شرح رسالة فضل الإسلام 45

شرح رسالة فضل الإسلام 45

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف البدعة والكبائر وضبطها

يتناول هذا الفصل تعريف البدعة بأنها إحداث في الدين بقصد التقرب إلى الله، وتعريف الكبائر وما ترتب عليها من حد أو وعيد. كما يشرح الاختلاف بين العلماء في ضبط الكبائر.

تأثير البدعة السلبي على الإسلام

يناقش هذا الفصل تأثير البدعة السلبي على الإسلام، حيث تجعل المبتدع مشرعًا وتوحي بنقص الإسلام وتحل محل شرائع الله وتشوه الإسلام.

خطورة البدع مقارنة بالمعاصي والكبائر

يُبرز هذا الفصل خطورة البدع على الإسلام مقارنة بالكبائر والمعاصي، حيث يؤثر المبتدع على الدين بينما العاصي يضر نفسه، ويصعب على المبتدع التوبة.

تمهيد لباب البدعة والأدلة عليها

يتم في هذا الفصل التمهيد لباب البدعة والأدلة عليها، حيث سيتناول المؤلف الأدلة على أن البدعة أشد من الكبائر ويطلب الدعاء بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر. بالأمس، إخواني في الله، كان الانتهاء من ذلكم الباب، والذي سطره المؤلف رحمه الله تعالى حول وجوب التمسك بالإسلام كله، وعلمنا من خلال ما أورده رحمه الله تعالى من الآيات والأحاديث ما المقصود بالباب، وها هو رحمه الله تعالى يورد لنا بابًا آخر في هذه الرسالة العظيمة، فضل الإسلام، فأورد لنا هذا الباب، باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر. وإن الكلام على هذا الباب، إخواني في الله، سيكون في ذكر مسائل ثلاث. المسألة الأولى المتعلقة بهذا الباب، أولاً في معرفة المصطلحات الموجودة فيه، فذكر هنا البدعة وذكر هنا الكبائر، فما هي البدعة وما هي الكبائر؟ البدعة، إخواني في الله، قد مر ذلك معنا، وهو إحداث في الدين، وبعض يعبر: هو إحداث في الدين يقصد به التقرب إلى الله جل في علاه، فهذا هو الضابط العام لكلمة البدعة والمحدثات. فإن البدعة عبارة عن إحداث، وقد جاء النص في ذكر هذا القيد، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحدثات الأمور»، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «وكل محدثة بدعة»، فهذا صريح من سنته صلوات ربي والسلام عليه أن البدعة من وصفها أنها محدثة، ويدخل في ذلك الأقوال والأفعال والأحوال، وكل ما كان إحداثًا فهو يدخل في صميم البدعة. والقيد الثاني أن يكون هذا الإحداث في الدين، وهذا كذلك قيد مهم جاءت به السنة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فأشار نبينا أن مكمن الإحداث يكون في الدين، فلن يشغب علينا مشاغب بذكر هذه المخترعات، فهذه ليست من البدعة أصلاً؛ لأن الحديث إنما يتكلم عن الإحداث في الدين، من أحدث في أمرنا أي في ديننا. وهكذا يقصد به التقرب إلى الله؛ لأن هذا والدافع في حق المبتدع إذا أحدث فعلاً أو قولاً فإنه يريد بذلك التقرب إلى الله، وهذا كما يقال وصف أغلبي. ومن أهل العلم من يضيف إضافات فوق هذا التعريف، يقول بعضهم: من أحدث في الدين بعد الرسول، يضيف هذا القيد بعد الرسول، أي بعد حياته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قد وجد وقد فعل في زمنه عليه الصلاة والسلام من قبل أصحابه أن فعلوا أمورًا من الطاعات فأقرهم الشرع، وإقرار النبي لهم دين، وهو يسميه العلماء بالسنة التقريرية. كذلك لا يشغب علينا أحد مثل هذه الأفعال التي صدرت من بعض الصحابة، فإن الشرع أقرهم فاعتبرت من سنته، إذ أن السنة ثلاثة: قولية، وفعلية، وتقريرية. ولهذا بعضهم يضيف هذا القيد، وبعضهم ما يذكره، هو الإحداث في الدين بعد الرسول بقصد التقرب إلى الله جل في علاه. هذا ما يتعلق بالبدعة، وسيأتي معنا مباحث حولها. المصطلح الثاني: الكبائر. وكذلك العلماء اختلفوا في ضبط الكبائر، فمنهم من ضبطها بالحد، ومنهم من ضبطها بالعد. فمن أهل العلم من يأتي ويضبط الكبيرة عن طريق العد، بأن يعد لنا الكبائر كذا وكذا وكذا، فهذه كبائر، وما عداها صغائر. هذا قوم، وهذا من يرى الضابط بالعد. ومنهم من يرى أن الضابط يكون بالحد، وذلك بوضع تعريف. وهذا الأنسب، وهذا الأليق أن الكبائر تعرف بضابطها، وذلك بذكر تعريفها. وكذلك للعلماء في تعريف الكبيرة أوجه، ومن أشهرها ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى: من أن الكبيرة ما ترتب عليها حد في الدنيا، ووعيد في الآخرة. هذه الكبيرة. فالذي يترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة يعتبر كبيرة. ومن صور الوعيد: كان يأتي الشرع بالحكم على هذا الفعل بالنار، أو بالغضب، أو باللعن، أو نحو ذلك من ألفاظ الوعيد. فهذه مما تضبط به الكبائر. فالزنا من الكبائر، والربا من الكبائر، والسرقة من الكبائر، وأكل مال اليتيم من الكبائر، والظلم والبغي والعدوان على الآخرين من الكبائر، وأكل أموال الناس من الكبائر، وقس على ذلك؛ لأنها تدخل في هذا الوعيد، في هذا الضابط، كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة. هذه المسألة الأولى مما يهمنا في هذا الباب. المسألة الثانية، إخواني، وهي مسألة مهمة، وهي سؤال قد ينقض في الأذهان: ما علاقة البدعة بهذه الرسالة أصلا؟ المؤلف رحمه الله تعالى يتكلم عن الإسلام، وعن فضل الإسلام، وعن شروطه ومصادره ووسائله وتفريعاته ونواقضه، فلماذا أدخل البدعة ها هنا؟ هذا الأمر، إخواني في الله، مهم جدًا. فإن البدعة لها تعلق عظيم بالإسلام، والتعلق هنا تعلق سلبي؛ تعلق سلبي، إذ أن البدعة تؤثر في الإسلام جدًا. وخذ هذه الأوجه: أولاها أن المبتدع عندما يبتدع البدعة يرى أنه مشرع، هو إن لم يجعل هذا لنفسه، وإن لم يتلفظ بمقاله، فهذا لسان حاله أنه مشرع، دليل التشريع، أنه يفعل هذا الطقس، يفعلوا هذه المناسبة في اليوم الفلاني، في الوقت الفلاني، عدد أيام أربعين، ثلاثين، عشرين، هذا الورد الفلاني في المحل كذا، وهذا الذكر المعين في كذا. ما هذا الذي تفعله؟ أو يشكل عقيدة كاملة تقوم على إيمان ببعض الصفات، وتأويل بعضها، أو تحريف بعضها، أو تعطيل جل صفات الله، ما الذي تفعل؟ أنت تشريع، هل هذا من مقتضى الإسلام يا عبد الله أن تجعل نفسك مشرعًا، سواء أنت تشرع أو ترضى لغيرك أن يشرع للناس؟ أليس هذا يؤثر سلبًا في الدين؟ لا شك، الإسلام ما له إلا مصدر واحد فقط: الكتاب والسنة، ويلحق بذلك إجماع الأمة. لكن أما أن يأتي رجل بنفسه ويجعل تشريعًا يشرع في الإسلام، لا يا عبد الله، هذا مما يقلل بالإسلام. فناسب أن يذكر وأن تذكر البدعة في هذه الرسالة؛ لأن صاحبها زاحم التشريع الإسلامي. كذلك وجه آخر من علاقة البدعة بالإسلام: أن صاحبها يجد ويرى أن الإسلام ناقص، وهذه الداهية العظمى، ما الذي جعل المبتدع يأتي بالبدعة؟ لأنه أصلا تأمل في الإسلام ووجد أن الإسلام فيه نقص. يقول: ما أجمل هذا الدين لو لا هذا النقص الموجود، كيف سيكمل بهذه البدعة؟ ضعوها، سيكتمل الإسلام جمالا وبهاء. هذا هو صميم حال المبتدعة. لهذا تجد أن المبتدعة من خلال هذا الباب أنهم وجدوا النقص في الدين فاستكملوه ببدعتهم، تجد منهم المدافعة والمنافحة، بل المقاتلة، يقاتل من أجل بدعته؛ لأنه يرى أن دين ناقص. كيف هذا؟ كيف أنتم تعيشون بلا مولد؟ كيف تعيشون هذا؟ يعني يرون أن دين ناقص، ولهذا يعاتبون ويوبخون، بل ربما يجرمون من لم يفعل بدعتهم؛ لأنهم يرون من خلال هذا المنظار أن الإسلام ناقص، سواء قالوها بأفواهم أو لم يقولوها، لكن البدعة تشهد عليهم بهذا، فلن يكمل عندهم الدين إلا بالبدعة. إذن تجد أن البدعة تؤثر سلبًا في الإسلام. زد على ذلك الوجه الثالث: أن البدعة إذا وضعناها في الدين، اعلم علم اليقين أنها ستحل محل شريعة من شرائع الله. وعلى هذه جرت العبارة: لا تقام بدعة إلا على أنقاض سنة. مضى درس الأمس عندما ذكرنا أن البدعة تقابل السنة، إذا وجدت السنة أزيحت البدعة، وإذا وجدت البدعة على أنقاض السنة. فإذا وجدت أن مبتدعًا أتى ببدعة، اعلم أن هذه البدعة ستحل محل شيء من دين الله. إذن هذا ما معنى؟ معنى النقص في الدين، وأنه سيذهب قليلاً قليلاً. مثاله ما نرى في بعض المبتدعة عندهم عندما عملوا لأصحابهم رواتب يؤدونها بعض الصلوات، راتب بني فلان، وراتب فلان، هذا يعمل بعض الصلاة، فهذه البدعة على حساب ماذا؟ أن ألغيت سنة الذكر التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فتأتي البدعة تحل محل شيء من دين الله. وانظر يمنة ويسرة البدعة تجد أنها أقيمت على أنقاض شيء من شرع الله، فهي تؤثر سلبًا. أخيرًا، والوجه الرابع من تأثير البدعة على الإسلام: أنها معول الهدم، معول الهدم، معول التشويه للإسلام. الإسلام هو هذا الدين الذي جاء به رب العالمين بكماله وتمامه وبجماله. لكن ماذا فعل المبتدع؟ كل البِدع فتح، وهذا ينبغي أن يفهمه المبتدع، أنه إذا ما فتحوا المجال لأنفسهم فليعلموا أنهم ليسوا هم الأوحد في هذا المضمار، بل عندنا فرق ضالة كثيرة جدًا، وكلهم على هذا المنوال يريدون أن يزينوا الإسلام ببدعتهم. فتخيل الذي أمامي، تخيل عندي شيء جميل، ثم يأتي هذا ويعلق، وهذا يعلق، وهذا يعلق، وهذا يطرح من فوق، وهذا من تحت، هل سيبقى شيء من الإسلام؟ لا، سيذهب الإسلام، ما سترى إلا هذه الزينة التي أتى بها الخلق، وأما حقيقة الجوهر ذهب، فهو معول الهدم للإسلام. وانظر لنا عبرة في حال اليهودية والنصرانية، ما الذي أذهبها؟ أذهبها الابتداع في أزمانهم، ورهبان ابتدعوها، ما كتبناها عليهم، جاءوا بالرهبنة والتبتل واتخاذ الصوامع، ثم غيروا وبدلوا شرعة اليهودية وشرعة النصرانية. وهكذا الإسلام، والله لو ترك الأمر لأهل البدع على عواهنه لضاع الإسلام. وانظر يا عبد الله: الخوارج، المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية، الكرامية، القدرية، المرجئة، هؤلاء محسودون علينا، ما الذي أوقعهم فيه؟ الذي أوقعهم فيه البدع، بدع عقدية، بدع قولية، بدع سلوكية، بدع منهجية. ناهيك عن الفرق الضالة والجماعات المنحرفة، ما الذي فعل في الدين؟ أفسدت، أفسدت حتى أصبح الذي يسلم ويدخل في دين الإسلام يتحير: يدخل على منهج من؟ وعلى جماعة من؟ وعلى فكر من؟ فالبدع، إخواني في الله، أثرت سلبًا. لهذا حق للمؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر في رسالة عن فضل الإسلام ما يتعلق بالتحذير من البدع. المسألة الأخيرة، إخواني في الله، في هذا الباب، وهو ما ذكره المؤلف من التبويب، حيث بوّب عليه بقوله: باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر. قارن، وأتى بالحكم: البدعة أشد من الكبيرة. علمنا ما هي البدعة، وعلمنا ما هي الكبيرة، فالمؤلف يرى أن البدعة شر واشد من الكبيرة. وهل حكمه صواب؟ الجواب: نعم، صواب، لا غبار عليه، وهذا بالإجماع. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع». إن أهل البدع شر من أهل المعاصي أو المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع، لا خلاف بين أهل السنة وبين العلماء المعتبرين على خطورة البدع، وأنها أخطر من المعاصي وأخطر من الكبائر. وهذا الذي أراده المؤلف. ونكتفي هنا، إخواني في الله، في أمرين اثنين، بأمرين اثنين، نعرف خطورة البدع على المعاصي وعلى الكبيرة. أولى هذه الفوائد، إخواني في الله، أولاً: أن العاصي إذا فعل معصية إنما المعصية هي تضر لنفسه، تتعلق بشخصه، هو هو الذي يفعلها بنفسه، لكن الذي يفعل بدعة يفعلها بماذا؟ يفعلها في الدين، يفتري على دين الإسلام، يفتري على شرع الله جل وعلا. وهذه الضرورة والخطورة التي يحذر منها العلماء، والذي يرون أن العاصي يبقى على معصيته، وأما المبتدع يضر على الدين. لهذا كان من عبارات السلف: ونبع على هذا أنه كان بعضهم يصرح: أني لو وجدت ابني سكيرًا عربيًا خير من أن أجد عنده مبتدعًا من المبتدعة، يصرحون بهذا. وبعض الذي لا يفقه ممن يصطاد من ماء العكر يقول: أنظر لهؤلاء الذين يدعون أنفسهم من أهل السنة، كيف أنهم يتهاونون بالمعاصي؟ لا، المسألة ليست فيها تهاون، المعصية معصية، لكنهم في باب المقارنة، في باب المقارنة، إذا قورنوا بين بدعة ومعصية، فإن البدعة أهون لهذا الأمر الذي سمعتموه أولاً. من أن العاصي إنما معصيته على نفسه وعلى شخصه، وأما المبتدعة إنما بدعتهم تمس بالدين وبالشريعة والملة. والأمر الثاني: أن العاصي إذا فعل المعصية يعلم من نفسه أنه مقصر، أنه مفرط، أنه مذنب، لهذا ينكسر، وإذا ذكر بالله أكثرهم يتوب، أكثر العصاة يتوب إذا وجد من يذكرهم؛ لعلمه أنه قد فرط في جنب الله. لكن بخلاف المبتدع، فإنه إذا ذكر لا يتذكر؛ لأنه يرى أنه على دين، ويرى أنه على عمل صالح، فعلى ما يدعوه؟ لهذا تجد قل من يتوب من أهل البدع، قل، قل من يتوب من أهل البدع إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. ففي هذا الفصل، إخواني في الله، ومن خلال هذه المسائل الثلاث، أبنا وأظهرنا شيئًا مما يتعلق بهذا الباب الذي سيذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة الدالة عليه في باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.