شرح قرة عيون الموحدين 69

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 69، ألقاها

منزلة الصبر وأهميته في الإيمان

يعتبر الصبر جزءًا لا يتجزأ من الإيمان، حيث يعكس كمال الإيمان وتوحيد الله. الصبر على أقدار الله المؤلمة دليل على الإيمان.

أقسام الصبر وثمارها في الهداية

ينقسم الصبر إلى ثلاثة أقسام: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على أقداره المؤلمة، وتثمر هذه الأقسام هداية القلب.

الكفر الأصغر والأكبر وفقًا لحديث النبي

يفصل المقطع بين الكفر الأصغر والأكبر، ويبين أن الكفر الأصغر لا يخرج من الملة، مستشهدًا بحديث النبي حول الطعن في النسب والنياحة.

فضل الصبر على البلاء والمصائب

يشرح فضل الصبر على البلاء والمصائب، حيث تعتبر المصائب نعمة من الله لأنها تكفر الذنوب وتدعو إلى الصبر والإنابة، ويترتب عليها الجزاء والثواب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»: قال رحمه الله تعالى: قوله - أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى - في كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»: قال قوله: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. أولًا: تبويب الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد مناسبة. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد هو أن من الإيمان بالله جل وعلا، والذي يتضمن توحيد الله جل وعلا، الصبر على أقدار الله. وذلك أن الشيخ رحمه الله تعالى، كما تقدم معنا مرارًا، أنه ذكر في هذا الكتاب التوحيد وفضله وحقيقة التوحيد وشروط التوحيد ومقتضيات التوحيد ومكملات التوحيد. وفي المقابل ذكر رحمه الله تعالى ما ينافي التوحيد ومنقصات التوحيد. فهو ذكر رحمه الله تعالى هذا الباب هو من مكملات التوحيد، وضده من منقصات التوحيد. ومعنى هذا أن الصبر على أقدار الله جل وعلا هو من توحيد الله جل وعلا، ومن الإيمان بالله جل وعلا، إذ أن العبد حينما يعلم أن ما أصابهم لم يكن ليخطئه، من يضلل فلا هادئ له، وأن الأمر كله من الله وإليه، وأن الأمر كله من الله جل وعلا وإليه، فهو يصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة، لأنه مؤمن بالله جل وعلا وموحد لله جل وعلا، فهو مؤمن بأقدار الله جل وعلا لتسليمه لله جل وعلا في كل ما يقضيه عليه. وهذا من كمال إيمانه وتوحيده، كلما كمل إيمان العبد وكمل توحيده، صبر العبد على أقدار الله جل وعلا. والعكس بالعكس، كلما ضعف إيمانه وضعف كذلك توحيده بالله جل وعلا، أو لله جل وعلا، نقص صبرهم. إذن ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب لبيان أن من مكملات الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به هو الصبر على أقدار الله جل وعلا. الصبر على أقدار الله جل وعلا هذا أمر، وأمر آخر وهو مستفاد من الأمر الأول. يظهر من الأمر الأول مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب بعد الباب الذي قبله، وهو بعد باب قوله رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وذلك أن الصبر على ما يأتي معنا بإذن الله جل وعلا أنه على ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر على أقدار الله جل وعلا. فمن أمن مكر الله جل وعلا فلم يصبر على طاعة الله، ولم يصبر عن معصية الله جل وعلا. ومن يقنط من رحمة الله جل وعلا كذلك لم يصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة. فمنه نعلم المناسبة اللطيفة التي لأجلها لعله ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب بعد الباب الذي قبله. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعًا من كتابه. وهذا القول من الإمام أحمد رحمه الله تعالى يدل على فضل الصبر وعظيم شأن الصبر عند الله رب العالمين جل وعلا، إذ أن الله جل وعلا ذكره ونوه بفضله في آيات كتابه، كما ذكر الإمام أحمد في تسعين موضعًا. وهذا يدلنا على مكانة الصبر ومنزلة الصبر عند الله رب العالمين جل وعلا. قال في الحديث الصحيح: «الصبر ضياء» رواه أحمد ومسلم. وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصبر ضياء» فيه كذلك دلالة واضحة على مكانة الصبر في دين الله جل وعلا وشرعه، وأنه ضياء يضيء لصاحبه أنوار الخير والهدى، فيسلك به إلى الله جل وعلا الطريق إلى الله جل وعلا، وهو متسلح بالصبر، بالصبر على طاعة الله جل وعلا، وبالصبر عن معصية الله جل وعلا، وبالصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة. إذن الصبر ضياء كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وأرضاه. ومن باب الفائدة ما جاء في رواية مسلم، أعلها بعض الحفاظ، ولكن جاء في سنن النسائي بإسناد صحيح، فالحديث ثابت بإسناد صحيح عند النسائي، وبه يتقوى ما عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال عمر رضي الله عنه: «وجدنا خير عيشنا بصبر» رواه البخاري أي تعليقًا بإسناد صحيح. وقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: «وجدنا خير عيشنا بصبر» يدل كذلك على مكانة الصبر، وأن الإنسان كلما تحلى بالصبر كلما وجد حلاوة العيش، لأنه معين للعبد على طاعة الله جل وعلا، فلا يستطيع العبد أن يطيع الله جل وعلا، وأن يقوم بأمر الله جل وعلا، وأن يستمر على هذه الحال إلا بصبر. ولا يستطيع العبد كذلك أن يجتنب ما نهاه الله جل وعلا عنه، وحذره الله جل وعلا منه، والاستمرار على ذلك إلا بالصبر. ولا يستطيع العبد كذلك أن يصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة إلا بصبر. إذا الصبر سلاح للمسلمين لا بد منه، به يسير إلى الله، وبه تثبت قدمه على الصراط المستقيم الموصل إلى رب العالمين جل وعلا، وإلى رضوان الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال علي رضي الله عنه: «إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته فقال: إنه لا إيمان لمن لا صبر له». وهذا الأثر عن علي رضي الله عنه وأرضاه جاء أو روي عن علي رضي الله عنه وأرضاه من ثلاث طرق: الأولى من طريق علقمة عن علي، وهو لم يسمع منه. والطريق الثانية من طريق ميمون بن مهران، وهو كذلك لم يسمع منه. والطريق الثالث من طريق أبي إسحاق عن علي، وهو كذلك لم يسمع منه. لكن الطرق بمجموعها تتقوى وتعطي للأثر أصلًا وقوة. فالأظهر والله أعلى وأعلم أن الأثر ثابت بمجموع هذه الطرق. فقوله رحمه الله: «إن الصبر من الإيمان» وهذا الأمر فيه واضح، الصبر من الإيمان، وهو مناسب لما ذكره الشيخ: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. قال: «إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد». الرأس - أي كأن الإيمان جسد، والصبر رأس ذلك الجسد - أي لا استغناء للإيمان عنه. لذا قال علي رضي الله عنه وأرضاه مؤكدًا لهذا المعنى: قال: «إنه لا إيمان لمن لا صبر له»، أي لا إيمان كامل لمن لا صبر له، بل يضعف وينقص إيمانه بحسب ما ينقص من صبره على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله جل وعلا المؤلمة. قال رحمه الله تعالى: وعلم أن الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وهو المعبر عنه بالصبر على طاعة الله. أي أن يصبر العبد على أوامر الله جل وعلا. أمرك ربك جل وعلا بأن تقيم الصلاة، فيصبر العبد على إقامة الصلاة. أمرك ربك جل وعلا بإيتاء زكاة، بصيام رمضان، بصلة الأرحام، ببر الوالدين، بالإحسان إلى الخلق، إلى غير ذلك من الأمور والطاعات التي أمرك الله جل وعلا بها، فأنت تمتثل أمر الله جل وعلا، ولا تستطيع ذلك والاستمرار على ذلك إلا بالصبر. إذن الصبر على طاعة الله لابد منه للعبد من أجل أن يسير إلى الله جل وعلا. الثاني: قال: وصبر عما نهى عنه. أي الصبر عن معصية الله جل وعلا، بأن يجتنب العبد ما نهاه الله جل وعلا من أنواع المعاصي، وأعظمها الشرك بالله جل وعلا، وجميع المعاصي التي نهى عنها ربنا جل وعلا، وهو لا يستطيع ذلك إلا بالصبر، إلا بالصبر عن معاصي الله جل وعلا. الثالث: قال: وصبر على ما قدره الله من المصائب. وصبر على ما قدره الله من المصائب، أي مما يبتلي به الرب جل وعلا عبده من المصائب، سواء كانت في بدنه أو في ولده أو في أهله أو في ماله أو في غير ذلك من المصائب التي يبتلي بها ربنا جل وعلا من شاء من خلقه. قال: زاد الشيخ الإسلام: والصبر على الأهواء المخالفة للشرع. والذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هو داخل تحت النوع الثاني، لأن الصبر عن الأهواء المخالفة للشرع هو صبر عن معصية الله جل وعلا. ولكن لعل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصلها في هذا الموضع، وإلا لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلام في مواضع كثيرة يذكر أن الصبر على ثلاثة أقسام. لكن لعله فصلها في هذا الموطن لمعنى، وهي تمييز هذا النوع، وشدة الحذر من هذا النوع، لكثرة وقوع الناس فيه، وعدم التحرز منه. لأن كثيرًا من الناس قد يكون متدينًا، كثير من الناس قد يكون متدينًا، فيصبر على طاعة الله، يصبر عن معاصي الله، أي من المعاصي التي مصدرها الشهوات. لكن المعاصي التي مصدرها الشبهات قد لا يصبر عليها، مع ما فيه من التدين. فذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا القسم الرابع تنبيهًا لهذا المعنى، وأن الصبر لا يتم ولا يتحقق إلا بذلك، أي أن يصبر الإنسان عن معاصي الله، عن المعاصي الذي بابها الشهوات، ويصبر كذلك عن المعاصي الذي بابها وسببها الشبهات. ولا يكون صبر إلا بذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾». وأول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال: أي بمشيئته وإرادته. أي ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، أي بمشيئة الله وإرادته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾. ومعنى هذا أن ما يحدث من المصائب، وما يحدث من الأمور، إنما هو بقضاء الله جل وعلا وقدره، لا يخرج عن أن يكون بقضاء الله جل وعلا وقدره. فالله جل وعلا هو الذي قدره، وهو الذي شاء، وهو الذي أوقعه سبحانه وتعالى كما شاء. قال رحمه الله: قوله: قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. أي معنى قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال علقمة رحمه الله: هو الرجل تصيبه المصيبة، أي يصيبه البلاء في نفسه، في ولده، في أهله، في ماله، يصيبه البلاء. قال: فيعلم أنها من عند الله، أي يعلم أن ذلك الأمر بقضاء الله وقدره، وأن الله جل وعلا قدره عليه، فيرضى بقضاء الله جل وعلا وقدره. رضا المؤمن بأقدار الله، رضا المؤمن بأقدار الله جل وعلا. قال: ويسلم. قال هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وإسناده صحيح. إسناده صحيح. وروي عن ابن مسعود. وأثر ابن مسعود لم نقف له على سند، فالله أعلم. قال: وعلقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، والنخع من اليمن من أبيا. قال: ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم. مات بعد الستين. وفي هذا الأثر وفي هذا الأثر دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان، على أن الأعمال من مسمى الإيمان. وهذا على مذهب السنة والجماعة، أن الأعمال من مسمى الإيمان، وأن الأعمال على قسمين: أعمال قلب، وأعمال جوارح. بخلاف المرجئة، المرجئة لا يقولون بأن الأعمال من الإيمان. لا يقولون بأن الأعمال من الإيمان. والوعيدية في الطرف الآخر يقولون بأن الأعمال جزء من الإيمان. إن وقد إما أن يوجد الإيمان وتوجد الأعمال معه كلها، وإن فقد شيء من الأعمال فقد الإيمان معه كله، إذ أن الإيمان عندهم لا يتجزأ ولا يتبعض. وهذا قول باطل، ومحله في كتب العقائد. قال: وفي الآية بيان أن من ثواب الصبر هداية القلب، أن من ثواب الصبر هداية القلب. وهذا واضح في الآية، في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فيه دلالة واضحة على أن من صبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة، إيمانًا بالله، ورضا بقضاء الله جل وعلا، أن ثمرة ذلك أن يهدي ربنا جل وعلا قلب ذلك العبد إلى الخير، إلى الخيرات العميمة والعظيمة من الله رب العالمين جل وعلا، لأن الرب جل وعلا شكور، لأن الرب جل وعلا شكور، يجزي أو يعطي العبد فوق ما قدم بكثير. ومنه هذا الأمر، يصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة، فيعطيه ربه جل وعلا، ويمنحه ربه جل وعلا هذه المنحة العظيمة، أن يهدي قلبه إلى الطاعات والخيرات الذي بها كل خير بإذن الله رب العالمين جل وعلا. قال: قوله: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت». أي هما بالناس كفر، حيث كانتا من أعمال جاهلية، وهما قائمتان بالناس، ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله. فأطلق الكفر على من قامت به خصلة، على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين. لكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق، كما أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا الإيمان المطلق. ففرق بين الكفر المعرف بالله، كما في قوله: «ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة». وبين كفر منكر في الإثبات. وهذا الكلام مقتضب ومأخوذ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «اقتضاء الصراط المستقيم». والحاصل أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إثنتان في الناس هما بهم كفر» ليس المراد بالكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولكن المراد به الكفر الأصغر، الكفر الأصغر الذي ينقص من توحيد العبد وإيمانه، بحسب ما يقوم بجوارح ذلك العبد، وما يحصل من ذلك العبد من هذه الخصال التي نهى عنها الشرع. فالطعن في النساب سيأتي معنا معناه. والنياحة على الميت كذلك. لكن المقصود أن من وقع منه هذا الأمر، أو وقع في هذا الأمر، لا يكون كافرًا كفرًا أكبر، لماذا؟ لأن هذه من خصال الكفر، وليست هي الكفر المخرج من الملة. فننتبه، أهل السنة والجماعة يفرقون بين الكفر والكفر، فالكفر عندهم على قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة، وإلى كفر أصغر غير مخرج من الملة. فلا يلتبس علينا الأمر. ومعظم أهل العلم رحمهم الله تعالى ذكر قاعدة، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في التفريق بين الكفر الذي يخرج من الملة، والكفر الذي لا يخرج من الملة. فذكر رحمه الله تعالى أن الكفر الذي جاء في نصوص الشارع محلى بالألف واللام مخرج من الملة، وأن الكفر الذي جاء منكرًا لا يكون كذلك. ولعل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حكم أغلب، حكم أغلب، لا كل، كعادة القواعد أنها أحكام أغلبية. وإلا فإنه يخرج من ذلك صور، يخرج من ذلك صور. فربما يأتي الكفر محلى بالألف واللام، ولا يكون كفرًا أكبر، بل يكون من جملة المعاصي. ومنهم قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. الكافر بالألف واللام، لكن كما هو معلوم في تفسير السلف، وعلى رأسهم حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنما هو كفر دون كفر». فدل هذا على أن الكفر ربما يأتي محلى بالألف واللام، ولا يكون من باب الكفر الأكبر المخرج من الملة، بل يكون من باب الكفر الأصغر. إذن القاعدة المذكورة في أن الكفر المحلى بالألف واللام يكون أو المراد به الكفر الأكبر، لا تكون قاعدة كلية، قاعدة أغلبية. والله تعالى أعلى وأعلم. قوله: «الطعن في النسب» أي عيبه. ويدخل فيه أن يقال: «هذا ليس ابن فلان» مع ثبوت نسبه إليه. يعني الطعن في النسب له صور من الصور: أن ينتقص الغير، أن ينتقص الغير، كان يقول له: «أنت لست بقبيلي، أنت من قبيلة ضعيفة، أنت من قبيلة حقيرة، انظر إلى نسبك». وما شابه ذلك من هذه الألفاظ، الأسباب. وربما كان الطعن في النسب بأن ينسبه إلى غير أبيه عمدًا، كان يعلم أنه ابن فلان ابن فلان، وهو معروف بنسبه، فيقال له: «يا ابن فلان» على سبيل التنقص لنسبه، مع ثبوت نسبه إليه. قال قوله: «والنياحة على الميت» أي رفع الصوت بالندب، وتعداد فضائله. لما فيه من السخط على قدر الله، المنافي للصبر. وهو الشاهد. وهو الشاهد من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى الحديث في هذا الباب، أن النياحة على الميت منافية للصبر على أقدار الله جل وعلا، إذ أن فيها معنى التسخط على أقدار الله جل وعلا. وإذا مات على الإنسان ميت عزيز عليه، بكى وتسخط، وذكر من فضائله ومآثره ومناقبه ما ذكر، على سبيل ماذا؟ التسخط. وعلى سبيل الفخر والخيالاء، كل هذا لا يجوز. وهذا كما سمعتم مناف للصبر على أقدار الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا. ومعنى مرفوعًا أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». قوله: «من ضرب الخدود» قال الحافظ: خص الخد لكونه الغالب. وإلا فضرب بقية الوجه مثلهم. إذن هو من باب ذكر الشيء أو الجزء، والمراد به الكل. ولكن خص ذلك الجزء لماذا؟ لكونه الأكثر، الأغلب. فالغالب في عادة الناس، ولا سيما ما في عادة الجاهليين، بل إلى زماننا هذا، أن بعضهم إذا أصابتهم مصيبة ربما ضرب على... ربما ضرب على وجهه. وليس المقصود أن يضرب على وجهه فقط، بل لو ضرب مثلًا على رأسه، ضرب على رأسه بسبب ماذا؟ المصيبة. أو ما شابه ذلك. أو غير ذلك من قصد. كل ذلك إن كان على سبيل التسخط، فإنه يدخل في هذا المعنى. يدخل في هذا المعنى. يدخل في هذا المعنى. وهو كذلك ظاهر في بياني أن هذا كذلك الحديث. أو إيراد الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث لأجل الخصال الثلاث المذكورة. «ليس منا من ضرب الخدود» لأن فيه تسخط. «وشق الجيوب» كذلك لأن فيه معنى التسخط على أقدار الله. «ودعا بدعوى جاهلية» على ما سيأتي معنا. قال قوله: «ودعا بدعوى جاهلية» قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. وقال ابن القيم: الدعاء بدعوى جاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية: «يا فلان ابن فلان» أي على سبيل فخر والخيالاء. وما شابه ذلك. هذا من دعوى جاهلية. قال: ومثل التعصب إلى المذاهب: «أنا شافعي»، وأخر يقول: «بل أنا حنبلي»، وأخر يقول: «بل أنا مالكي» على سبيل ماذا؟ التفاخر والخيالاء. وما شابه ذلك. والتعصب لهذه المذاهب هذا مذموم. قال: إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعض على بعض، يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي عليه. وهذا هو حقيقة الولاء والبراء الضيق، والتحزب المقيت الذي جاء الشرع بذمه، والنأي عنه. قال: فكل هذا من دعوى الجاهلية. قال: وقد يعفى عن الشيء اليسير من ذلك إذا كان صدقًا. كما قد يعفى عن البكاء إذا كان على غير وجه النوح والتسخط. نص عليه أحمد. بمعنى أن الإنسان قد يحصل منه لا على سبيل التسخط، لكن فجأة يحصل له أمر، فما يدري إلا وقد ضرب رأسه، لا على سبيل التسخط. فكما ذكر رحمه الله تعالى: أنه قد يعفى عن الشيء اليسير من ذلك إذا كان صدقًا. إذا كان ماذا؟ إذا كان صدقًا. وما شابه ذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله: عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شر أمسك عنه العقوبة بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة». يعني عندنا مشكل «حتى يوافى به». ممكن. وممكن أن يقال: «حتى يوافى به يوم القيامة». قال: هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم، وحسنه، وهو حديث حسن. قال قوله: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا». قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة. لماذا نعمة؟ يقول: لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي إنابة إلى الله تعالى، والذل له، والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح. فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا. وهذا من أعظم النعم. ننتبه لكلام شيخ الإسلام رحمه الله: يقول أن المصائب التي يصب الله جل وعلا بها من شاء من خلقه، أن هذه المصائب في ذاتها وفي نفسها هي نعم. نعم في ذاتها، ونعم لما تجلبه على العبد من الرجوع إلى الله جل وعلا، والتوبة والإنابة، والذل لله رب العالمين جل وعلا، والمسكنة بين يدي الله جل وعلا، وقطع الأطماع عن الناس، والتفويض القلب الكلي لله رب العالمين جل وعلا، إلى غير ذلك من معين العبودية. فهي بهذا المعنى نعم عظيمة، يمن بها ربنا جل وعلا على من شاء من خلقه. قال رحمه الله تعالى: فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق، إلا أن يدخل صاحبها بسببها إلى معاص أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرًا عليه من جهة ما أصابه في دينه. فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع، حصل لهم من الجزع والنفاق ومرض القلب والكفر الظاهر، وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات، ما يجب له ضررًا في دينه. قال: فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة. كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة، كانت في حقه نعمة، كانت في حقه نعمة دينية. فهي بعينها فعل الرب عز وجل، فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق. والله تبارك وتعالى محمود عليها. فمن ابتلي فرزق الصبر، كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصله مع ما كفر من خطاياه رحمة، وحصله بثنائه على ربه صلاة من ربه عليه. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وحصله غفران السيئات ورفع الدرجات. فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. انتهى ملخصًا. وهو كلام عظيم يلخص به. وفيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فضل الصبر، وأن العبد كلما انتفع بما أصابه الله جل وعلا، بأن يرجع إلى الله، وأن يصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة، كان ذلك في حقه خير، كان ذلك في حقه خير عاجل وآجل، في العاجل وفي الآجل. قال قوله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». حسنه الترمذي. وهو كذلك حديث حسن. قال قوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء» بكسر العين وفتح الضاد فيهما. ويحتمل ضمهما مع سكون الضاد. أي «وإن عظم الجزاء». والكل بمعنى واحد: عظم، وعظم، أو عظمة. أي عظم الجزاء. قال قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء إذا صبر واحتسب، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها». وهو ظاهر. بمعنى أن العبد على قدر صبره على المصائب التي يبتليه بها ربه جل وعلا، يكون الجزاء، ويكون الثواب. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجرك على قدر نصبك». والمراد على قدر تعب الذي يصيب العبد، مع الصبر على ذلك، مع الصبر على ذلك. أما إذا كان من غير صبر، فإنه لا شيء له من الثواب، بل قد يعاقب إذا كان ذلك سببًا لتسخطه على أقدار الله جل وعلا. أما العبد إن صبر واحتسب، الثواب من الله رب العالمين جل وعلا. فإن عاقبة الصبر حميدة. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فهو فضل ورحمة من الله جل وعلا، يمن بها على من شاء من عباده. إن أحسن العبد مع الله جل وعلا، أحسن الله جل وعلا عليه أعظم الإحسان، بصبره على أقدار الله، على أقدار الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم». وفي الحديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الناس أشد بلاء؟» أي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص بسند حسن. قال: وفي الحديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الناس أشد بلاء؟» قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه. فما يبرح البلاء بالعبد - أي لا يزال - لا يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة. انظر إلى فضل الله جل وعلا على العبد، إن ابتلاه، وصبر العبد على ذلك البلاء، يسير العبد على الأرض، وليس عليه خطيئة. قال: رواه الدارمي وابن ماجة والترمذي، وصححه. وقوله: رواه الترمذي وابن ماجة، الصواب في ابن ماجة، ونحوه من الأصحاب، الكتب. وما شابه ذلك أن يقال: بالهاء. لا يقال: «ابن ماجة» ولكن «ابن ماجة» بالهاء. قال قوله: «فمن رضي فله الرضا» أي من الله. «ومن سخط فله السخط» كذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على