شرح قرة عيون الموحدين 16

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 16، ألقاها

شرح حديث خيبر والردود المذهبية

يناقش حديث خيبر ويرد على النواصب والخوارج والرافضة في مواقفهم تجاه علي بن أبي طالب، مبينًا أن الوصف الوارد في الحديث لا يختص به.

دروس وعبر من فتح خيبر

يستخلص الدروس من قصة علي بن أبي طالب في فتح خيبر، مثل الإيمان بالقدر ومشروعية الدعوة قبل القتال وأهمية نية إعلاء كلمة الله.

تعريف الإسلام والإيمان وحقوق لا إله إلا الله

يشرح معنى الإسلام والإيمان وحقوق لا إله إلا الله، ويبين أقسام الإسلام وعلاقة الأعمال بالإيمان، مع الرد على الأشاعرة والمرجئة.

الرد على المشركين والغلاة وتحذير عمر

يرد على المشركين والغلاة ويحذر من الشرك ومكر الشيطان، ويبين أن الكرامة الحقيقية هي الاستقامة وطاعة الله، مستشهدًا بفعل عمر بن الخطاب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قبل الدخول في درسنا هذا بإذن الله عز وجل، ننبه على ما مر معنا في أثر ابن مسعود رضي الله عنه الماضي، أي في الدرس الماضي، في قوله: وعن ابن مسعود مرفوعًا: «أمرته بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزكِ فلا صلاة له». الحديث تقدم معنا في الدرس الماضي أن الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من طريق إسماعيل بن عمر البجلي، وهو ضعيف، ولكنه متابع. تابعه أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة ثبت، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: «أمرتم بإقامة الصلاة» بلفظ «أمرتم بإقامة الصلاة». والحديث أو هذا الإسناد فيه علتان: الأولى شريك القاضي، فيه ضعف، والعلة الثانية أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه لم يسمع من أبيه. نص عليه غير واحد من الحفاظ على أن جماعة من الحفاظ كابن المديني ويعقوب بن شيبة وغيرهما يمشون حديثه عن أبيه خاصة، ويقولون إنه أخذه عن آل ابن مسعود الثقات. وهناك إسناد آخر هو أصح من هذا، وهو ما رواه الطبراني كذلك في الكبير أيضًا موقوفًا على ابن مسعود، ولفظه: «من أقام الصلاة ولم يؤتِ الزكاة، فلا صلاة له». وهذا إسناد حسن. وبه نعلم أن الأثر ثابت إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وقول العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: وعن ابن مسعود مرفوعًا، لعله - والله أعلم - أن قوله «أمرت» ظاهرها الرافع على أن المروي أن الحديث أو الأثر المروي الذي رواه ابن جرير والطبر وغيرهما بلفظ «أمرتم». وعلى القول «أمرتم» يكون الأمر محتملًا، أي قد يكون المراد «أمرتم» في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأتِ التنصيص الخاص بهذا الحديث. وهذا أمر، والأمر الثاني في قوله: وقال ابن زيد: «أبى الله أن تقبل الصلاة إلا بالزكاة». هذا الأثر أخرجه كذلك ابن جرير رحمه الله تعالى بإسناد صحيح إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله تعالى. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مفسر مشهور، وفقيه معروف، إلا أنه رحمه الله تعالى ضعيف في الحديث، لكن التفسير صح إليه. فأشهد من هذا أن الأثرين ثابتان إلى أصحابه، والله تعالى أعلى وأعلم. فنرجع إلى درسنا. قوله رحمه الله تعالى: عن سهل بن سعد، أي ابن مالك، عن سهل بن سعد، أي ابن مالك، على نية القطع، أي هو ابن مالك. هو ابن مالك ابن خالد الأنصاري. طيب، أخي، يقول: في نسخة «أمرت»، وهو الموافق لما في التفسير، قال: عن سهل بن سعد، أي ابن مالك ابن خالد ابن مالك الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس، صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضًا، مات سنة ثمان وثمانين، وقد جاوز المئة. قوله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لو أعطي أن الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». والحديث كما ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب: أنه في الصحيح، لذا قال: ولهما عن سهل بن سعد. قوله: «يحبه الله ورسوله» قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصًا بعلي، ولا بالأئمة، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي، وكل مؤمن تقي يحب الله ورسوله. يعني: جاء في هذه النسخة عندنا بلفظ: «فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله». عندكم في النسخة الأخرى هكذا، يعني: في الكلام المذكور ها هنا منقول من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من كتابه «منهاج السنة». والذي في «منهاج السنة»: «فإن الله ورسوله يحبان كل مؤمن تقي، وكل مؤمن تقي يحب الله ورسوله». يحب الله ورسوله. فأشهد من هذا أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يريد أن يقرر أن كل مؤمن يحب الله ورسوله، وكل مؤمن تقي يحبه الله ورسوله. إذن: ما في هذا الحديث ما يشترك فيه علي رضي الله عنه مع غيره من المؤمنين الأتقياء. فأبو بكر يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، عمر يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وهكذا قل في صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أهل التقوى والإيمان. قال: لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب. والنواصب هم فرقة من الفرق التي نصبت العداء لآل البيت، لعلي ولآل بيته، بعد أن حصل ما حصل من الخلاف والنزاع والقتال بين علي وبين أهل الشام. فكان بعض بني أمية يقع منهم نصب وثلب على علي وعلى آل بيته رضي الله عن علي وعن آل بيته. قال رحمه الله: فعالى، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج. أي: فيه رد على النواصب الذين لا يتولون عليًا، ولا يعتقدون فيه خيرًا، لأن في هذا الحديث إخبارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عليًا يحبه الله ورسوله، وكذلك هو يحب الله ورسوله. ففيه رد على هؤلاء، وكذلك فيه رد على الخوارج الذين يكفرونه أو يفسقونه. ولا سيما وقد اشتهر أمر في قصة التحكيم حينما حكم علي رضي الله عنه وأرضاه بالتحكيم، فقالوا: كفر، إذ حكم الرجال. وهذا الحديث ونظائره في فضائل علي يرد على هؤلاء وهؤلاء. قال: لكن هذا الاحتجاج بالحديث المذكور لا يتم على قول الرافضة، أي: لا يكون دليلًا. فيه الرد على الرافضة. بماذا؟ قال: الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل صحابة كانت قبل ردتهم. فإن الخوارج تقول: فعلي مثل ذلك، أي: أن الخوارج يقولون: هذه الفضائل لعلي قبل ردته. كما تقول الرافضة في فضائل الصحابة: أن هذا قبل ردتهم. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: على مذهب الرافضة لا يستقيم الاستدلال بهذا الدليل. أن جواب الخوارج عن الرافضة كجواب الرافضة على أهل السنة والجماعة: أن هذا قبل ردتهم، والكل باطل. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: لكن هذا باطل. فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن هذه الفضائل الثابتة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأن من زكاهم الله جل وعلا ورضي الله جل وعلا عنهم، كما جاء ذلك في أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، ومن جاء التنصيص بأنهم من أهل الجنة، ونحو ذلك، فإن هؤلاء لا يموتون إلا على ذلك. لذا يقول شيخ الإسلام: لكن هذا باطل، أي: قول الرافضة وقول الخوارج. قال: فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم الله أنه يموت كافرًا. على أنه من يعلم الله أنه يموت كافرًا. بمعنى أن الله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، إذا كان كيف سيكون؟ فأخبر الله جل وعلا وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وخبره حق وصدق، بأن عليًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وهذا الخبر حق وصدق. ففيه دلالة على أن عليًا رضي الله عنه وأرضاه لا يموت إلا على الخير والصلاح والإسلام. ففيه دلالة واضحة على فضيلة علي رضي الله عنه وأرضاه، وفيه رد على الخوارج. قال رحمه الله تعالى: وفيه إثبات صفة المحبة لله خلافًا للجهمية ومن أخذ عنهم. وفيه فضيلة أخرى لعلي رضي الله عنه، بما خصه به من إعطاء الراية، ودعوة أهل خيبر إلى الإسلام وقتالهم. إذ لم يقبلوا. وقد جرى له رضي الله عنه في قتال خيبر أحوال مذكورة في السير والمغازي. وفيه مشروعية الدعوة إلى الإسلام، أي: قبل القتال، الذي أساسه شهادة أن لا إله إلا الله. لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة آل عمران: 113]، وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران: 104]. قوله: فقالوا: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: «هو يشتكي عينيه». أو «هو يشتكي عينيه». قال المصنف رحمه الله تعالى: فيه الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عن من سعى لها. وهذا فيه - كما ذكر الإمام رحمه الله تعالى - أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ما دام أن الله جل وعلا كتب وقدر أن الأمر آت إليك، فإنه آت، ولا محالة. ولو علم الله جل وعلا وكتب وقدر أن الأمر لا يأتيك ولا يحصل إليك أو منك، فإنه لا يكون، ولو فعلت ما فعلت. وفي هذا - كما ذكر رحمه الله تعالى - الإيمان بالقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. الناس حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يأخذ الراية؟» أو قال: «يأخذ الراية رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». استشرف لها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى جاء في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: «ما استشرفت للإمارة إلا يومئذ». لما سمع من هذا الثناء: أنه «رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله على يديه». فاستشرف لها الصحابة سبقًا للخير وحبًا له. وعلي رضي الله عنه وأرضاه كان مريضًا، فلم يكن من هؤلاء الذين استشرفوا لأخذها. ومع هذا كان علي هو الآخذ للراية دون غيره. ففيه - كما ذكر الإمام رحمه الله تعالى - الإيمان بالقدر. قوله رحمه الله تعالى: فأرسل إليه، أي: النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليه من يأتيه به. وفي صحيح مسلم: أن الذي جاء به سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. وعن إياس بن سلمة، عن أبيه: أن الذي جاء به سلمة رضي الله عنه. وقد يقال في الجمع بينهما: أن سلمة تأتى به من مكانه، حتى إذا دن من النبي صلى الله عليه وسلم قربه سعد بن أبي وقاص. بهذا تجتمع الروايتان، والله أعلى وأعلم. قوله: فبصق في عينيه، أي: تفل. قوله: ودع له فبرأ. ودع له فبرئ، وهو بفتح الراء والهمزة، أي: عوفي في الحال عافية كاملة، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم. كما في الحديث: «فدع له فاستجيب له» عليه السلام. وفيه علم من أعلام النبوة، وذلك كله بالله، ومن الله وحده، وهو الذي يملك الضر والنافع والعطاء، والمنع. لا إله غيره، ولا رب سواه. قال: وهو - كما ذكر رحمه الله تعالى - وهذا كذلك فيه لطيفة من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بصق في وجهه، أي: في عينيه علي بن أبي طالب، فذهب ما به من الرمد، ودع له بالبركة، فاستجيب له وعوفي رضي الله عنه وأرضاه ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم، وبصقه في عينيه. فهذا الأمر فيه علم من أعلام النبوة. وفيه أيضًا - كما ذكر رحمه الله تعالى - أن ذلك كله بالله، أي: بعون الله وتوفيقه وتيسيره، لأن الأمر كله من الله جل وعلا، وبالله. لذا قال: كله بالله، ومن الله وحده، وهو الذي يملك الضر والنفع. فالذي شفى عليًا رضي الله عنه وأرضاه هو الله جل وعلا وحده لا شريك له، بسبب ماذا؟ بسبب بصق ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فالله جل وعلا هو الذي يملك الضر والنافع والعطاء والمنع، لا إله غيره، ولا رب سواه. وهذا فيه رد على المتشبثين بكرامات الأولياء، وأن الأولياء عندهم قدرة على كشف المكروب، وعلى إعطاء المطلوب، وما شابه ذلك من الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله جل وعلا. قوله: أنفذ هو بضم الفاء والهمزة. قوله: على رسلك، أمره أن يسير إليهم بأدب وأناة، حتى تنزل بساحتهم. الساحة هي ما قرب من حصونهم. وفي قوله: «على رسلك»، فيه دلالة على أن الداعي إلى الله جل وعلا، سواء كان الدعوة باللسان أو الدعوة بالسيف والسنان، يكون على هذه الهيئة: متواضعًا متأدبًا متخشعًا لله جل وعلا. وإن كان في وقت الجهاد أظهر شيء من القوة والعزة، ففي موطن الجهاد وإرهاب العدو لا بأس بذلك. لأن هذه من الأماكن التي يحبها الله ورسوله، أي: يحب الله جل وعلا أن يظهر المؤمن قوته وعزته، وكذلك شجاعته أمام الأعداء، حتى يقذف في قلوبهم الرعب. قوله رحمه الله تعالى: ثم قدعهم إلى الإسلام، هذا هو الشاهد. وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه. وينبغي لولاة الأمر أن يكون هذا هو معتمدهم ومرادهم ونيتهم. وفي هذا كذلك الكلام لطيفة أخرى. والكتاب - كما ذكرنا - مليء بالتنبيهات والفوائد العظيمة. فهو رحمه الله تعالى ينبه على لطيفة من اللطائف، فيقول: وهكذا ينبغي لأهل الإسلام لكل أهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق، ما هو المقصود؟ هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه، وإعلاء كلمة الله، وإعلاء كلمة الله جل وعلا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل: «الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، وذكر ما ذكر». فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». فمن كانت هذه نيته، فهو في سبيل الله جل وعلا. وهذا فيه كذلك إشارة إلى هذا المعنى. ثم دعوهم إلى الإسلام. قال: وينبغي لولاة الأمر أن يكون هذا معتمدهم ومرادهم ونيتهم، أي: في قتالهم لغيرهم، لا أن يكون القصد هو الكبر والبطر والفخر والخيلاء. وإنما يكون القصد هو إعلاء كلمة الله جل وعلا، وإدخال الناس إلى دين الله جل وعلا. كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة: «إن أقوامًا يدخلون الجنة بالسلاسل». إن أقوامًا يدخلون الجنة بالسلاسل. وقد جاء في تفسير المفسرين والشراح لهذا الحديث: بأن المقصود بهم أناس يسلمون بعد قتال، فيؤسرون، فيدخلون في الإسلام، فيكونوا سببًا لدخولهم الجنة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: دين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله - يعني وتأمل قوله: وبعث به رسله من أولهم إلى آخرهم - ما هو؟ قال: هو الاستسلام لله وحده. فهذا هو حقيقة الإسلام. الاستسلام لله وحده، والإسلام هو الذي بعث الله جل وعلا به الرسل من أولهم إلى آخرهم. كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: 19]، وكما قال الله جل وعلا عن إبراهيم: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: 132]. قال الله جل وعلا: «هو سماكم المسلمين من قبل». فدعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوة إلى الإسلام. والإسلام - كما يذكر العلماء - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه على قسمين: الإسلام العام، والإسلام العام هو الذي عرفه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو دعوة جميع الرسل أممهم إلى الاستسلام لله وحده لا شريك له، والخضوع لله وحده بعبادته وحده. والإسلام الخاص هو الذي لا يقبل الله جل وعلا دينًا سواه، وهو الإسلام الذي بعث الله جل وعلا به محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو الذي إذا أطلق الإسلام لم يتبادر إلى الذهن إلا إليه، أي: الإسلام الخاص الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. وهو الذي لا يقبل الله دينًا سواه: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: 85]، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: 3]. ها هنا الإسلام الإسلام الخاص. لكن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ها هنا يتكلم على الأمر العام: الاستسلام العام لله رب العالمين جل وعلا، وهو الذي جاء به جميع الرسل. فقال: هو الاستسلام لله وحده. فأصله في القلب، أي: أصل الاستسلام لا بد أن يكون في القلب، لأنه إن استسلم استسلمت الأعضاء والجوارح، وإن استكبر وأبى وعصى، فكذلك الجوارح. وكما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، وهي القلب». كما في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله. قوله رحمه الله: فأصله في القلب، والخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه. هذا هو الإسلام الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال: فمن عبده، أي: عبد الله جل وعلا، وعبد معه إلها آخر، لم يكن مسلمًا. كحال من؟ كحال المشركين الأول الذين بعث فيهم الرسل من أولهم إلى آخرهم. وكحال كذلك أهل الكتاب الذين أشركوا بالله جل وعلا معهم غيره، فعبدوا غير الله جل وعلا من المخلوقات. اليهود عبدوا عزيرًا، وزعموا أنه ابن الله. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. والنصارى عبدوا عيسى، وزعموا أنه ابن الله. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. فالحاصل أن هؤلاء ليسوا بمسلمين. لماذا؟ لأنهم عبدوا الله وعبدوا معه غيره. قال: ومن استكبر عن عبادته، أي: عن عبادة الله جل وعلا. استكبر عن عبادة الله جل وعلا. كحال المستكبرين المعاندين الجاحدين. كحال فرعون والنمرود، ومن كان على شاكلتهم من هؤلاء الطواغيت الذين يستكبروا عن عبادة الله جل وعلا. قال: ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا. لماذا؟ لأنه لم يكن مستسلمًا. قال: وأما الإيمان، فأصله تصديق القلب، وإقراره ومعرفته. وهذا هو حقيقة الإيمان. فالإيمان ليس هو مجرد التصديق في اللغة، وإنما هو تصديق ومعرفة وإقرار. كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في كتاب «الإيمان»، كما في المجلد السابع من «مجموع الفتاوى». وقد طبع منفصلًا بتحقيق العلامة الألباني رحمه الله، ورد على من يقول بأن الإيمان في اللغة هو التصديق، من أوجه كثيرة بلغت نحو من ستة عشر وجهًا. وكذلك تبعه على ذلك تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله، وبيّنا أن الإيمان في اللغة هو تصديق ومعرفة وإقرار. قوله رحمه الله تعالى: وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، قال: مما أمر به وشرعه من حقوق لا إله إلا الله. فللا إله إلا الله حقوق كثيرة، كما تقدى معنا شيء منها. ومن حقوقها كذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، كما مر معنا، وكما جاء في أحاديث كثيرة، كما في حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر، وحديث غيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وهي في الصحاح، في صحيح مسلم وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها». فمن حقها الصلاة والزكاة. وكما جاء في حديث عمر وأبي بكر رضي الله عنهما حينما أراد أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه قتال أهل الردة، فقال له عمر رضي الله عنه وأرضاه: «كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، إلا بحقها؟» فقال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: «وإن الزكاة من حقها». إذن: كما ذكر رحمه الله، قال: وأخبرهم بما يجب عليه من حق الله تعالى فيه، قال: مما أمر به وشرعه من حقوق لا إله إلا الله. وهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان، وعلى هذا إجماع السلف، ودلالات الكتاب والسنة على ذلك، أي: أن الإيمان قول وعمل، وأن العمل من الإيمان. قال رحمه الله تعالى: وهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان، خلافًا للأشاعرة والمرجئة في قولهم: إنه القول. ودعم أن الإيمان هو مجرد التصديق، وترك ما دل عليه الكتاب والسنة، لأن الدين ما أمر الله به فعلًا، وما نهى عنه تركًا. قوله: وهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان، خلافًا للأشاعرة والمرجئة. والأشاعرة - كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عنهم وغيره - أن لهم في الإيمان قولين: قول يوافقون فيه متكلمة المرجئة، يوافقون فيه الجهمية المحضة، وقول آخر يوافقون فيه مرجئة الفقهاء. فالحاصل أن الأشاعرة في باب الإيمان أهل إرجاء، في باب الإيمان مرجئة، لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان. قال رحمه الله تعالى: خلافًا للأشاعرة والمرجئة في قولهم: إنه القول، أي: إن الإيمان هو القول. وهذا قول بعض غلاة المرجئة. وبعضهم يقول: بأن الإيمان هو مجرد التصديق. والمرجئة - كما هو معلوم - على قسمين: غلاة، ومرجئة الفقهاء. والغلاة منهم من يقول: بأن الإيمان هو مجرد القول، أي: اللفظ فقط، ولو كان القلب لا يعتقد ذلك ولا يصدقه. ومنهم من يقول: بأن الإيمان هو المعرفة. ومنهم من يقول: الإيمان والتصديق. ومرجئة الفقهاء يقولون: بأن الإيمان هو القول مع التصديق. القول مع التصديق، لكنهم يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان. وكل المرجئة - سواء كان متكلمة المرجئة، وفقهاء المرجئة - يخرجون الأعمال من مسمى الإيمان. قال رحمه الله تعالى: وترك ما دل عليه الكتاب والسنة، لأن الدين ما أمر الله به فعلًا، وما نهى عنه تركًا. فتركهم للأعمال تركًا هو في الحقيقة ترك لما أمر الله جل وعلا به، أو ما نهى الله جل وعلا عنه. قال: وفيه الرد على المشركين المستدلين على الشرك بكرامات الأولياء لدلالتها على فضلهم. بمعنى أن في الحديث - كما هو ظاهر - في الحديث دلالة واضحة على كرامة أو قل آية من آيات الله جل وعلا، وعلم من أعلام النبوة، في كون النبي صلى الله عليه وسلم تفل في عيني علي، وكان به رمد، فشفي بإذن الله جل وعلا. ومع هذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر. وقد جعل الله جل وعلا على يدي علي من الكرامات ما الله به عليم. ومنها أن الله جل وعلا يحبه، وهو يحب الله ورسوله، بنص حديث رسول الله. ومنها أن الله جل وعلا فتح خيبر على يديه. ويرت له أحوال وأشياء كثيرة رضي الله عنه وأرضاه. ومع هذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ قال: «علي يا رسول الله، إلى ما أدعو الناس؟ أو على ما أقاتل الناس؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «وأخبرهم بما يجب عليهم». قال: «ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى». ففيه - كما ذكر رحمه الله تعالى - فيه الرد على المشركين المستدلين على الشرك بكرامات الأولياء لدلالته على فضلهم. إذ أن الكرامة الحقيقية دوام الاستقامة، وطاعة الله جل وعلا. لا كما يقول هؤلاء: بأن من بلغ مرتبة الكرامات والولايات، فإنه تسقط عنه الحجب، وأنه تسقط عنه التكاليف والعبادة، فلا يعبد ربه جل وعلا حتى يموت. يقولون: بأن الإنسان إذا بلغ مرتبة خاصة الخاصة تسقط عنه التكاليف. وهذا من وساوس الشيطان الذي كان سببًا في إردائهم، ووقعتهم في هذه الأمور الخطيرة والكبيرة. قال: وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقع له من الكرامات ما لم يقع لغيره، وله من السابقة والجهاد والفضائل ما ليس لغيره. وقد خد الأخاديد وأضرمها بالنار، وقدف فيها من غلا فيه أو اعتقد فيه بعض ما كان يعتقد هؤلاء المشركون مع آل البيت وغيرهم. فصار من أشد الصحابة رضي الله عنهم بعدًا عن الشرك، وشدة على من أشرك، حتى أحرقهم بالنار. وفي هذا إشارة في كلام رحمه الله على الرد على ضالتين: ضالة الشيعة الرافضة الغلاة الذين غلوا في علي حتى أوصله بعضهم إلى أنه رب العالمين. حتى بلغ ببعضهم أنه زعم أن علي رب العالمين. وكما ذكر العلماء في كتب العقائد، وذكر كذلك من ذكر في كتب التاريخ: أن ابن سبأ حينما تلبس بدعوة آل البيت، وكان يهوديًا فدخل في الإسلام متصنعًا أولًا، بث في الناس فضائل آل البيت، فضائل علي وآل البيت، وأنهم أحباب رسول الله، وأنهم أقرباء رسول الله، إلى غير ذلك. ثم انتقل معهم إلى مرتبة أخرى، فقال: علي هو أحق بالفضل من غيره. ثم قال: أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر. ثم قال: أحق بالنبوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ترقوا حتى وصل بهم الأمر إلى أن قالوا: بأن علي هو ربنا. جل وعلا تعالى الله جل وعلا عما يقولون علوًا كبيرًا. ولكن الشر هكذا يفعل بأصحابه: ما يدخلون في باب إلا وفتح لهم بابًا آخر من أبواب الشر. حتى ذكر من ذكر من العلماء: أن عليًا رضي الله عنه وارضى حينما خد الأخاديد، وأمر بإضرام النيران فيها، وقال لهم: «إما أن ترجعوا عن قولكم، وإلا ألقيتكم في النار». فلما سمعوا من ذلك، قالوا: «أنت إذا ربنا». يعني: تأكدوا وتيقنوا. لماذا؟ قالوا: لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. لا يعذب بالنار إلا ماذا؟ إلا رب النار. فصار علي رضي الله عنه وارضى يرميهم في النار، وهم يقولون بأنه ماذا؟ بأنه ربهم. تعالى الله جل وعلا عما يقولون علوًا كبيرًا. فالشاهد من هذا: فيه هذا رد على من؟ على هؤلاء الرافضة السبائية الغلاة، ومن كان على شاكلتهم ممن يعتقد في علي رضي الله عنه وارضاه بأن فيه شيء من الألوهية، أو شيء من قدرة على تحريك العالم، أو أن عنده علم محيط بالمعلومات، أو سمع محيط بالمسمعات، وما شابه ذلك. كما تقول كذلك الصوفية في السادات والأولياء: أن عندهم علمًا يحيط بكل معلوم، وسمعًا يحيط بكل مسموع، وأن لهم قدرة على النفع والضر، وما شابه ذلك من الأقوال الباطلة التي يتنزه عنها أهل الخير، ومنهم علي رضي الله عنه وارضاه. إذ أنه قطع دابر هذا الشر، فأحرق النيران، وعامل هؤلاء شد معاملة. عامل هؤلاء شد معاملة. وكان مما ثبت عنه واشتهر عنه أنه كان يقول: «من فضلني على أبي بكر وعمر ضربته ضرب المفتري». فكيف بمن غلا فيه فأوصله إلى ما أوصله من مرتبة إلهية؟ تعالى الله جل وعلا عما يقولون علوًا كبيرًا. قوله رحمه الله تعالى: وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع ما أعطي من الكرامات، صار من أبعد صحابة عن الشرك وذرائعه. وهما أفضل - وهما أفضل - أهل الكرامات، أي: أبو بكر، أو قل: عمر وعلي. أي: ذكر في حقه من الفضائل والكرامات ما لم يذكر في غيرهم. قال: فما زادهم ذلك إلا قوة في التوحيد، وشدة على أهل الشرك والتنديد. كما جرى لعمر رضي الله عنه في الاستسقاء بالعباس، أي: حينما استسقى بالعباس. مع أن عمر أفضل من العباس، ولكنه استسقى بمن؟ بالعباس. حتى لا يعتقد الناس في عمر. وحينما استسقى بالعباس، قال: «أدعوه يا عباس». ما قال لهم: «تعالوا ندعوه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم». بل أبعدهم عن كل موطن يقرب من الشرك. رضي الله عنه وأرضاه. قال: وتعميت قبر دانيال لما وجده الصحابة في بيت مال الهرمزان. الهرمزان - كما أن المعجزات إنما زادت الرسل قوة في الدعوة إلى التوحيد - يعني: في قوله: وتعميت قبر دانيال لما وجده الصحابة في بيت مال الهرمزان. حينما فتحت صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الهرمزان في تستر، وذكروا قصة طويلة: أنهم وجدوا في بيت مال الهرمزان رجلًا، ووجدوا عنده كتاب. والحاصل: أن في آخر الأمر فسر: أن هذا الرجل هو دانيال، أنه النبي. وعمر رضي الله عنه وأرضاه أمر بحفر ثلاثة عشر قبرًا في الليل، ووضعه في واحد من تلك القبور، ثم عمى خبره، وأمره حتى لا يقربه الناس، ولا يعتقدون فيه كما اعتقد الجهال. وهذا فيه باب الشر والذرائع الموصل إليه. قال: كما أن المعجزات إنما زادت الرسل قوة في الدعوة إلى التوحيد، وشدة على أهل الشرك والإنكار عليهم، وجهادهم. لكن قد يقع من الأحوال الشيطانية لمن استحوذ عليه الشيطان، فأنساه ذكر ربه. ما قد يلتبس على الجهال الذين قد تلبسوا بالشرك، ويظنون أن ذلك كرامات، وهي من مكر الشيطان، وإ

شاركنا على