الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 43، ألقاها
يشرح الإمام الطحاوي أفعال الله بين الفضل والعدل ويرد على المعتزلة الذين يوجبون على الله فعل الأصلح للعباد. يُبين اختلاف الآراء بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة والجبرية في التحسين والتقبيح العقليين.
يناقش آراء الجبرية والمعتزلة وأهل السنة والجماعة حول الهدى والضلال ووجوب فعل الأصلح للعبد على الله. يُبين رفض أهل السنة لفكرة وجوب فعل الأصلح على الله وتأكيدهم أن الله يفعل ما يوافق حكمته.
يرد على المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد باستخدام الآيات القرآنية، ويشرح الإيمان بقضاء الله وإرادته. يُوضح أن أفعال العباد مخلوقة لله وأن الهداية والضلال بيد الله وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتل عدلا». قول إمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتل عدلا»، فيه إشارة إلى أن أفعال الله جل وعلى دائرة بين الفضل والعدل. فيه إشارة أو قل تصريح من الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى بأن أفعال الله جل وعلى دائرة بين الفضل وبين العدل. فمن هداه الله جل وعلى ووفقه لطريق الخير، فهو من فضل الله جل وعلى وإحسانه وعظيم كرم الله جل وعلى على ذلك العبد، فهو فضل محض من الله رب العالمين، ليس بحول ذلك العبد ولا بقوته، وإنما هو محض فضل الله جل وعلى على من يشاء من عباده. ومن حرمه الله جل وعلى هذا الفضل، فخذلهم ووكله إلى نفسه، وجعله يتخبط في الضلالات والظلمات، إنما هو عدل من الله رب العالمين. والله جل وعلى لا يفعل شيئا إلا لحكمة، فهو سبحانه وتعالى حكيم، يضع الأشياء في مواضعها المناسبة، علما من يستحق الهداية فهداه، ومن يستحق الضلالة فأضله. وربك حكيم عليم سبحانه وتعالى. قال الشارح رحمه الله: «قال هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله»، وهي مسألة الهدى والضلالة. قالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال تسمية العبد ضالا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. قال: وهذا مبني على أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم. هذا شروع في مسألة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم، ولسيما من القدرية. والقدرية في باب أفعال الله جل وعلا مشبهة بمعنى أنهم يقولون أو يقيسون أفعال الله جل وعلا على أفعال العباد، فما كان حسنا من أفعال العباد فيجب أن يكون فعل الله جل وعلا ذلك أو كذلك، وإلا كان قبيحا. فهم يقولون في أفعال الله جل وعلا كذلك، أي مسألة القياس في أفعال الله جل وعلا على أفعال العبد، لذا يوجبون على الله جل وعلا أن يفعل الأفضل وأن يفعل الأصلح وأن يفعل الأكمل في عبده. فإن لم يكن فعل ذلك، فإنه ظالم لعبده، بمعنى يقول هؤلاء القدرية في حق الله جل وعلا: إذا كان للعبد مصلحتين أحدهما أفضل من الأخرى، فيجب على الله جل وعلا أن يفعل الأفضل في العبد. ومعنى هذا أن العباد يجب على الله جل وعلا أن يفعل فيهم الأفضل. وإذا كان كذلك، فهذا معناه أنه يجب على الله جل وعلا أن يجعل جميع العباد كمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لأنه الأفضل ولأنه الأصلح لهؤلاء العباد. إن لم يكن كذلك، فإنه يلزم من ذلك أن يكون الرب جل وعلا ظالما لهم. كذلك إذا كان العبد فعله بين فعلين، كما سمعتم، فيجب على الله جل وعلا أن يختار له وأن يفعل فيه الأصلح. ومعنى الصلاح يعلم بعرفة معنى الصلاح، فما معنى الصلاح؟ معنى الصلاح هو ضد الفساد، وكل ما عري عن الفساد فهو صلاح. قالوا: وهو الفعل المتوجه إلى الخير، الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم وبقاء النوع في العاجلة، والمؤدي إلى السعادة السرمدية في الآخرة. قالوا: وأما الأصلح، فهو ما إذا كان هناك صلاحان وخيران، وكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق، فإنه يكون الأصلح. فنرجع إلى مسألتنا، قال الشارح رحمه الله: «هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعباد على الله»، لماذا؟ لأن هذه المسألة فرع عن مسألة التحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة والقدرية. والناس في مسألة التحسين والتقبيح على طرفين ووسط، الطرف الأول القدرية المعتزلة، الذين يقولون بمسألة التحسين والتقبيح العقليين، بمعنى أن ما كان حسنا عقلا، فيجب على الله فعله، وما كان قبيحا عقلا، فإنه يجب على الله جل وعلا تركه. والحسن والقبح كما سمعتم يرجع إلى العقل عند هؤلاء القدرية. وعند الطرف الثاني الجبرية، والجبرية متمثل بالجهمية، وكذلك بالأشاعرة، فالأشاعرة جبرية في باب القضاء والقدر، وإن أتوا بمسألة الكسب، فحقيقة مسألة الكسب ومآل مسألة الكسب إلى القول بالجبر. هؤلاء يقولون: ليس ثم تحسين وتقبيح عقلي، وإنما التحسين والتقبيح شرعي محض. ما معنى شرعي محض؟ معنى هذا أن العقل لا يدرك الأشياء ولا يميز بين الأشياء قبل ورود الشرع، فالشرع أو قبل ورود الشرع لا يميز بين الحسن والقبيح ولا النافع والضار، بل بعد ورود الشرع يتميز عندهم الحسن من القبيح والنافع من الضار. يعني مثال ذلك: إذا قيل للجبرية قبل ورود الشرع: الكفر بالله جل وعلا قبيح أو حسن؟ يقولون: الله أعلم، ما عندنا شيء حتى نقول قبيح أو حسن قبل ورود الشرع. واضح. أما المعتزلة، فعندهم قبل الورود وبعد الورود سواء، أنه قبيح قبيح. فإذا كان قبيحا، يجب على الله عز وجل أن ينهى عنه، وأن يعاقب من فعله. وإذا كان حسنا، يجب على الله أن يفعل ذلك الحسن. وعند أهل السنة والجماعة: أن ثم حكما أن هناك حسنا، وأن الحسن والقبح منه ما يدرك بالعقل، ومنه ما يدرك بالشرع. منه ما يدرك بالعقل، ومنه ما يدرك بالشرع. ومنه ما يستحقه من أو من فعل بالحسن أو القبح، إنما يدرك بالشرع. بمعنى أن من امتثل أمر الله، فليجب على الله جل وعلا أن يفعل عليه كذا وكذا، بعقاب أو بتواب معين. هذا مآل إلى الله، ولكن بالجملة يعلم أن الله جل وعلا سيثيبه، لكن كيف سيثيبه؟ على أي وصف، هذا موقوف على الشرع. إذا جاء الشرع، فقال مثلا: أن الله جل وعلا جعل لأهل الصيام بابا يدخلونه من الجنة، يقال له: الريان. الآن جاء الشرع ببيان نوع الثواب المعين. إذن هل هذا متوقف على الشرع؟ أو متوقف على العقل؟ على الشرع. مع أن الشرع يدرك، أو مع أن العقل يدرك إدراكا مجملا كليا: بأن من فعل الطاعة، فإن الله جل وعلا يثيبه، ومن فعل المعصية، فإن الله جل وعلا يستحق العقوبة. ولكن هل من فعل الطاعة يجب على الله أن يثيبه؟ كما تقول المعتزلة؟ الجواب: لا، وإنما هو من باب الفضل. وهل من فعل المعصية يقال: بأن الله جل وعلا فعل به هذه المعصية فضلا منه؟ أو عذبه الله جل وعلا على معصيته؟ فضلا منه؟ أو يقال: بعدله سبحانه وتعالى؟ يقال: بعدله، خلافا لمن؟ خلافا للجبرية. فالجبرية يقولون: لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضه، وعذب الأنبياء والرسل، وأدخل إبليس وهامان وفرعون الجنة، وأدخل محمدا ومن معه النار، كان هذا حسنا، وكان هذا فضلا من الله. واضح. لا، أهل السنة والجماعة يقولون: هذا الفعل ليس بحسن، هذا الفعل من حيثه ليس بحسن، بل قد جاء الشرع ببيان أن هذا الفعل قبيح، أن هذا الفعل ليس بحسن. واضح. فالله جل وعلا قد أخبر بعدله سبحانه وتعالى، وأنه لا يظلم الناس شيئا، وأنه سبحانه وتعالى حكم عدل. فأهل طاعته يدخلهم الجنات ويكرمهم فضلا منه، وأهل المعاصي وأهل الفجور والكفر، دل الدليل الشرعي، كما دل الدليل العقلي: أنهم يدخلون النار، والعياذ بالله جل وعلا، من باب العدل. فإذا مسألة التحسين والتقبيح فرعت مسائل من هذه المسألة، مسائل الصلاح والأصلح. وهذه مسألة أيضا بين المعتزلة أنفسهم: هل يجب على الله جل وعلا أن يفعل الصلاح في العبد، أو أن يفعل الأصلح؟ واضح. الصلاح بمعنى أن العبد بين الخير والشر، الصلاح خير، هل يجب على الله أن يفعل فيه الصلاح؟ أم أن الله جل وعلا يجب عليه أن يفعل الأصلح؟ ليس الصلاح فقط، بل الأصلح الذي عليه أو المشهور عن القدرية: بأنهم يوجبون على الله جل وعلا أن يفعل أصلح في العبد، فإن لم يكن كذلك، فإنه يكون ظالما لهم. وأهل السنة والجماعة يقولون: هذا الكلام ليس بصواب، بل الله جل وعلا يهدي من يشاء بفضله، فضلا منه، ويضل من يشاء بعدله منه سبحانه وتعالى. ولا يجب أن يكون الصلاح عائدا على العبد، بل الأمر كله عائد إلى حكمة الله جل وعلا وفضل الله جل وعلا. والله جل وعلا هو سبحانه وتعالى في نفسه لا يفعل إلا الأكمل والأعظم والأجل الموافق لحكمته سبحانه وتعالى العظيمة الجليلة. ففرق بين أن يقال: بأن الله جل وعلا يجب عليه أن يفعل في عبد الأصلح، وبين أن يقال: بأن أفعال الله جل وعلا سبحانه وتعالى تدل على أن الله جل وعلا يفعل ما هو الأكمل في نفسه، ما هو الأكمل في حق الله جل وعلا. فالله جل وعلا لا يفعل إلا لحكمة عظيمة جليلة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. ومن هذه الحكمة خلق الكفر والإيمان، وأهل الكفر وأهل الإيمان، أي خلق ضدين: المؤمن والكافر، والبر والفاجر، لتظهر آثار أسماء الله جل وعلا الحسنى. تظهر آثار أسماء الإحسان من الرحمة والمغفرة واللطف والرأفة إلى غير ذلك، وتظهر كذلك آثار أسماء العقوبة أو الدال على العقوبة، مثل: شديد العقاب، والجبار، والمنتقم، والعزيز، إلى غير ذلك من معاني الأسماء التي تدل على هذا المعنى. فإذن ربنا جل وعلا في نفسه يفعل سبحانه وتعالى ما هو كمال مطلق في نفسه، يفعل ما هو كمال مطلق. وفي عبده يفعل ما يوافق حكمته سبحانه وتعالى، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بحكمته سبحانه وتعالى التي أذهلت عقول العقلاء أن يدركوا أو أن يحيطوا بهذه الحكمة العظيمة التي تصدر عنه سبحانه وتعالى، الصادر عن كمال فعله سبحانه وتعالى، عن كمال عظمته، عن كمال أسمائه وصفاته. فإذا قول الشارح رحمه الله: «هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله»، قال: «وهي مسألة الهدى والضلال». مسألة الهدى والضلال معنى: هل الله جل وعلا يهدي له قدرة على الهداية؟ وهل الله جل وعلا له قدرة على الإضلال؟ وما معنى الهداية؟ وما معنى الإضلال؟ فقالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب. واضح. قال: الهدى من الله بيان طريق الصواب، أي هذا هو معنى الهدى فقط، ليس معنى للهدى إلا هذا المعنى. طيب هذا المعنى أهل السنة والجماعة يقولون: هذا من معاني الهدى أو من معاني الهداية، هذا من معاني الهداية. لأن أهل السنة والجماعة يقولون: الهداية إجمالا على قسمين: هداية إرشاد وبيان، وهو هذا الذي عبروا عنها ببيان طريق الصواب، وهداية إلهام وتوفيق. المعتزلة أثبتوا الأول ونفوا الثاني. لماذا؟ لأنهم يقولون: بأن العباد هم الذين يفعلون أو يخلقون أفعالا بأنفسهم، وليس لله جل وعلا قدرة على العبد في فعل شيء أو ترك شيء. لذا لما قيل لهم: الله جل وعلا يقول: ﴿إهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والعبد يطلب من الله جل وعلا الهداية، يقولون: معناه بيان الطريق الصواب، الهداية معناها بيان الطريق الصواب فحسب. أما أن الله جل وعلا يهدي، أي يخلق الهداية ويعين العبد على الهداية، فهذا ليس داخلاً في قدرة الله جل وعلا. لأن أفعال العباد إنما هي مخلوقة لمن؟ للعباد. كذلك الضلال ليس هذا في حق الله جل وعلا، وإنما العباد هم الذين يفعلون أفعالهم بما لب أنفسهم. إذ لو قلنا: بأن الله جل وعلا يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فإن هذا ينافي ما تقدم تقريره وطأصيله، ما هو؟ أنه يجب على الله أن يفعل الأصلح. واضح. إذا قلنا: بأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، أن يجب عليه أن يجعل الناس كلهم مهتدين. لماذا؟ لأنه يجب على الله أن يفعل الأصلح، ولو لم يفعل الأصلح لكان ظالما لهم. إذن ماذا يا جماعة؟ هم بين أمرين: بين أن يقول: بأن الهداية هداية الله جل وعلا للعباد ممكنة بل واقعة، وبين أن يقول: أن الله يضل من يشاء، وبين أن ينفو ذلك. إذا قالوا: بأننا إذا أثبتنا هذا الأمر، يقول: يلزم منه الظلم. إذا أثبتوا لله الهداية أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء على معتقد القدرية، يقول: يسترزم منه الظلم. لماذا يسترزم منه الظلم؟ يقول: لأن الله جل وعلا لم يفعل في العبد الأصلح، فهدى فلانا وأضل فلانا، الضال هذا ما فعل فيه الأصلح، بل فعل فيه الأقبح. واضح. وهذا من الظلم الذي يتنزه الله جل وعلا عنه. إذن الهداية والضلال ليست بيد الله جل وعلا، إنما هي بيد من؟ بيد العباد. فالعبد هو الذي يفعل الهداية ويخلق الهداية، أو يفعل الضلالة ويخلق الضلالة، فيستحق الثواب على الهداية، ويستحق العقاب على الضلالة. أما الله فليس له فعل في ذلك العبد. واضح. قال رحمه الله: «والضلالة تسمية العبد ضالا». أي وإن قيل لهم: ما معنى الإضلال؟ قالوا: الإضلال تسمية العبد ضالا، أي ليس معناه أن الله يفعل الإضلال في العبد فيجعل من يشاء ضالا، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فعند هؤلاء يقوم معنى: يضل من يشاء، يسميه ضالا. واضح. ما معنى يسميه ضالا؟ أي بعد أن يحصل منه الضلال يسمى ضالا. طيب قبل أن يحصل منه الضلال، وعندما حصل له الضلال، من الذي أضله؟ يقول: هو الذي خلق الضلال بنفسه، فاستحق أن يكون ضالا. قالوا: «وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه». واضح. ما معنى الضلال؟ قالوا: الضلال تسمية العبد ضالا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. قال: «وذلك مبني على أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم». واضح. ما هو الأصل الفاسد الذي بنوا عليه هذه المسألة؟ بنوا على أن أفعال العباد مخلوقة للعباد، ليست مخلوقة لله. إذ لو كانت مخلوقة لله، لوجب على الله أن يفعل الأصلح، وإلا كانت ظالما لهم. واضح. فقالوا: إذن أفعال العباد ليست مخلوقة لله جل وعلا، بل العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم، منهم من يفعل الطاعة، يخلقوا الطاعة في نفسه، فيستحقوا الثواب، بل يجب على الله أن يثيبه. ومنهم من يفعل المعصية، فيجب على الله أن يعاقبه. قال رحمه الله: «والدليل على ما قلناه»، أي على بطلان قول المعتزلة، وصحة قول أهل السنة والجماعة، قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. قال: «ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي»، لما صح هذا النفي عن نبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه صلى الله عليه وسلم بين الطريق لمن أحب وأبغض. واضح. وجه الشاهد أم لا؟ يعنيهم يقولون: معنى الهدى بيان طريق الصواب، ومن من البشر بيان طريق الصواب مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا يقول له ربه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، فهل معنى: إنك لا تهدي الصواب؟ إن قالوا هذا الكلام كفروا بالله العظيم. وإن قالوا: لا، نقول لهم: إذن الهداية لها معنى آخر، ما هو المعنى الآخر التي نفيتموه؟ وهو أن الله جل وعلا له القدرة على هداية من يشاء من خلقه، كما أنه يضل من يشاء من خلقه سبحانه وتعالى. هذا أمر، وأمر آخر: فإن الله جل وعلا قد أثبت الهداية للنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، صراط الله. وإنك لا تهدي إلى صراط مستقيم، أي تدل وتبين وترشد إلى صراط الله جل وعلا. وفي هذه الآية قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، إذن هنا هداية غير الهداية. واضح. هداية غير الهداية، هداية مثبتة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهي هداية البيان والإرشاد، وهداية منفية عن رسول صلى الله عليه وسلم، وهي هداية الإلهام والتوفيق، فهي مختصة بمن؟ بالله رب العالمين. قال رحمه الله: «وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾». قال: «ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس، لما صح التقييد بالمشيئة». بمعنى: إذا كان الهدى بمعنى بيان الطريق، لكان لكل الناس، لما احتاج الله جل وعلا أن يقول: لمن يشاء. قال رحمه الله: «وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾»، أي ولولا نعمة الهداية التي أنعم بها ربي جل وعلا علي، فجعلني من أهل الإيمان، لكنت من المحضرين، أي من المحضرين في النيران، وذلك بعد النظر بعد النظر في النار، كما يخبر الله جل وعلا في قصته في سورة الصافات. قال: «وقوله: ﴿مَن يَشَاءُ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَاءُ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾»، أيضا هذه كسابقتها: أن الله جل وعلا جعل الهداية لمن شاء، وجعل الضلالة لمن شاء. ولو كان معنى الهداية بيان الطريق، لكان لكل أحد، لا لمن شاء. قال رحمه الله تعالى: «قوله: وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله». قوله: «وكلهم يتقلبون في مشيئته»، أي المؤمن والكافر والبر والفاجر، يتقلبون في مشيئة الله جل وعلا، إذ لا أحد يخرج عن مشيئة الله رب العالمين، فالكل يتقلبون في مشيئة الله جل وعلا. ثم هم في هذه المشيئة بين الفضل والعدل، بين الفضل والعدل. من اجتباه ربه جل وعلا، من وفقه الله جل وعلا لهداية، وجعله من أهل الهداية، فهو بفضل الله رب العالمين وحده لا شريك له. ومن أضله الله جل وعلا، فجعله من أهل الكفر أو من أهل الغواية، فهو عدل من الله رب العالمين. إذن ما يكون في هذا الكون، فهو بمشيئة الله، وهم يتقلبون بين فضله وعدله. قال الشارح رحمه الله: «فإنهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾». الله جل وعلا قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، هو الذي خلقكم وخلقهم بمشيئته، ثم قال: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾، أي بمشيئة الله. فهم بمشيئة الله بين الفضل والعدل. قال رحمه الله: «فمن هداه إلى الإيمان فبفضله وله الحمد»، له الحمد على إنعامه، أن أنعم عليه وجعله من أهل الإيمان. وله الحمد سبحانه وتعالى كذلك على كماله الذي يستحق عليه الحمد. قال: «ومن أضله فبعدله وله الحمد كذلك». ومن أضله فبعدله، وله الحمد، أي لله جل وعلا الحمد، إذ أنه لا يفعل سبحانه وتعالى إلا لحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فأفعال الله سبحانه وتعالى صادرة عن علم وحكمة، تستحق الحمد. تستحق الحمد من العبد لربه جل وعلى، ليلا ونهارا، صرا وجهارا. يعلم أن الله جل وعلا إذا هدى فلانا، فهو بفضله. وإذا أضل فلانا، فهو بعدله، وهو المستحق للحمد على أفعاله الحميدة، من الفضل أو من العدل. قال رحمه الله: «وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى». فإن الشيخ رحمه الله لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل فرقه. قال: فأتيت به على تفريق. قال: «قوله: وهو متعال عن الأضداد والأنداد». قال الشارح: الضد المخالف، والند المثل. قال: فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: «ويشير الشيخ رحمه الله بنفي الضد والند إلى الرد على المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق فعله». واضح. قوله: «متعال عن الأضداد»، وعن الأضداد، وكما ذكر معنى الضد، أي المخالفين، لأن الكل داخلون تحت مشيئة الله جل وعلا، لا مخرج لهم، بل ولا ملجأ لهم إلا الله سبحانه وتعالى. والأنداد كذلك، كما ذكر ممن زعم أن لله جل وعلا ندا في خلقه، كما قالت المعتزلة: أن العباد يخلقون أفعالهم، فجعلوا العباد خالقين، كما أنهم جعلوا الله جل وعلا خالقا. وهذا من الشرك الذي وقعت فيه القدرية، لذا سموا مجوس هذه الأمة، بسبب مقالتهم البشعة هذه القبيحة. قال رحمه الله تعالى: «قوله: لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره». قال الشارح: أي لا يرد قضاء الله راد، لا يرد قضاء الله راد، ولا يعقب أي ولا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب. بل هو الله الواحد القهار، بمعنى أن الله جل وعلا إذا أراد شيئا، قال له: كن فيكون، فلا معقب لحكمه. فلا معقب لحكم الله جل وعلا، ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، فإله الأمر سبحانه وتعالى. إذا شاء الشيء، قال له: كن فيكون، فلا معقب لحكم الله جل وعلا، ولا رد لقضاء الله جل وعلا، إذا قضاه. فهو سبحانه وتعالى إذا شاء شيئا، كان كما أراد سبحانه وتعالى. قوله: «آمنا بذلك كله وأيقن أن كل من عنده». قال الشارح: أما الإيمان، فسأت الكلام عليه إن شاء الله تعالى، أي لفظ الإيمان سأت الكلام عليه. قال: والإيقان الاستقرار، من قرى الماء في الحوض إذا استقرى. قال: والتنوين في «كل» بدل الإضافة، أي كل كائن محدث من عند الله، أي قوله: «أيقن أن كل من عنده»، أي كل كائن محدث من عند الله، بمعنى أنه مخلوق بقضاء الله. قال: أي بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وتكوينه. قال: «وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى». والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. شكرا.