الدرس في شرح القواعد المثلى 33، ألقاها
يتناول الرد على إشكالات حول بطلان مذهب أهل التأويل في الصفات، مؤكدًا أن كثرة الأتباع لا تعني صحة المذهب. يُبين أن العصمة في الإجماع وليس في الأكثرية.
يُذكر أن إجماع المسلمين قديمًا حجة في الرد على الأشاعرة، وأن مذهبهم باطل ومردود لأنه مخالف لإجماع السلف. يُشرح أيضًا مراحل أبي الحسن الأشعري في العقيدة.
يناقش منهج الأشعرية في إثبات الصفات الإلهية ويبين اختلافه عن منهج أهل السنة والجماعة. يُنتقد اعتمادهم على العقل واستئناسهم بالنقل.
يشرح أن الناس لم يفهموا معاني الوحيين بسبب بعدهم عن الحق والأسس الباطلة التي اتبعوها. يُعبر عن الأسى لحرمانهم من معرفة هذه المعاني.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم أما بعد. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الدرس أو في آخر الأمثلة مثالين، وهما المثال الأول في قول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وتقدم أن هذا المثال أو هذه الآية مكونة من ركنين أو من قسمين وشقين، وأن المعنى الأول «إنما يبايعون الله» ليس المراد أن الله باشر بيعتهم بيده سبحانه وتعالى، بل المراد أن بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هي في الحقيقة بيعة لله عز وجل، وأن قوله «يد الله فوق أيديهم» المراد أن الله عز وجل يده فوق أيديهم، فوقهم، فوق سماواته، مستوى على عرشه سبحانه وتعالى. وبالنسبة للمثال الآخر «يا بن آدم مرضت فلم تعدني»، فدلت قرينة الخطاب وكلام المتكلم وسياق كلام المتكلم أن المراد بمرض العبد والجوع والعطش الذي قال فيه ربنا عز وجل في الحديث «مرضتم»، وقال «جعت»، وقال «عطشتم»، المراد به جوع أو مرض وجوع وعطش العبد، وإنما أضافه الله عز وجل لأجل أن يدل على مقام علو هذا المقام، ليدل على علو هذا المقام، وأن من قام بهذا الأمر، من قام بهذا الأمر فقد بلغ من المبلغ الذي يحبه الله عز وجل ويرضاه «لو فعلت كذا لوجدتني عنده»، «لو عملت كذا لوجدتني عنده» إلى غير ذلك من المعاني. قال رحمه الله: «قال قائل: قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات، ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل لأكثر الصفات، فكيف يكون مذهبهم باطلًا وقد قيل إنهم يمثلون اليوم خمسة وتسعين بالمئة من المسلمين؟» هذا الإشكال الأول أو التساؤل الأول. يعني يقول الشيخ: إذا قال قائل أي واستشكل مستشكل، فقال: «قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات»، أي أن مذهبهم باطل، فكيف نقول هذا؟ ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل لأكثر الصفات، فكيف يكون مذهبهم باطلًا؟ وقد قيل إنهم يمثلون اليوم خمسة وتسعين بالمئة من المسلمين. هذا الإشكال الأول، الإشكال الثاني: «وكيف يكون باطلًا وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟» هذا الثاني، الثالث: «وكيف يكون باطلًا وفيهم فلان وفلان من العلماء المعروفين بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؟». يعني كأن قائلًا يقول ومستشكلًا يستشكل فيقول: علمنا بما ذكرتم بالأمثلة أن مذهب التأويل باطل، وأن ما ذكروا عن أهل السنة والجماعة من أنه تأويل باطل، بل الصواب أنه ليس بتأويل، ولو فرض أنه تأويل فهو من باب التأويل الذي دلت عليه القواعد الشرعية. لكن مع هذا كيف نقول أنه باطل وأكثر ما في العالم من المسلمين على مذهب الأشاعرة، حتى ذكر هذا القائل أنهم بنحو خمسة وتسعين بالمئة؟ كيف يكونوا باطلًا؟ ورأسهم وإمامهم أبو الحسن الأشعري وهو من عرف، وكذلك كيف يكونوا باطلًا وفيهم من العلماء الأجلة فلان وفلان؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: «قلنا الجواب عن السؤال الأول: أننا لا نسلم أن تكون نسبة الأشاعرة بهذا القدر بالنسبة لسائر فرق المسلمين، فإن هذه دعوى تحتاج إلى إثبات عن طريق الإحصاء الدقيق». هذا أول مناقضة لهذا الكلام، هذا من باب النقض ومقابلة الحجة بالحجة، يقال له: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين». نقول لهم: قل «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»، اثبتوا بالإحصاء الدقيق أنهم بهذا العدد. ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ثم لو سلمنا أنهم بهذا القدر أو أكثر، فإنه لا يقتضي عصمتهم من الخطأ، لأن العصمة في إجماع المسلمين لا في الأكثر». وهذا جواب جدلي، وهذا جواب جدلي من باب التنزل، يقول الشيخ: لو سلمنا وفرضنا أنهم خمسة وتسعين بالمئة، بل أكثر من ذلك، ستة وتسعين، سبعة وتسعين، ثمانية وتسعين، تسعة وتسعين بالمئة هم من الأشاعرة، هذا لا يلزم أن يكون الحق معهم وأن يكونوا معصومين، لأن العصمة في ماذا؟ في الإجماع. لأن العصمة في الإجماع، وليس العصمة في اتباع أكثر الناس، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. فهذه الأدلة تدل على أن العبرة ليست بالكثرة، بل قد تكون الكثرة مذمومة إذا كانت على باطل، وأن الحق مع أهله ولو كانوا قليلين. ويدل على هذا المعنى أن الحق مع أهله ولو كانوا قليلين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال علماء رحمهم الله تعالى: «لا يضرهم من خالفهم» أي من غيرهم، «ولا من خذلهم» أي من أنفسهم، وهذا يدل على ماذا؟ على أنهم قليلون، وأنهم كذلك يتبرأ ويتنصل عنهم البعيد، ويتنصل عنهم ويتبرأ منهم كذلك القريب، ومع هذا هم على الحق. إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال الطائفة من أمتي»، طائفة من ماذا؟ من أمة، والطائفة تطلق على القطعة أو على المجموعة من الناس، على الجماعة من الناس. فهذا يدل على أن الحق مع أهله ولو كانوا قليلين. قال رحمه الله تعالى: «ثم نقول: إن إجماع المسلمين قديمًا هذا أيضًا حجة ثالثة في الرد على هؤلاء». قال: «ثم نقول: إن إجماع المسلمين قديمًا ثابت على خلاف ما كان عليه أهل التأويل، فإن السلف الصالح من صدر هذه الأمة، وهم الصحابة الذين هم خير القرون، والتابعون لهم بإحسان، وأئمة الهدى من بعدهم، كانوا مجمعين على إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، وإجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تكييف». الشيخ رحمه الله تعالى يقول: لو فرضنا أن هذا العدد وأن هذا الرقم صحيح، قال: «فإن هؤلاء محجوجون بالإجماع المتقدم»، فإن هؤلاء محجوجون بماذا؟ بالإجماع المتقدم، أي بإجماع الصحابة والتجابين وتابعيهم، وهذا هو الإجماع المعتبر، وهذا هو الإجماع المعتبر، إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، إجماع سلف هذه الأمة هو الإجماع المعتبر. أما الإجماع الحادث فإنه كما قال من قام من أهل العلم: «يصعب فيه حصر أقوال العلماء»، فضلًا عن ادعاء أنهم قد أجمعوا على ذلك القول المعين. فهؤلاء حينها يكونون ماذا؟ يكونون مسبوقين بإجماع ومحجوجين بذلك الإجماع، لأن كل قول حادث بعد الإجماع فهو ماذا؟ فهو مردود. فدل هذا على أن مذهب الأشاعرة مذهب باطل ومذهب مردود، ولو كانوا في هذه الأزمان وقبل هذه الأزمان بأزمان كانوا خمسة وتسعين بالمئة، بل لو كانوا تسعة وتسعين بالمئة، ما داموا مخالفين لما كان عليه السلف الأول، فإنهم فإن قولهم باطل. ولا يشفع لهم هذا العدد وهذه الكثرة. قال رحمه الله تعالى: «والجواب عن السؤال الثاني: أن أبا الحسن الأشعري وغيره من أئمة المسلمين لا يدعون لأنفسهم العصمة من الخطأ». بل لم ينالوا الإمامة في الدين إلا حين عرفوا قدر أنفسهم ونزلوها منزلتها، وكان في قلوبهم من تعظيم كتاب الله وسنة رسوله ما استحقوا به أن يكونوا أئمة. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وقال عن إبراهيم: «إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين، شاكرًا لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم». قال رحمه الله: «ثم إن هؤلاء المتأخرين الذين ينتسبون إليه» -أي إلى أبي الحسن الأشعري- «لم يقتدوا به الاقتداء الذي ينبغي أن يكون عليه». وذلك أن أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة، كان له مراحل ثلاث في العقيدة. المرحلة الأولى: مرحلة الاعتزال، اعتنق مذهب المعتزلة أربعين عامًا يقرره ويناضل عليه، ثم رجع عنه وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم، بل وانشغل بالرد عليهم عمره، لأنه كان عالمًا بمذهب المعتزلة، وكذلك عالمًا بأقوالهم ومعرفة بواطنهم ودقائق مسائلهم. فكان يرد عليهم رد عالم بتلك الأقوال، ولكنها للأسف كانت من باب رد البدعة بالبدعة، كان من باب رد البدعة بالبدعة، إذ أنه انتقل إلى مذهب الأشعرية، وصار يناظر على مذهب الأشعرية، على المذهب الآخر الذي هو مذهب ابن كلاب في الحقيقة، الذي هو في الحقيقة مذهب ابن كلاب. قال رحمه الله تعالى: «المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحض والسنة المحضة، سلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والأشعري وأمثاله: برزخ بين السلف والجهمية»، برزخ أي وسط بين هؤلاء وهؤلاء، أخذوا من هؤلاء كلامًا صحيحًا، ومن هؤلاء أصولًا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة، فوقعوا بين هذا وهذا. أخذوا من السلف الحق المحض الزلال، والمحض وخالطوه بماذا؟ بعقليات الجهمية، وعقول هي عقول الجهمية في الحقيقة، فعارضوا النقل بماذا؟ بالعقل، فاضطربوا ووقعوا فيما وقعوا فيه من الأقوال البعيدة عن الحق. قال رحمه الله: «المرحلة الثالثة: مرحلة اعتناق مذهب أهل السنة والحديث، مقتديا بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله». كما قرروا في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة»، وهو من آخر كتبه أو آخرها. قال في مقدمته: «جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، جمع فيه علم الأولين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبله المتي من تمسك به نجا، ومن خلفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى». «وحث الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، إلى أن قال: فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعة الله، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمرهم بالعمل بكتابه». «فنبذ كثير ممن غلبت شقوته واستحوذ عليه الشيطان سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم، ورأى ظاهرهم وعدلوا إلى أسلاف لهم قلدوهم بدينهم ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفضوها وأنكروها وجحدوها، احتراء منهم على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين». ثم ذكر رحمه الله أصولًا من أصول المبتدعة، وأشار إلى بطلانها، ثم قال: «فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟». «قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ما روى الصحابة وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل». ثم أثنى عليه بما أظهر الله على يديه من الحق، وذكر ثبوته الصفات ومسائل في القدر والشفاعة وبعض السمعيات، وقرر ذلك بالأدلة النقلية والعقلية. آخر ما رجع إليه أبو الحسن الأشعري رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة كما هو واضح، وقرر ذلك في كتاب «الإبانة»، وهو من آخر كتبه، كما قرر ذلك أصحابه منهم الإمام ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري». قال رحمه الله تعالى: «والمتأخرون الذين ينتسبون إليه أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت: حي عليم قدير، والكلام له إرادة، وكذلك السمع والبصر». قال: «على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها، وأيضًا منهم من يثبت هذه الصفات ويزيد عليها صفة ثامنة، ومنهم من يوصلها إلى خمسة عشر صفة، ومنهم من يوصل إلى عشرين صفة، وهم في ذلك مختلفون ومضطربون». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها». معنى هذا أن أهل السنة والجماعة يثبتون على قاعدتهم يثبتون الله عز وجل من أسماء وصفات بما أثبته الله عز وجل لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. أما هؤلاء فإنهم أثبتوا هذه الصفات بالعقل، واستأنسوا بالنقل، فدليلهم على إثبات هذه الصفات العقل، واستأنسوا بماذا؟ بالنقل، فإثباتهم بالصفات إنما هو بدليل ماذا؟ بدليل العقل. والنقل إنما يستأنس به، أي إن كان موجودًا فبه ونعمة، وإن لم يوجد فالأمر في ذلك ماذا؟ فالأمر في ذلك سهل، ما دام قد ثبت أو أثبته العقل، أثبت العقل هذه الصفات، فإنها تثبت، والنقل إن أثبتها فيستأنس به، وإلا فالعبرة بماذا؟ بالعقل. بخلاف طريقة أهل السنة والجماعة، فإن المعول عليه في هذا الباب هو النقل، فما ثبت لله عز وجل في الكتاب والسنة أثبت، وما لم يثبت لا يثبت. قال رحمه الله تعالى: «لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما قيل في شأن الأشعرية، قال: ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية». «وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة». ووضح هذا: كأن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: إن الانتساب إلى الأشعري باعتبار ماذا؟ باعتبار مراحله، فمن انتسب إليه باعتبار المرحلة الأولى يكون ماذا؟ يكون معتزليًا، ولا أحد ينتسب إليه باعتبار المرحلة الأولى، ولكن ينتسبون إليه باعتبار ماذا؟ باعتبار المرحلة الثانية، فهو أشعري كلابي، أشعري ماذا؟ كلابي. وأما من انتسب إليه باعتبار مرحلة ثالثة، وهي مرحلة اعتناق مذهب السلف، فهو من ماذا؟ فهو من مذهب أهل السنة والجماعة، ومن أهل السنة والجماعة، وإن انتسب إلى أبي الحسن الأشعري. وقال قبل ذلك: «وأما الأشعرية فعكس هؤلاء، وقولهم يستلزم التعطيل»، الأشعري الذين يقولون بمذهب الأشعري الذي هو مذهب المعروف باعتبار المرحلة الثانية. قالوا: «وأما الأشعرية فعكس هؤلاء، وقولهم يستلزم التعطيل، وأنه لا داخل العالم -أي الله سبحانه وتعالى- وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وكلامه معنى واحد، ومعنى آية الكرسي وآية الدين، والتوراة والإنجيل واحد، وهذا معلوم فساده بالضرورة». هذا إشارة إلى بعض بدع الأشعرية، وإشارة إلى بعض مخالفات الأشعرية، فالأشعرية في علو الله عز وجل يقولون في حق الله عز وجل: «لا هو داخل العالم ولا هو خارجه»، وهذا ماذا؟ هذا جمع بين ماذا؟ بين النقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معًا، فدل على فساد قولهم ضرورة. وأيضًا يقولون في كلام الله عز وجل: «معنى واحد»، يقولون: كلام الله عز وجل كله معنى واحد، ولكن ما في القرآن عبارة عن كلام، والتوراة عبارة عن كلام، وهكذا الإنجيل عبارة عن كلام الله عز وجل الذي هو في الحقيقة كلام واحد لا يتجزأ ولا يتبعض. ولازم قولهم: أن يكون قول الله عز وجل «وهو الغفور الرحيم» هو قوله سبحانه «وهو شديد العقاب» إلى غير ذلك من المعاني، وهذا باطل كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: بين بطلانه. ولعلنا بإذن الله عز وجل نتكلم بأوسع من هذا في شرح «الواسطية» بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «وقال تلميذه ابن القيم في النونية، من شرح الهراس: واعلم بأن طريقهم عكس الطريق المستقيم لمن له عينان». إلى أن قال: «فاعجب لعميان البصائر أبصر كون المقلد صاحب البرهان، ورأوه بالتقليد أولى من سواه بغير ما بصر ولا برهان، وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا معناهما، عجبًا لذي الحرمان». هذا من ابن القيم رحمه الله تعالى، لا يبين حرمان هؤلاء، وأن هؤلاء حجتهم ضائعة، وقولهم باطل. «فاعجب لعميان البصائر أبصروا» -أي كيف يبصرون وهم عميان البصائر- أي عميان القلب- «كون المقلد صاحب البرهان»، أي قالوا لهذا المقلد الذي يقلد غيره: هذا هو الإمام، وهذا هو صاحب البراهين والحجج. قال: «ورأوه بالتقليد أولى من سواه بغير ما حجة ولا دليل»، وإنما هو ماذا؟ وإنما هو الدعاوى، وإنما هي الدعاوى. قال: «وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا الوحيين»، كتاب الله وسنة رسوله، «عموا» جعلوها ماذا؟ لا يفهموا معانيها، لماذا؟ لما حصل منهم من البعد، ولما وقع منهم من الأسس الباطلة التي كانت حائلًا بينهم وبين الوصول إلى الحق. قال: «إذ لم يفهموا معناهما، عجبًا لذي الحرمان»، أي الذين حرموا معرفة معاني الوحيين، وتلذذوا بمعرفة هذه المعاني، وقاموا بمقتضى تلك المعاني من الأعمال. نكتفي بهذا القدر، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.