الدرس في شرح العقيدة الواسطية 62، ألقاها
يتناول المقطع الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في أصل الإيمان بالأسماء والصفات، ويذكر الجهمية والمعتزلة كأشهر هذه الفرق. الجهمية تنفون جميع الأسماء والصفات عن الله.
المعتزلة ينفون الصفات الإلهية ويزعمون إثبات الأسماء والأحكام دون الصفات، مما يؤدي إلى تناقضات في معتقداتهم. يقدمون العقل على النقل في تفسيرهم للدين.
يوضح المقطع الفرق بين الأشاعرة وأهل السنة في إثبات الصفات الإلهية، حيث يعتمد الأشاعرة على العقل بينما يعتمد أهل السنة على الكتاب والسنة في إثبات الصفات.
يتضمن المقطع ذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه، حيث يعترف العبد بذنبه ويطلب المغفرة ويقر بتوحيد الله تعالى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والسلام تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: والمخالف في هذا الأصل صريقان، أي: باعتبار الجملة، فالمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذا الأصل صريقان، وذلك لأن كل الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة فهي مخالفة لهم في هذا الأصل، ما من فرق الضلال إلا وهي تخالف أهل السنة والجماعة في هذا الأصل، ولكنهم في هذه المخالفة متفاوتون، منهم من يخالف أهل السنة والجماعة ويخالفوا الحق مخالفة تامة، ومنهم من يخالفه دون ذلك، ومنهم من يخالفه دون ذلك، فهم على طبقات أو قل على دركات في مخالفة الحق والبعد عن الحق. والشيخ رحمه الله تعالى ذكر هاهنا أشهر الطوائف المخالفة لها الحق في هذه المسألة، فذكر أولًا الجهمية، فقال رحمه الله تعالى: أولًا الجهمية ينفون الأسماء والصفات جميعًا. الجهمية، كما مر معنا مرارًا، هم أتباع الجهم، أتباع الجهم بن صفوان، وكما مر معنا أيضًا أن الجهم بن صفوان إنما أخذ هذه الفكرة وهذه النحلة عن الجعد بن درهم، فالجعد بن درهم هو المؤسس الحقيقي لهذه الفرقة، ولكنها عرفت بالجهم بن صفوان؛ لأن الجعد بن درهم لم يكن له أتباع، لم يكن له أتباع، بخلاف الجهم، أخذها ونشرها وبثها، وصار له أتباع يقولون بقوله ويسيرون بسيره، لذا نسبت هذه الفرقة إليه. والجهمية قد نص أئمة السنة والسلف على تكفيرها؛ على تكفيرها لأمور كثيرة، من هذه الأمور هذا الأمر، وهو أنها نفت جميع الأسماء والصفات. ومعنى هذا أنهم لا يثبتون ربًا يعبدونه، أو لأن ما لم يكن متصفًا بصفة فهو في الحقيقة لا وجود له، من لم يكن متصفًا بصفة فهو في الحقيقة لا وجود له. لذا قال من قال من الأئمة رحمهم الله تعالى: الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، والمعطل يعبد عدمًا. فهؤلاء الجهمية في حقيقة أمرهم إنما يعبدون عدمًا، لا شيء؛ لأن من لم يكن متصفًا بصفة فهو في الحقيقة عدم، وما كان عدمًا فهو ماذا؟ عدم. إذن الجهمية لا يعرفون ربهم جل وعلا. لذا يذكر أن طائفة يقال لها السمنية ناظرت الجهم بن صفوان في بعض هذه المسائل، فقالت له: صف لنا ربك، فاحتار الخبيث، فما استطاع الجواب. لذا ترك الصلاة أربعين يومًا، وهو شاك في ربه جل وعلا، وهو شاك في ربه عز وجل، هل هو موجود أم ليس بموجود؟ وهل هو حقيقة أو ليس بحقيقة؟ فالحاصل أن الجهمية من أشهر فرق الضلال في هذه الأمة، وقد اختلف السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله في عد هذه الفرقة من فرق الإسلام الضالة، بمعنى: هل الجهمية من اثنتين وسبعين الفرقة الضالة أم لا؟ فذهب بعض الأئمة رحمهم الله تعالى، كعبد الله بن المبارك، وكذا عبد الله بن إدريس، وهم من الأئمة المشهورين رحمهم الله تعالى، ذهبوا إلى أن هؤلاء ليسوا من فرق الضلال، قالوا: ليسوا من مسلمين، ولا يهود، ولا نصارى، فليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة، ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة. وهذا مبنى على مسألة أخرى، ليس هذا محلها، وهي: هل الاثنتان والسبعون فرقة خارجون عن الإسلام أم أنهم من أهل الإسلام ولكنهم بعيدون وضالون؟ والصحيح: الثاني. فعلى من قال: إن الفرقة الضالة ما زالت تحت إطار الإسلام، ولكنها متوعدة بوعيد شديد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلها في النار إلا واحدة»، قالوا: فالمراد بها أن هؤلاء متوعدون بهذا الشر، وإن كانوا من أهل الإسلام. قالوا: الجهمية ليست من أهل الإسلام، إذن لا تدخل في هذه الاثنتين وسبعين فرقة. ومنهم من أدخلها، ومنهم من أدخل الرافضة. وإلا فابن المبارك، وكذا عبد الله بن إدريس، وطائفة من السلف رحمه الله، قالوا: الرافضة والجهمية ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة؛ لأنهم كفار. قال رحمه الله أو تعالى: الطائفة الثانية المعتزلة. والمعتزلة، كذلك كما مر معنا مرارًا، مؤسس مذهبهم هو واصل بن عطاء، هو واصل بن عطاء الغزاز. وكان سبب ذلك أنه كان في حلقة الحسن البصري الإمام الشهير رحمه الله، فجاء وسأل، فسأل الحسن البصري عن أصحاب الكبيرة: هل هم مؤمنون أم هم كافرون؟ هل يقال: بأنهم مؤمنون، أو يقال: ليسوا بمؤمنين؟ فإن برى لهذا الجواب، واصل بن عطاء، وهو في حلقة الحسن، فقال: ليسوا بمؤمنين، ولو كفارًا، قال: فأين هم؟ قال: بمنزلة بين منزلتين، بمنزلة بين منزلتين. ثم بعد ذلك خرج من حلقة الحسن، وتبعه عمرو بن عبيد، ثم تبعه من تبعه، وتكونت فرقة المعتزلة، فسموا معتزلة؛ لأنهم اعتزلوا حلقة الحسن البصري رحمه الله ورضي الله عنه. هؤلاء المعتزلة، قال: فإنهم ينفون جميع الصفات، ويثبتون الأسماء والأحكام، فيقولون: عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وحي بلا حياة، إلى آخر هذا المعتقد. قال: وهذا القول في غاية الفساد؛ فإن إثبات موصوف بلا صفة، وإثبات حكم بلا علة، محال في العقل، كما هو باطل في الشرع. يعني أن هؤلاء المعتزلة في هذا الباب، كما ذكر رحمه الله تعالى، ينفون جميع الصفات، فالمعتزلة ينفون عن الله جل وعلا جميع الصفات، ويثبتون الله عز وجل الأسماء، ولكن هذه الأسماء جامدة، لا معاني لها، فيقولون: أسماء الله جل وعلا أعلام محضة، أعلام محضة. ومعنى أعلام محضة: أي أنها لا معاني لها، لا معاني لها، فهي أسماء جوفاء لا معاني لها. ومعنى هذا في الحقيقة أنهم لا يثبتون لله عز وجل الأسماء الحسنى في الحقيقة؛ لأن أسماء الله جل وعلا إنما كانت حسنة لما تضمنته من المعاني، فإذا لم تكن لها معان، فكيف تكون حسنة؟ بل كيف يستطاع أن يفرق بين الاسم والاسم إذا لم يكن له معنى؟ كيف يفرق بين العزيز وبين الرحيم، وبين الغفور وبين الجبار، وبين المنتقم وبين الرؤوف، إلى غير ذلك من الأسماء؟ كيف يفرق بينها وهو لا معاني لها؟ فهذه من ضلالات المعتزلة، ومن بدع المعتزلة، فهم يثبتون لله عز وجل أسماء، ولكنها أسماء -كما سمعتم- بلا معان، أسماء بلا معان. قالوا: الأحكام، فيثبتون لله عز وجل الأحكام، مثلًا المخلوقات هذه خلقها الله عز وجل، يثبتون هذا طبعًا، خلافًا لماذا؟ لأفعال العباد، فإنها مسألة أخرى من بدع المعتزلة. لكن المعتزلة، مثلًا إذا سئلوا: من الذي خلقهم؟ لا يقولون: ماذا؟ الله عز وجل هو الخالق سبحانه وتعالى، يقال لهم: إذا تثبتون صفة الخلق لله جل وعلا، وأن الله عز وجل يخلق، فيقول: لا، لا نثبت لله عز وجل صفة الخلق، ولا نثبت لله عز وجل أنه ماذا؟ أنه يخلق. فماذا إذن يقولون؟ هو خالق بلا خلق، أي: بلا فعل للخلق، أو بلا صفة هي الخلق. إذن أثبتوا ماذا؟ أثبتوا الاسم، وأثبتوا ماذا؟ الحكم، واضح. أما الصفة، فما أثبتوها، أما الصفة، فما أثبتوها، واضح. قد يقول قائل: لماذا لا يثبتونها يا جماعة؟ أو لماذا لا تثبتونها أيها المعتزلة؟ فالجواب ماذا؟ أنهم بنوا دينهم على عقول فلسفية فاسدة، بنوا دينهم واستقوا العقليات من عقول الفلاسفة الفاسدة البعيدة عن دين الله عز وجل وشرعه. فلما استقوا وامتلأت عقولهم وقلوبهم من هذه العقليات الفاسدة، نظروا إلى النقل، نظروا إلى النقل، فرأوا أن العقل يناقض النقل ويأبى النقل، فماذا يقدمون؟ قدموا العقل على النقل، ولو كانوا مسلمين حقًا كاملين الإسلام لما فعلوا ذلك. لو عجزوا عن شيء بعقولهم، لكان حقًا على المؤمن أن يسلم لإخبارات الله جل وعلا وإخبارات رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن يعلم منها شيئًا. إذا عجز العقل عن أن يتصور شيئًا، أو قال: إن العقل يناقضه ويخالفه، فإن الواجب على المسلم الحق أن يقدم ماذا؟ أن يقدم الحق الذي هو ماذا؟ كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على كل عقل وعلى كل رأي. ولكن هؤلاء -كما سمعتم- لما امتلأت عقولهم من هذا الشيء، صاروا يناقضون النقل بالعقل، ويقدمون العقل على النقل، فامتنعوا من إثبات الصفات لله عز وجل بناء على ماذا؟ على قاعدة: ما هي هذه القاعدة؟ القاعدة هي: لو أثبتنا لله عز وجل الصفات، فإن الصفات حادثة، مقدمة، وكل حادث فهو ماذا؟ فهو مخلوق. صفة، أو مقدمة ثانية: النتيجة ما هي؟ لو كانت الصفات مخلوقة، واضحة. وإذا قلنا: إن الصفات مخلوقة، وقلنا: إن الله عز وجل متصف بهذه الصفات، لازم أن يكون المتصف بالمخلوق مخلوق، واضحة، لا، لازم أن يكون المتصف بالمخلوق مخلوق، وهذا ممتنع في حق الله جل وعلا، وهذا ممتنع في حق الله جل وعلا. إذن ماذا قالوا؟ إذن لا نثبت لله عز وجل الصفات؛ لكون الباطن من ثبوتها، واضح. وهذه عقول باطلة فاسدة، كما مر معنا: كل قولهم: الصفات حادثة، لا يسلم أن الصفات حادثة، لا يسلم بأن الصفات -صفات الله عز وجل- حادثة، بل صفات الله عز وجل أزلية بأزلية سبحانه وتعالى. صفات الله جل وعلا -باعتبار اتصاف الله عز وجل بها- أزلية، بأزليته، لم تحدث بعد أن لم تكن، بين الله جل وعلا متصف بصفاته أزلًا وأبدًا، واضح. انتهت شبهة، انتهت الشبه؛ لأن الصفة تابعة لماذا؟ تابعة الموصوف، أزلية بأزليته، وأبدية بأبديته، أزلية بأزليته وأبدية بأبديته. فالحاصل من هذا -كما تقدم- أن هؤلاء امتنعوا من إثبات ما أثبت الله عز وجل نفسه، ورسوله صلى الله عليه وسلم لربه؛ لأجل هذه المعاني الفاسدة. قال: أما الأشاعرة ومن تبعهم، فإنهم يوافقون أهل السنة في إثبات سبع صفات، يسمونها صفات المعاني، ويدعون ثبوتها بالعقل، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. ولكنهم وافقوا المعتزلة في نفي ما عدا هذه السبع من الصفات الخبرية التي صح بها الخبر. والكل محجوجون بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقرون المفضلة على الإثبات العام. قوله: أما الأشاعرة، فهم أتباع أبي الحسن الأشعري. وقوله: ومن تبعهم، أي: ممن تبعهم من الفرق، سواء كان الماتريدية أو من كان على شاكلتهم ممن يقول بقول هؤلاء. قال: فإنهم يوافقون أهل السنة في إثبات سبع صفات، يسمونها صفات المعاني، ويدعون ثبوتها بالعقل. هاهنا سؤال: هل إثبات الأشاعرة لهذه الصفات كإثبات أهل السنة والجماعة؟ الجواب: لا. وذلك من وجهة: من حيث المعنى، ومن حيث الثبوت، من حيث المعنى ومن حيث الثبوت. أما من حيث المعنى، فإن الأشاعرة يثبتون هذه الصفات السبع -ليس كإثبات أهل السنة والجماعة لهذه الصفات السبع- أما من حيث المعاني، فمثلًا خذ صفة، مثلًا: السمع، أو البصر، أو الإرادة، أو ما شابه ذلك. نعطي مثلًا صفة الإرادة، صفة الإرادة مثال لهذه الصفات. الإرادة عند الأشاعرة أزلية، أزلية، وأنها لا تتجدد، واضح. وعند أهل السنة والجماعة، صفة الإرادة: أزلية باعتبار نوعها، وحادثة باعتبار ماذا؟ باعتبار أفرادها، واضح. لذا مر معنا مرارًا أن قول الأشاعرة: أن صفة الإرادة أزلية، يلزم من ذلك تخلف المرادات عن الإرادة، واضح. لماذا؟ لأن الإرادة إذا كانت أزلية، وجب أن تكون جميع المرادات وجدت جملة واحدة أزلًا، واضح. والواقع على خلاف ذلك، بل الواقع يدل على أن الأشياء والأمور تحدث شيئًا فشيئًا، تحدث شيئًا فشيئًا، وهذا يدل على ماذا؟ على أن هذه المرادات ما زالت ماذا؟ تحدث. وقولهم: أن الإرادة أزلية، فيلزم من ذلك ماذا؟ تخلف المرادات عن ماذا؟ عن الإرادة. وأهل السنة والجماعة ماذا يقولون في هذه الصفة؟ يقولونها باعتبار نوعها: ماذا؟ أزلية، وباعتبار أفرادها: حادثة. «إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون»، واضح. إذن هل إثباتهم لهذه الصفات كإثبات أهل السنة والجماعة من حيث المعنى؟ الجواب: لا. طيب، ننتقل إلى أمر آخر، وهو المعنى الثاني، قلنا: من حيث الثبوت، أيضًا لا يثبتونها كإثبات أهل السنة والجماعة. لماذا؟ لأن قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أن باب الأسماء والصفات توقيفي، معتمد على ماذا؟ على الكتاب والسنة، معتمد على الكتاب أو معتمد على الكتاب والسنة. أما الأشاعرة، فطريقة إثباتهم لهذه الصفات: العقل، الأشاعرة طريقة إثباتهم لهذه الصفات: العقل، يقولون: إن العقل أثبتها، والعقل دل عليها. لكن هل النقل استدل به كجليل؟ يحتجون به؟ أم استدل به استئناسًا؟ الجواب ماذا؟ استدل به استئناسًا فقط. وأما الجليل الذي به أثبت هذه الصفات ماذا؟ العقل، واضح. وأما النقل، فاستئناسًا، بمعنى: جاء النقل يوافق، فإن لم يوافق النقل، فالأمر سهل، ما دام قد ثبت بماذا؟ بالعقل. أما أهل الحق، وأهل السنة والجماعة، فكما سمعتم: طريقة إثباتهم من هذه الصفات: ما هي؟ الكتاب والسنة، ما ثبت في الكتاب والسنة أثبتناه، أدركه العقل أو لم يدركه العقل. لماذا؟ لأن الأصل هو ماذا؟ والحق هو: كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذن من حيث الثبوت، أيضًا طريقة أهل السنة والجماعة مخالفة، أو قل: طريقة الأشاعرة مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة؛ لأنهم في إثباتهم هذه الصفات يعتمدون على ماذا؟ على العقل، والنقل تابع له. وأما أهل السنة والجماعة، فيعتمدون على ماذا؟ على النقل، في إثبات ما أثبت الله جل وعلا لنفسه. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.