الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 53، ألقاها
يشرح الشيخ مناسبة باب السحر لكتاب التوحيد، مبينًا أن السحر كفر وشرك بالله. يذكر دليلًا من القرآن الكريم على أن تعلم السحر يستلزم الكفر بالله.
يتناول المقطع تعريف السحر وأقسامه، حيث يبين أن السحر من الشرك بالله تعالى، وينقسم إلى سحر حقيقي وسحر تخيلي عند أهل السنة والجماعة. يذكر أقوال العلماء في تعريف السحر.
يذكر أقوال العلماء في تعريف السحر، ويشير إلى اختلاف تعاريفهم له. تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الدعاء بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»، حاشية كتاب التوحيد: قال رحمه الله تعالى: قوله: باب ما جاء في السحر. وقوله: قوله، أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، صاحب المتن. وقوله رحمه الله تعالى: باب، مر معنا مرارًا أن الباب يُطلق على المدخل، وهو هاهنا مدخل معنوي. وقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في السحر، أي مدخل لمعرفة ما جاء من الأحكام والأدلة والمسائل في السحر. أولًا: علاقة الباب بكتاب التوحيد، ومناسبة الباب لكتاب التوحيد هو أن السحر -كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا- لا يتوصل إليه إلا بأن يتقرب الساحر إلى الشيطان بقرب يتقرب بها إليه، حتى يصير ذلك الشيطان مأمورًا ومطاعًا لذلك الساحر. وحقيقة هذا الأمر كفر بالله جل وعلا وشرك بالله جل وعلا، وهو مناقض ومنافٍ لأصل التوحيد. فعلم من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يبين وأن ينوّه وأن يعلم الناس بأن السحر نوع من الشرك بالله جل وعلا؛ لأن الساحر -كما سمعتم- لا يتوصل إلى مقصده ومراده، ولا يتعلم السحر حتى يكفر بالله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾. فدلت الآية على أن الساحر لا يتوصل إلى سحره إلا بتعلم السحر، ولا يتعلم السحر إلا بعد أن يكفر بالله جل وعلا، وأن يشرك بالله جل وعلا، وأن يتقرب إلى وليه من الشياطين حتى يصير ذلك الشيطان معينًا له ووليًا له في سحره فيما بعد ذلك. فعلم من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى بوب بهذا الباب ليبين أن من الشرك بالله جل وعلا السحر؛ أن من الشرك بالله جل وعلا تعلم السحر والعمل به. وقد مر معنا مرارًا أن الشيخ رحمه الله تعالى بوب في هذا الكتاب العظيم المبارك أبوابًا كلها تصب في معرفة التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به رسوله من أولهم إلى آخرهم، وذكر رحمه الله تعالى كذلك الأبواب التي تبين معنى ذلك التوحيد وحقيقة ذلك التوحيد وفضل ذلك التوحيد، وكذلك مكملات ذلك التوحيد. وفي المقابل أيضًا بين رحمه الله تعالى ما يناقض التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به رسوله من الشرك بالله جل وعلا، وهو أنواع كثيرة، ومنها السحر. وكذلك ذكر في هذا الباب منقصات ومضعفات التوحيد، سواء كان مما يعمله الجهال من الشرك بالله جل وعلا. فالسحر -كما سمعتم- من الشرك، فإنه منقص ومضعف لكمال التوحيد. فعلم من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى بوب بهذا الباب لمناسبة عظيمة، وهي معرفة أن السحر نوع من الشرك بالله جل وعلا. وهناك مناسبة أخرى لكون الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله، وهو باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. ثم ذكر رحمه الله تعالى هذا الباب بعده، وهو قوله: باب ما جاء في السحر. فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يشير إلى أن من عبادة الأوثان السحر؛ لأن الساحر لا يتوصل إلى السحر إلا بعبادة الشيطان والتقرب إلى الشيطان وطاعة الشيطان، وهذا في الحقيقة عبادة للأوثان. قوله: ما جاء، أي ما جاء من الأدلة الدالة على حرمة السحر وأنه كفر بالله جل وعلا. والسحر في اللغة هو عبارة عما خفي ولطف سببه -كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا-، وشرعًا كذلك سيأتي تعريفه. ومما ينبغي أن يعلم، وكذلك يُنبه عليه هاهنا، هو أن السحر عند أهل السنة والجماعة على قسمين: سحر حقيقي، وسحر تخيلي. فأما السحر الحقيقي، فهو عبارة عن رقى وعقد وطلاسم، بها يستعين الساحر بالشيطان في التأثير على المسحور بإذن الله جل وعلا، تأثيرًا حقيقيًا في بدنه، وفي عقله وتفكيره، وفي أشياء كثيرة. وهذا النوع أثبته أهل السنة والجماعة، ونفاه المعتزلة. النوع الثاني من أنواع السحر هو السحر التخيلي، وهو أن يخيل للإنسان أنه فعل شيئًا والشيء ذلك لم يفعل. وذلك قد يكون باستخدام الشياطين بسحر أعين الناس، وقد يكون بالحركات السريعة التي يفعلها بعضهم، فكأنه فعل الشيء وما فعله. قال رحمه الله تعالى: قوله: باب ما جاء في السحر، قال: أي والكهانة. السحر والكهانة. وسأتي معنا الكلام على الكهانة في الباب القادم بإذن الله جل وعلا، فنؤخر الكلام عليه إلى موضعه المناسب بإذنه سبحانه وتعالى. إلا أن نعلم هاهنا ونستفيد من قول الشيخ رحمه الله تعالى: باب ما جاء في السحر، أي والكهانة، أن الكهانة من السحر؛ لأن الكاهن كذلك لا يتوصل إلى ما يتوصل به أو إليه من معرفة المغيبات إلا بالاستعانة بالشياطين، وليستعين بالشياطين إلا بعد أن يتقرب إليهم. قال رحمه الله تعالى: السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه. ولهذا جاء في الحديث: «إن من البيان لسحرًا». قال: وهذا من التشبيه البليغ، شبهه بالسحر لكونه بالبيان يحصل منه ما يحصل من السحر. قال رحمه الله تعالى: قال أبو محمد المقدسي رحمه الله -وهو الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى، صاحب كتاب المغني وغيره، ومنه كتاب الكافي في فقه الحنابلة-: السحر عزائم ورقى، ومنها يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه. قال الله تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾. وقال ربنا جل وعلا: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. قال: ولولا أن للسحر حقيقة لم يؤمر بالاستعاذة منه، فدل على أن الاستعاذة من السحر والنفث في العقد على أن له حقيقة. ومما ينبغي أن يعلم أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا تعاريفًا مختلفة متباينة في السحر. فمن هذه التعاريف -كما سمعتم- ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا: عزائم ورقى. قال: وابن جرير الطبري رحمه الله تعالى له تعريف آخر، فقال: هو خدع ومخاريق ومعاني يفعلها الساحر حتى يخيل إلى المسحور الشيء بخلاف ما هو به. وذكر الكفوي في كتابه الكليات أن السحر مزاولة النفوس الخبيثة -المرادة النفوس الخبيثة الشياطين والعياذ بالله- مزاولة النفوس الخبيثة لأفعال وأحوال يترتب عليها أمور خارقة للعادة لا يتعذر معارضتها. وأما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فله كذلك تعريف في كتاب الأم، فقد عرف رحمه الله تعالى السحر بقوله: السحر اسم جامع لمعاني مختلفة. وقوله: اسم جامع لمعاني مختلفة، يدل على أن السحر أنواع ومعاني مختلفة متباينة. لذا قال علامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتاب أضواء البيان: اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد مانع؛ يقول: لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته. قال: ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعًا لها مانعًا لغيرها. قال: ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في هذا اختلافًا متباينًا. فعلم من هذا أن السحر بسبب كثرة صوره وأنواعه وتباينها اختلف العلماء رحمه الله تعالى في ضبطه، ولا يستطيع إنسان أن يضبطه بضابط عام جامع مانع، ولكن يعرف كل نوع بحسبه. فنكتفي بهذا في هذا اليوم لانتهاء الوقت. وإلى درس آخر بإذن الله جل وعلا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.