شرح القواعد المثلى  39

شرح القواعد المثلى 39

الدرس في شرح القواعد المثلى 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

رد شبهة التعطيل في معية الله وبيان حقيقتها الشرعية واللغوية

يرد الشيخ على زعم أن معية الله تقتضي الحلول والاختلاط، مبيناً بطلان هذا القول لمخالفته عظمة الله ولغة العرب وإجماع السلف. ويقرر أن المعية الواردة في القرآن هي معية عامة تقتضي العلم والإحاطة والقدرة والسلطان والتدبير، لا المماسة والمخالطة.

أنواع المعية الإلهية: العامة والخاصة ونفي الاختلاط والحلول

يميز المقطع بين المعية العامة الشاملة للعلم والإحاطة والقدرة على جميع الخلائق، والمعية الخاصة بالقرب والتأييد والنصرة للمتقين والمؤمنين. ويؤكد ثبوت علو الله واستوائه على العرش مع كونه مع خلقه علمًا وقدرةً وتدبيرًا بما يليق بجلاله مستدلاً بآيات سورة المجادلة.

تفاوت دلالات المعية الإلهية بحسب سياق الآيات والأحاديث

يشرح المقطع أن معنى "معية الله" يختلف باختلاف الموارد والسياق؛ فآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تُفسر بمعية العلم لسياق أول الآية، بينما معية النبي في الغار ومعية المتقين تدلان على معية خاصة بالنصر والتأييد، وهذا التفريق مراعاة لظهور الخطاب وسياقه لا تحريفاً.

ختام الجلسة والإشارة لاستكمال المبحث لاحقاً

أشار المتحدث إلى أن الشيخ أطال في المبحث الحالي، واكتفى بما تم قراءته في هذه الجلسة على أن يستكمل الباقي في وقت لاحق إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فلا يزال الشيخ -رحمه الله- وقد أطال في هذا المبحث لأهميته، يرد على شبهة يريدها أهل التعطيل والتحريف، وهو ما يتعلق بالمعية، وهو معكم. فانتقدوا على أهل السنة تفسيرهم للمعية بما يقتضيها، أو بما تقتضيها من العلم والإحاطة والمصرة والتأييد والسلطان، ونحو ذلك من معاني الربوبية. فرد الشيخ عليهم، وأن هذه الآية على ظاهرها، هذه الآيات على ظاهرها، وأن المعية تليق بجلال الله عز وجل، ولا يستلزم منها الاختلاط والحلول. فلا يزال يرد على هؤلاء القائلين بذلك. فبعدما ذكر بطلان ما يقول هؤلاء من أن هذه الآية تقتضي الحلول والاختلاط، بين أن هذا القول الباطل من وجوه، وذكر ثلاثة وجوه. ثم قال رحمه الله: "ولا يمكن بمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أن يقول إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطًا بهم أو حالًا في أمكنتهم، فضلًا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرب جل وعلا". صدق رحمه الله، فلا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، فإن هذا القول ينقص من عظمة وجلال الرب سبحانه وتعالى. القول بالاختلاط والحلول كما تقدم في الأوجه، فيه نقص في حق الله عز وجل. فكما تقدم أنه يستلزم من ذلك لوازم باطلة لا تليق بالله، وأيضًا مخالف لإجماع السلف، ومناف للكتاب والسنة، وأيضًا اللغة العربية لا تدل على هذا. فمن معاني المعية وما تقتضيه المعية: العلم والإحاطة. وهذا أمر معلوم، ليس معية الله عز وجل فحسب، بل حتى معية الخلق. فكما تقدم: تقول فلان زوجته معه، وتريد في ذمته وفي عقده ولم يطلقها. فهذا مما تقتضيه المعية. سرنا والقمر معنا، أي مصاحب لنا، وليس مختلطًا بنا. فهذا هو قصد المؤلف رحمه الله. فمن قال بهذا القول: أن المعية المراد فيها الاختلاط والحلول، فهذا لم يعظم الله حق تعظيمه، ولا قدره حق قدره، ولا عرف مدلول اللغة العربية. نعم، قال: "فإذا تبين بطلان...". فإذا تبين بطلان هذا القول، تعين أن يكون الحق هو القول الثاني. وما هو القول الثاني؟ أن المراد بالمعية ما تقتضيه من العلم والإحاطة والقدرة والسلطان والنصرة والتأييد. ونحن ذلك واضح. قال: "تعين أن يكون الحق هو القول الثاني، وهو أن الله تعالى مع خلقه معية... أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا". وهذه المعية العامة، لذلك العلماء فسروا المعية في الآيتين بالمعية العامة. لأن الآية الأولى في سورة الحديد، قال الله عز وجل في سورة الحديد -الذي ذكرها المؤلف في أول هذه الشبهة-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾. الخطاب هنا لعموم الناس، صح؟ فلذلك جاء عن السلف من فسرها بالعلم، وهو ما تقتضيه هذه المعية؛ لأنها معية عامة. والمعية معيتان: معية عامة، ومعية خاصة. فالمعية العامة هي ما تدل عليه المعية بهذه المعاني العامة من العلم، فالله عز وجل عليم بجميع خلقه، وعلى الإحاطة فالله محيط بجميع خلقه، وعلى القدرة فالله قادر على جميع خلقه، والسمع والبصر والسلطان، كل هذه عامة. وهناك معية خاصة، وهذه ما تسمى عند بعض العلماء بمعية القرب، وهي بمعنى التأييد والنصرة. وهذا وردت في قول الله عز وجل: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. هذا معية خاصة: التأييد والنصرة. وفي قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾. هذه أيضًا معية خاصة، والله مع المتقين معية خاصة بمعنى القرب. فهمتم هذا الآن؟ فإذن ما فسره العلماء من هذه التفاسير، هذا في المعية العامة، في المعية العامة وهي ما تقتضيه الآيات. هذا في سورة... الحديث في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. إذن هذه معية عامة، فلذلك فسرها العلماء بالعلم والإحاطة والقدرة والسلطان؛ لأن هذه معاني عامة. فهمتم هذا الآن؟ قول هنا: أن معنى المعية أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته، مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه. فالله عز وجل مستوٍ على عرشه، وأيضًا مع خلقه سبحانه وتعالى. لكن هذه المعية لا تقتضي اختلاطًا، ولا تقتضي كذلك حلولًا. فهو علي سبحانه وتعالى، وأيضًا قريب من عباده. والله عز وجل لا يشبه بالمخلوق. هذا لا يتصور في حق المخلوق أن يكون عاليًا وقريبًا، أو أن يكون عاليًا وعليمًا بكل شيء، هذا في حق من... في حق المخلوق. أما الله سبحانه وتعالى فليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. فإذن نثبت لله عز وجل العلو، ونثبت له الاستواء سبحانه وتعالى على العرش، ونثبت له أنه مع خلقه معية تليق بجلاله، وتنزه عن كل ما لا يليق بالله من نقص وعيب. فهذه المعية لا تقتضي اختلاطًا ولا حلولًا، إنما تقتضي علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة، ونحو ذلك من معاني الربوبية. نعم، قال: "وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب". الآية التي في سورة... الحديث، والتي في سورة... المجادلة. قال: "لأنهما حق، ولا يكون ظاهر الحق إلا حقًا". الآيتان حق، وظاهرها حق. وما هو ظاهر هاتين الآيتين؟ أن المراد بالمعية ليس الاختلاط والحلول. واضح هذا الآن؟ هذا معنى قوله: "ولا يكون ظاهر الحق إلا حق". ما معنى ظاهر الحق؟ يعني ظاهر الآية. نحن الآن نتكلم على رد شبهة هؤلاء، وهم قالوا: ظاهر الآية يقتضي الاختلاط، وهو معكم أي بذاته ومختلط بخلقه وحال فيهم. فهذا ليس هو ظاهر الآية؛ لأنه معنى باطل، ولا يكون ظاهر الآية معنى باطلًا، ليكون معنى حق. فإذن المعنى الحق: أن الله عز وجل مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا، إلى آخره. قال: "ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدًا". فهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾. فالقرآن حق، فحاشى أن يكون ظاهره باطلًا أبدًا، وإنما ظاهره يكون حقًا. هذا هو معنى كلامه رحمه الله تعالى. ثم قال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، وما يسمى بالحموية، كتاب معروف يدرس عند أهل السنة. قال: "من مجموع الفتاوى لابن القاسم". ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد. ومعنى "بحسب الموارد": يعني بحسب السياق الذي تدل عليه الآية. قال: "فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، إذن هذا الآن يدل على ماذا؟ أول الآية على أن الله بكل شيء عليم". فانظروا: أولًا ذكر سبحانه وتعالى في أول الآية أنه يعلم ما يلج في الأرض، ومعنى ما يلج: لما يدخل فيها من المياه، من النبات، من المطر، من أي شيء فيها يدخل، فالله عز وجل يعلمه. حتى الذرة، ما دق وكبر وعظم، كل ذلك يعلمه. فإذن أول الآية تدل على العلم، أليس كذلك؟ فإذن المراد في آخر الآية بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ تدل على العلم. هذا معنى قوله: "ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد". فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾، دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه. لماذا فسر السلف المعية هنا بالعلم؟ لأن أول الآية يدل عليها. فهمتم هذا الآن؟ فهل هذا من التحريف؟ ها، هل هذا من التحريف؟ هذا ليس من التحريف؛ لأن أول الآية يدل على ذلك. فلذلك فسرها من السلف من فسرها بماذا؟ بالعلم. فسرها بماذا؟ بالعلم. قال: "وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته؛ لأن أول يدل على العلم، ففسره السلف بالعلم". وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، الآية تدل على ماذا؟ على العلم. فإذن هذا معنى قوله: "تختلف أحكامها بحسب الموارد"، يعني بحسب سياق الآية. قال: "ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»"، كان هذا أيضًا حقًا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا: معية الاطلاع والنصر والتأييد، وهي ما سميناه بالمعية... الخاصة. لكن هل أيضًا بمعنى العلم؟ نعم، فالله عز وجل يعلم نبيه أنه في هذا الغار مع صاحبه أبي بكر، وأيضًا معهم بنصره وتأييده لهما. ولذلك نصر الله عز وجل نبيه، ولم يستطع المشركون أن يلحقوا النبي عليه الصلاة والسلام. واضح؟ فإذن دل سياق هذه الآية: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، المعية الخاصة. ولذلك تجد في كتب بعض التفسير: "إن الله معنا" يعني مؤيد وناصر لنا. لماذا ما قال: عالم بنا؟ لأن وإن كان هذا من معنى المعية، لكن في هذا الموضع ومورد هذه الآية يدل على أن المعنى: النصر والتأييد. مثل القول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾. طيب، وهل الله مع غير الذين اتقوا؟ نعم، معهم بعلمه. لكن مع الذين اتقوا بماذا؟ بنصره وتأييده. فهمتم هذا الآن؟ فكما ذكر شيخ الإسلام أن المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، يعني بحسب سياق الآية. هذا هو المعنى، والله تعالى أعلم. وكما ذكرنا، الشيخ أطال في هذا المبحث، وحسبنا أن نقرأ شيئًا فشيئًا حتى نكمل إن شاء الله. نكتفي بهذا في هذا اليوم، إلى هنا، والله تعالى أعلم.