لاحد، قال ابن القيم: «أي نعت له إلحاد»، وهو عدول عن ما يستحقه من كمال التوحيد، فإن أسند إلى نزاهة الحق ما لا يليق به إسناده، فإن عين الأولوية تأبى نطق الحدث، ومحض التوحيد يأبى أن يكون سوى أن يكون لسوى أثر البتة، أن يكون لسوى أثر البتة. والحاصل يدور على ما ذكر، والحاصل أن الكلام يدور على ماذا؟ على ما ذكر من أن الله جل وعلا هو الموحد لنفسه، وكل من سواه ما وحده، التوحيد الذي يجب أن يكون له، وفي هذا الإطلاق والعمل يدخل من يا جماعة؟ يدخل توحيد الرسل والأنبياء، يدخل توحيد الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. فهذه من شطحات هؤلاء، ومن تأثر بهؤلاء، تفضل. قال رحمه الله: «وإن كان قائله رحمه الله لم يرد به الاتحاد»، لكن ذكر لفظا مجملا، محتملا، جذبه به محتملا، جذبه به الاتحاد إليه، وأقسم بالله جهد إيمانه أنه معه، أي أن الاتحادية بسبب هذه الأبيات من أبي إسماعيل الهروي نسبوه إليهم، نسبوه إليهم، وصراحة بأن الأبيات محتملة احتمالا كبيرا لما ذهبوا إليه. ولكن -كما هو معلوم- ما دام أن نستطيع أن نخرج له مخرجا صحيحا، فالمصير إليه أولى، فالمصير إليه ماذا؟ أولى، وإلا فالكلام -كما ترون- كلام بعيد عن الصواب، هذا لا خلاف بأنه بعيد عن الصواب، لكن هل هو حقيقة قول أهل الاتحاد أم لا؟ كما ترون الأمر محتمل، الأمر محتمل لهذا وهذا. قال رحمه الله: «ولو سلك الألفاظ الشرعية»، ولو سلك الألفاظ، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوبا منا لنبه الشارع عليه، ودع الناس إليه، وبينه، فإن على الرسول البلاغ المبين. فإن قال: «الرسول» هذا توحيد العام، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد خاصة الخاصة، أو ما يقارب من هذا المعنى، أو ما يقرب من هذا المعنى، أو أشار إلى هذه النقول والعقول حاضرة، طيب الحاسق -كما ذكر رحمه الله تعالى- بأن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. ولو أنه سلك الطريق القويم لكان من أهل الصراط المستقيم حقا وحقيقة، ولكنه تابع ألفاظ هؤلاء، فوقع فيما وقع رحمه الله وغفر له، نسأل الله عز وجل أن يرحمه وأن يغفر له وأن يتجاوز عنه، وعنه. فالحاصل أن الكلام في كلام أبي إسماعيل محتمل -كما ترون-، فنسأل الله عز وجل أن يغفر له وأن يرحمه، وكما نبه الشارح رحمه الله تعالى أن هذا الكلام لو كان حقا لدلنا إليه الشرع، لدلنا عليه رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذي ما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه. فالخير كل الخير فيما كان عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان عليه صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله رحمه الله: «مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوبا منا لنبه الشارع عليه»، قد يقول قائل: «هل الشارع من أسماء الله جل وعلا؟»، الجواب: «لا»، ولكنه من باب ماذا؟ من باب الإخبار، من باب الإخبار، ووضح هذا يا جماعة، والله جل وعلا قد أخبر بأنه يشرع، قال الله جل وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى آخر الآيات، ما شابه ذلك. قال رحمه الله: «فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسل، وسادات العارفين من الأئمة»، هل جاء ذكر الفناء فيها؟ وهذا التقسيم، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا في زيادة الغلو في الدين، المشبه المشبه لغلو الخوارج، المشبه المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النصارى في دينهم. وقدم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه، فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تشددوا، لا تشددوا فيشددوا، لا تشددوا، لا تشددوا فيشدد الله عليكم»، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم. طيب والحديث -كما ذكرها هنا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى- من أنه قال: «وفيه سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يروي عنه سوى اثنين»، قال: «وخرجته في «الضعيفة»»، يقول الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: «وخرجته في «الضعيفة»»، لكن الحديث له طريق أخرى، طريق أخرى من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث -يعني أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في «التاريخ»-، فقال: «قال لنا عبد الله بن صالح، حدثني أبو شريح، قال: سمعت سهل بن عبد الله، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره». وأخرجه ابن قانع في «المعجم» في ترجمة سهل، والطبراني في «الكبير» وكذلك «الأوسط»، والبيهقي في «الشعب»، وقال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: «قال: وهذا إسناد جيد»، قال: «وهذا إسناد جيد»، بما بعده، ورجاله ثقات، رجال مسلم، غير عبد الله بن صالح، غير عبد الله بن صالح، فهو من شيخ البخاري -كما ترى-، قال الحافظ في «هدي الساري»: «ظاهر كلام هؤلاء أنه أما أن حديثه في الأول كان مستقيما ثم طرأ عليه فيه تخليط»، فمقتضى ذلك أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق -كـ: «يحيى بن معين» و«البخاري» و«أبي زرعة» و«أبي حاتم»- فهو صحيح، حديثه، وما يجيء من رواية الشي