شرح القواعد المثلى  55

شرح القواعد المثلى 55

الدرس في شرح القواعد المثلى 55، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة الشيخ ابن عثيمين في التكفير والتفسيق

يشرح المقطع قاعدة الشيخ ابن عثيمين في عدم التعجل بالحكم على الطوائف أو الأفراد بالكفر أو الفسق، مبيناً أن الحكم مرده إلى الكتاب والسنة فقط، وأن الأصل في المسلم العدالة والإسلام حتى يقوم الدليل الشرعي على زوال ذلك. كما يحذر من محظورين عظيمين للتسرع في التكفير: الافتراء على الله وعلى المحكوم عليه، وارتداد حكم التكفير على قائله إن كان المحكوم عليه بريئاً منه، مستدلاً بحديث صحيح في ذلك.

شروط الحكم بالكفر أو الفسق على المسلم المعين

يشترط للحكم على المسلم بالكفر أو الفسق أمران: وجود دليل من الكتاب أو السنة على أن القول أو الفعل موجب لذلك، وانطباق الحكم على الشخص المعين بتوفر الشروط وانتفاء الموانع. ومن أهم الشروط علم المخالف بحكم ما فعل، وإقامة الحجة عليه، فإن كان جاهلاً أو أكره أو تأول فتاب، لم يُحكم بكفره.

موانع التكفير: العلم بالبيان والإكراه وإغلاق الفؤاد

يبيّن المقطع أن التكفير يشترط فيه علم المخالف بالحجة وقيام البيان عليه، فلا يكفر جاحد الفرائض حديث العهد بالإسلام أو في بلاد الكفر حتى يُبيّن له. كما يذكر موانع التكفير ومنها الإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان، وإغلاق الفؤاد لشدة فرح أو حزن أو خوف فيصدر عن الإنسان كلام كفر غير قاصد، مستدلاً بحديث صاحب الراحلة في صحيح مسلم.

تأجيل شرح كلام شيخ الإسلام للدرس القادم

قرر المتحدث تأجيل مناقشة كلام شيخ الإسلام لطولها إلى الدرس القادم، واختتم الجلسة بقوله والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وحمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "القواعد المثلى": وقال: "فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟" بمعنى: عرفنا الآن بعض الطوائف قد ضلت في هذا الباب، باب الأسماء والصفات، وكيف نحكم عليهم؟ هل هم كفار؟ هل هم فساق؟ فهذه المسألة مهمة، لا تقل أهمية عن المسائل المتقدمة معنا في هذا الكتاب. فالعلماء في مسألة هؤلاء الطوائف نظروا إلى أصول هذه الطوائف. فمثلاً: الجهمية كفرها العلماء لأنهم غلوا في هذا الباب، بخلاف مثلاً الأشاعرة فلم يكفرهم لأنهم متأولون ولم يؤولوا جميع الصفات. والشيخ هنا حذر من تكفير هؤلاء وتفسيقهم لأن هذه المسألة خطيرة، ولا يتعجل فيها، خصوصاً للحكم على الأفراد، لا بد من التحري في ذلك. ولذلك يقول هنا: "قلنا" - يعني جواباً على هذا السؤال -: "الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فلا نكفر إلا من كفره الكتاب والسنة، ولا نفسق إلا من فسقه الكتاب والسنة". وأيضاً هذه المسألة يبتعد عنها طالب العلم ويتركها للعلماء الراسخين، لا يخوض في هذه المسائل، وإنما يقول: لو سئل عن فلان أو عن طائفة، ماذا قال العلماء في هذه الطائفة أو في هذا الرجل؟ يسأل سؤالاً خاصاً عن هذا الرجل، سواء كان في التكفير، سواء كان في التبديع، سواء كان في التحزيب، سواء كان في التفسيق، هذا يرجع إلى الكتاب والسنة وعلماء الأمة. فبهذا يسلم الإنسان، بهذا يسلم، ولا يبتدئ يقول: "أرى وأرى"، لأن هذه المسألة خطيرة، وهذه المسألة تحتاج إلى علم، وإلى جمع، وإلى تثبت، تثبت ونحو ذلك. ولذلك قال هنا: "فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه". ثم قال: "والأصل في المسلم الظاهر العدالة، بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي". ومعنى كلامه ذلك: أن مسألة التكفير والتفسيق نقل عن أصل، نقل عن أصل؛ لأن الأصل في المسلم العدالة، والأصل فيه الإسلام، والأصل فيه السنة، فلا نخرجه إلا بما دل عليه الكتاب والسنة من دليل يدل على إخراجه، يدل على إخراجه. فهذا معنى قوله: "حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي". ولا يجوز التساهل في تكفير أو تفسيق، لأن في ذلك محذورين عظيمين. يعني: التسرع والتعجل في التكفير والتفسيق فيه محظوران عظيمان. ما هما؟ قال: "أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به". هذا المحظور الأول: لو أنك كفرت من ليس بكافر، أو فسقت من ليس بفاسق، فهذا افتراء وكذب على الله وعلى هذا المحكوم عليه؛ لأن التكفير لله هو الذي يحكم فيه في كتابه أو في سنة نبيه. إذا كان التحليل والتحريم لغير علم حرمه الله وشدد في أمره، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]. هذا في التحليل والتحريم، فكيف بهذا الأمر العظيم وهو التكفير والتفسيق؟ فيكون أمره أشد. ففيه هذا المحظور: افتراء الكذب على الله في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف. قلت: كافر وليس بكافر، قلت: فاسق وليس بفاسق، فهذا افتراء على هذا الشخص الذي نبزته بهذا الأمر. قال الشيخ: "الثاني" - يعني المحظور الثاني -: "الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالماً منه". إذا قلت لفلان: "يا فلان كافر"، وليس بكافر، رجع هذا النبز أو هذا اللقب إليك، فصرت أنت الكافر بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال الشيخ هنا: "الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالماً منه". قال: "ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا﴾". ومعنى "باء بأحدهما": صار أحدهما كافراً. فإن كان هذا المحكوم عليه بالكفر كافراً، صار هو الكافر، هذا الذي حكم عليه. وإن لم يكن كافراً رجعت على الآخر، رجعت على الآخر، كما بين ذلك الرواية، كما بين ذلك الرواية الأخرى. قال: "وفي رواية: ﴿إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ﴾ يعني أنه كافر، ﴿إِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ﴾، وإلا رجعت عليه". قال: "وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه: ﴿وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَٰلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ﴾"، يعني: رجع عليه هذا الأمر. وعلى هذا، فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين، أو أن ينظر في أمرين: أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق. لماذا كفرت فلان؟ قال: لأنه مثلاً... لأنه استجلب كافراً ليعمل معه، ما إن شاء الله... هل هذا في الكتاب والسنة حكم الله عليه بالكفر؟ لو جئت بإنسان كافر يعمل معك مجرد عمل دنيوي، هل يكون كافراً؟ ما دل الكتاب والسنة على ذلك. فهمتم هذا الآن؟ كفرت فلان، لماذا؟ قال: يا أخي، لأنه يشرب الخمر ويجهر بها، ما يراعي الشرع، ما يراعي الإسلام أمام الناس يشرب، وفي رمضان أيضاً الناس صيامه يأكل ويشرب. إيش بعد هذا؟ هل الشرع حكم على من فعل هذا بالكفر؟ لا. إذن هنا معنى قوله: "أحدهما دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق". مثال القول: مثلاً شخص قال: فلان كافر. لماذا كافر يا أخي؟ قال: لأنه مثلاً قال... على سبيل المثال، مثلاً لأنه قال: "أنا بودي أن أسكن في بلاد الكفر لأن فيها أموال، وفيها عن دنيا أحسن من بلاد الإسلام". قال: إذن هذا يحب الكفر. من قال هذا ربما قصده الدنيا، لا، ليس قصده بغض الدين. فليس كل قول يكون صاحبه كافراً، بل ننظر إلى موجب الكتاب. حتى لو كان هذا القول أو هذا الفعل كفر، ينظر أيضاً للموانع كما سيبين الشيخ أيضاً. قال: "الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفعل المعين". ولذلك تجد بعض أهل العلم يحكم حكماً عاماً مثلاً على بعض الفرق، فيقول مثلاً على سبيل المثال: "إخوان المسلمون ليسوا من أهل السنة، بل هم من أهل البدع". طيب، هل كل من انضم إلى هذه الجماعة يكون من أهل البدع؟ لا، قد يكون شخص هو من أهل السنة أصلاً، لكنه انضم إلى هذه الجماعة اغتراراً بهم، أو عدم معرفة لأحوالهم، أو نحو ذلك. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قول: "انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفعل". هل ينطبق القول بالفسق أو الكفر أو البدع على هذا القائل المعين، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع؟ فلا بد من إقامة الحجة عليه، ومعرفة السبب في وقوعه في هذا، وما يسميه العلماء بتوفر الشروط وانتفاء الموانع: توفر شروط الكفر وانتفاء موانع الكفر. فإن الكفر والفسق له شروط، وله موانع تمنع من تكفير هذا الشخص. واضح هذا الآن؟ قال الشيخ رحمه الله: "ومن أهم الشروط..." ما هي هذه الشروط التي بها نحكم بالكفر أو الفسق على هذا المعين؟ ما هي هذه الشروط؟ قال: "ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً". شخص وقع مثلاً في كفر، على سبيل المثال: دعا غير الله، فجاء فلان قال: فلان كافر، أنا شفت يقول: "يا الولي الفلاني"، وحكم عليه بالكفر. جئنا بالشخص الفلاني: يا فلان، أنت تقول "يا الولي الفلاني"؟ قال: نعم. قلت: هذا إيش؟ في هذا إذا لا هذا شرك، لأن معنى "يا الولي الفلاني" أنك دعوت غير الله، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. قال: الله، العفو، أنا ما أدري هذا كفر، هذا شرك، تبت إلى الله، خلاص ما سأقول ذلك. إذن أنت الآن حكمت عليه بالكفر دون أن تعلم، أو دون أن تستفسر: هل هذا الرجل فعل هذا عن علم، والله، عن جهل؟ وإلا عن جهل؟ إذا كان عن جهل ورجع بعد قيام الحجة عليه، إذا ليس بكافر. لكن إذا أصر، هنا نعم نحكم عليه بالكفر بعد انتفاء الموانع. فهمت هذا الآن؟ فهذا معنى قول: "أن يكون عالماً بمخالفته". إنسان سب الدين، قلت: إلا أنت كافر. قال: سب الدين كفر. أنا ما أدري، وكذا قيل له: إذن تب إلى الله. تاب إلى الله وما عادي لهذا. إذن لا نحكم عليه بالكفر مباشرة حتى نقيم عليه الحجة. سمعنا شيخ الإسلام في سب الدين لم يفصل، أطلق الكفر، ولو كان ليس بعالم، لكن بعضها للعلم ذكر هذا. قال: "أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً"، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ﴾ [النساء: 115]، "من بعد ما تبين له الهدى". لكن الذي ما يتبين له فلا يؤاخذ على هذا، بل يعلم. قال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. الشاهد: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والشاهد: ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ﴾. قال: وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]، "حتى يبين لهم". إذن هذا معنى قوله: "أن يكون عالماً بمخلدته" - يقصد مخالفته -، "لابد من البيان له". ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 115-116]. فإذن هذا من أهم الشروط: أن يكون عالماً بمخالفته. قال: "ولهذا قال أهل العلم: لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام حتى يبين له". وهذا أكثر ما يكون في بلاد الكفر التي ليس فيها ظهور الإسلام. إنسان بعيد، ما سمع بإسلام، ولا سمع بدين، ولا سمع بشيء، وجحد الفرائض، يقول: ما في صلاة، ما في صيام، ما في... وهو قد دخل الإسلام لكن ما تعرف على الإسلام، ما تعرف على هذه الفرائض، تعرف أن الإسلام أن تقول: لا إله إلا الله، كما هو حال كثير من هؤلاء، وما يعرف صلاة، ولا زكاة، ولا صيام، ولا شيء من ذلك، فإنه لا يكفر حتى يبين له. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، "حتى نبعث رسول". هذا هو معنى قول الشيخ رحمه الله. قال: "ومن الموانع..." من موانع الكفر التي تمنع من تكفير من فعل أو قال الكفر: "أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه"، يعني: كأن يكون مضطراً إلى ذلك، مكرهاً. فعل كفر لكنه مكره، فهنا مانع من الموانع. قال: "ولذلك صور: منها أن يكره على ذلك فيفعل لداع الإكراه، وطمأنينة به، فلا يكفر حينئذٍ"، لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. وهذا يقع: إنسان مثلاً أكره على السجود لصنم، أكره، أكره، أكره على الطواف بقبر أو نحو ذلك، إما أن تفعل ولا تقتل، يفعل وقلبه مطمئن بالإيمان. ربما يسجد لصنم وهو يعظم الله ويذكر الله بقلبه، ما يدرون ما في قلبه. مع أن فعل السجود لصنم هذا كفر، ظاهره الكفر، لكن ما الذي منع من تكفيره؟ الإكراه، الإكراه. واضح. قال: "ومن الموانع: أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه". هذا قد أخذنا. قال: "ومنها: أن يغلق عليه فؤاده، فلا يدري ما يقول، لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك". إنسان كان في فرح شديد، فمن شدة الفرح تكلم، كما سيأتي معنا في الحديث، وقال مثلاً: "أحمد أبي"، إذ فرج عني هذه الفرج وشفاني، ويريد يقول: "أحمد ربي"، قال: "أحمد أبي"، لأنه قيل له: "أنت كافر، الذي فرج عنك ليس أباك، ليس أبوك، بل هو الله". يقول: "لا، أنا ما أردت هذا". هذا مانع. أو شدة تخوف، خائف من شيء فنطق بكلمة الكفر، كما سيأتي في الحديث في صاحب الراحلة، لما قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". انظر: من شدة الفرح، من شدة الفرح، فهل يعد كافراً؟ لا يعد كافراً، لأنه لم يقل ذلك متعمداً وقاصداً، وإنما من أجل إغلاق فؤاده. قال: "ودليل ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَٰلِكَ إِذَا هِيَ بِهِ قَائِمَةٌ﴾". انظروا هذا فرح شديد. خلاص هذا موت محقق، هو الآن منتظر الموت، ضاعت الراحلة، وما عنده لا طعام ولا شراب، وما عنده أحد، إنس ولا جن ولا شيء. إنسان هذا ما عنده طعام وشراب، ألا سينتظر الموت؟ فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة، قام وجد الراحلة قائمة أمامه، وفيها طعامه وشرابه. قال: ﴿فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ﴾. عكس: بدلاً من أن يقول: "أنت ربي وأنا عبدك"، قال: "أنت عبدي وأنا ربك". أخطأ من شدة الفرح. الكلام هذا كلام كفر، لكنه لم يكفر، لماذا؟ لأنه ما قال ذلك قاصداً، وإنما قال ذلك من شدة الفرح، من شدة الفرح. طيب، نؤجل كلام شيخ الإسلام إن شاء الله لأنه طويل، إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.