شرح الجوهرة الفريدة 24

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 24، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في عقيدة أهل السنة حول القرآن

القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو ما يؤمن به أهل السنة والجماعة، بينما يخالفهم الجهمية والمعتزلة في ذلك. الجعد بن درهم كان أول من قال بخلق القرآن.

الرد على الجهمية والمعتزلة

يناقش الرد على آراء الجهمية والمعتزلة حول خلق القرآن، مستدلا بالأدلة من القرآن والسنة على أن كلام الله ليس مخلوقا وأنه يتكلم بحرف وصوت.

الرد على الكلابية والأشاعرة في مسألة كلام الله

يتناول الرد على الكلابية والأشاعرة الذين يعتقدون أن كلام الله معنى قائم بنفسه، ويبين أن القرآن يدل على أن كلام الله قول حقيقي يُسمع.

نزول الوحي على الأنبياء وتوضيح دوره

يشرح أن الله هو المتكلم بالوحي وأن جبريل عليه السلام ينزل به على الأنبياء، ويشير إلى وجود مباحث أخرى متعلقة بهذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. ولهم بعد، قد ذكرنا في الدرس الماضي قول الناظم رحمه الله تعالى: ثم القرآن كلام الله، ليس كما قال الذين على الإلحاد قد مردوا. وتقدم ذكر الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله جل وعلا. والمراد لقولنا: القرآن كلام الله، وقول أهل العلم المراد لذلك، أن القرآن من كلام الله، ليس القرآن هو كل كلام الله. القرآن من كلام الله، والتوراة من كلام الله، والإنجيل من كلام الله، إلى آخر الرسائل التي بُعث بها الأنبياء، فهي من كلام الله جل وعلا. كلام الله كثير لا يعد ولا يحصى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. فكلام الله جل وعلا الكثير لا يعد ولا يحصى، والقرآن كلام الله بمعنى أنه من كلام الله جل وعلى الذي تكلم به سبحانه وتعالى. وقد تقدم كذلك الكلام على أن إضافة القرآن إلى جبريل وإلى محمد عليه الصلاة والسلام إنما هو باب إضافة التبليغ، إضافة التبليغ لا إضافة القول ابتداء. وإنما الكلام ينسب ويضاف إلى من قاله ابتداء، ينسب إلى من قاله ابتداء لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. فإذا ذكرنا حديثا من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقلنا: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فالآن أنا الذي تلفظت بهذا الحديث، أنا الذي بلغت هذا الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهل معنى هذا أنني أنا أول من قال هذا الكلام وهذا الحديث؟ الجواب: لا. إذا قال شخص: فلان قال: «إنما الأعمال بالنيات»، من الناس، ليس معناه أنه أول من قال هذا الكلام، بل الذي قال أول هذا الكلام هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن قيل: فلان قال كذا لأنه بلغه وأداه، فيضاف الكلام باعتبار تبليغه وتأديته، وينسب إلى من قاله ابتداء. ثم قال رحمه الله تعالى: ليس كما قال الذين عن الإلحاد قد مردوا، يعني: القرآن كلام الله ليس كقول الملحدين الذين مردوا على الإلحاد. ومردوا بمعنى تمرنوا وكانوا على ذلك، هؤلاء العاتون الذين عتوا وتمردوا يقولون: القرآن ليس كلام الله، ويقولون: القرآن مخلوق. فأهل السنة والجماعة يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن هؤلاء الكفار المشركون هم الذين قالوا في القرآن: إنه كلام البشر، ليس كلام الله جل وعلا، كما قال ذلك الطاغية: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، فجعل القرآن قول البشر وليس هو قول الرب سبحانه وتعالى، وليس هو كلام الله جل وعلا. فقال الله جل وعلا: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. وهكذا قالوا: «إنما يعلمه بشر»، فنسبوا ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو هذا القرآن، إنما هو قول بشر، وهو نجار رومي كان بمكة، قال: هو الذي يعلم محمدا هذا الكلام، فهو كلامه. فقال الله جل وعلا: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، ذلك رومي ليس بعربي، هو أعجمي، كيف يظن هذا هو كلامه؟ وذلك رجل أعجمي، وهذا القرآن باللسان العربي، يشعر بذلك لأعجمي بهذا الكلام العربي الذي عجز عن أن يأتي بمثله أبو لهب وأبو جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهم من فصحاء قريش، فصحاء العرب. فهذا من التهكم ومن الجحود، والعياذ بالله من هؤلاء. فقال رحمه الله تعالى بعد ذلك: جعد وجهم وبشر ثم شيعتهم ألاف بعدا لهم بعدا وقد بعدوا، يعني: أيضا من هؤلاء الجعدية، أتباع الجعد بن درهم، وهو أول من قال بخلق القرآن. أول من قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم، وأخذه عنه الجهم بن صفوان في أوائل القرن الثاني. قال الجعد بن درهم بخلق القرآن، وأهل السنة في ذلك الزمان أنكروا عليه، بل حكموا عليه بالكفر لأنه قال: القرآن ليس كلام الله جل وعلا، وأن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا. وكان يوم ذات خالد بن عبد الله القسري أميرا على العراق، مع ما فيه من مخالفات، لكن شكروا له فعله حين خطب الناس عيد الأضحى، وقال: «أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه يقول: لم يكلم الله موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا»، فذبحه. قال ابن قيم رحمه الله تعالى في نونيته: «ولأجل إذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القرآن، إذ قال إبراهيم ليس خليله، كلا ولا موسى الكليم الداني، شكر الضحية كل صاحب السنة، لله درك من أخي قرباني، لله درك ما أعظم هذا القربان الذي تقربت به، وهو ذبح الجعد بن درهم». هكذا يقول الإمام المقري رحمه الله تعالى في النونية، لماذا؟ لأن هذا الجعد بن درهم أول من ابتدع القول بخلق القرآن، وقال: إن القرآن مخلوق، وهي فتنة عظيمة، أوذي وعذب لأجلها إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا غيره من السلف، رحمة الله تعالى عليهم. والجهم بن صفوان كذلك قال بخلق القرآن، وأخذ عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان، هذا الذي رأس المعطلة، حتى قال فيه عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «عجبت لدجال دعا الناس جهرة، واشتق اسمه من جهنم، اسمه الجهم»، قال: اشتق اسمه من جهنم، هكذا قال ابن المبارك، دجالا هذا الرجل الذي هو الجهم بن صفوان، لأنه إمام المعطلة، عطل صفات الباري، بل عطل الأسماء، وهكذا قال بخلق القرآن، وله بدع عظيمة منكرة، فتن بها أهل الإسلام. وهكذا بشر المريسي كذلك من الجهمية المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فهؤلاء الذين ذكرهم هنا رحمه الله تعالى في قول: «جعد وجهم وبشر ثم شيعتهم»، يعني: ممن قال بخلق القرآن. ثم قال: «ألاف بعدا لهم بعدا وقد بعدوا»، يعني: بعدوا عن الحق، وبعدوا عن الشرع، عن الكتاب والسنة، بعدا عظيما، وضلوا وأضلوا غيرهم، عياذا بالله. قال رحمه الله تعالى: تكلم الله رب العالمين به قولا وأنزله وحيا به الرشد، أي: أن هذا القرآن تكلم الله جل وعلا به حقيقة، أي: بحرف وصوت. قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يتكلم بحرف وصوت، كما في حديث عبد الله بن أنيس، وهو الحديث الذي رحل لأجله جابر بن عبد الله الأنصاري شهرا. رحل جابر بن عبد الله شهرا لأجل هذا الحديث العظيم، حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله يتكلم يوم القيامة بحرف وصوت، يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن كلام الله يسمع. فالله جل وعلا حين كلم جبريل سمعه جبريل، وحين كلم موسى سمعه موسى، وهكذا يكلمنا يوم القيامة، ليس بيننا وبينه ترجمان، كما في البخاري من حديث عدي بن حاتم: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فالله جل وعلا كلامه مسموع، الملائكة حين تسمع الأمر يقضى في السماء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة: يصيبها ما يصيبها من الخضوع والخوف والوجل، تعظيما لكلام الله جل وعلا. بل كذلك يغشاهم ما يغشاهم، حتى يفيق أول من يفيق جبريل عليه السلام، فيسأل الملائكة: ماذا قال ربنا؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وجاء النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا هو الذي يحصل للملائكة، كما في حديث الصحيحين، حين يسمعون الأمر يقضى في السماء، فيصيبهم ما يصيبهم من ذلك الخضوع والغشيان. فكلام الله جل وعلا يسمع، وليس هو كلاما لا يسمع كما يقول أهل البدع والضلال، وهو كذلك بحرف وصوت، لأن القرآن حروف، القرآن حروف، في قول عبد الله بن سعود: لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. والقرآن حروف، والقرآن كلام الله جل وعلا، تكلمه، فإذا هو حروف، وهو كذلك أصوات، كما دلت الأدلة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على ذلك. فهنا قال رحمه الله تعالى: تكلم الله رب العالمين به، يعني: حقيقة لا مجازا، كما يقول أهل البدع، أهل البدع الجهمية والمعتزلة، إنما يقولون: إضافة الكلام إلى الله جل وعلا من باب المجاز. المعتزلة أحدثوا القول بالمجاز، وسبب ذلك لتعطيل صفات الرحمن جل وعلا، ومنها صفة الكلام لله جل وعلا. فلذلك لما أحدثوا القول بالمجاز، قالوا: الله جل وعلا لا يتكلم حقيقة، وإنما ما جاء في القرآن كلام الله، وأنه تكلم وكلم الله موسى، كل ذلك من باب المجاز، يعني: أضيف إليه مجازا لا حقيقة. فالله لا يتكلم، وكلامه لا يسمع. وقد قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، عبر بالمصدر، وفي هذا إبطال للقول بالمجاز، لأن القائلين بالمجاز يقولون: إذا أكد الكلام بالمصدر فإنه يراد به الحقيقة للمجاز. فهذه الآية فيها تأكيد الكلام بالمصدر، فنفي المجاز المزعوم الذي يزعمونه، مع أنه ليس في القرآن ولا في السنة ولا في لغة العرب المجاز، ولم يعرف عن الصحابة ولا التابعون، وإنما أول من أحدثه هم المعتزلة لضلال اعتقاداتهم، حتى يتوصلوا إلى ما أرادوا موافقة لأهوائهم من الضلال في الاعتقاد، وغير ذلك مما خالف به أمة الإسلام وأهل السنة والجماعة. ولذلك لما جاء رجل من المعتزلة عند أبي عمر بن العلاء، أحد القرجعين من السلف، وسمعه يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، قال: اقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾، لماذا؟ لا يريد أن يقرأ هذا القارئ أبو عمر بن العلاء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، لأن فيه إثبات صفة الكلام لله، لكن قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾، يعني: المتكلم هو موسى، والله جل وعلا هو المتكلم. فقال له أبو عمر بن العلاء: «هب أني قرأت كذلك، أين أنت من قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟»، فبهت المعتزلي، فبهت ذلك المعتزلي. لأن أفحمه، وهكذا هي سنة الله جل وعلا في خلقه، وإن وجد أهل البدع من المتشابه في كتاب الله جل وعلا، إلا أنه هناك في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بحمد الله، ما يبطل هذا المتشابه. لأن القرآن منه محكم، ومنه ما هو متشابه، فإذا أخذ أهل البدع بالمتشابه، رد عليهم بالمحكم في كتاب الله جل وعلا، فأبطلت دعواهم، وأبطلت ضلالاتهم واعتقاداتهم. قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: تكلم الله رب العالمين به قولا وأنزله وحيا به الرشد، أي: أن الله جل وعلا تكلم به قولا، أي: سمع منه. فتكلم الله جل وعلا بقول، فالله جل وعلا يقول ويتكلم وينادي، وكل هذه ألفاظ تدل على أنه يتكلم سبحانه وتعالى كلاما يليق به، ونداءا، وهكذا قولا. وقوله الحق سبحانه وتعالى، إذا كان قوله الحق، فما معنى قوله الحق؟ قوله الحق: أنه يتكلم سبحانه وتعالى ويقول الحق، ويسمع منه الحق سبحانه وتعالى. وهذا فيه رد على الكلابية، وعلى الأشاعرة، ومنها البدع، لأن الكلابية والأشاعرة يقولون: كلام الله جل وعلا إنما هو معنى نفسي قائم بالنفس، ليس هو بلفظ، وليس هو بقول، وإنما قائم بنفس الله جل وعلا، معنى قائم بنفس الله جل وعلا، أزلا لا يتعلق بقدرته، ولا بمشيئته، وليس هو بحرف وصوت، وإنما كلام أزلي قديم قائم بنفس الله سبحانه وتعالى. استدلوا بقول الأخطل النصراني: «إنما الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا». دليلهم قول أخطل النصراني، والنصارى ظلوا في باب الكلام، جعلوا عيسى ابن الله لأنه كلمة الله، فإذا كان كلمة الله، إذن هو ابن الله. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة، ومنهم من قال: الله. وهذا الأخطل النصراني، والنصارى قد ظلوا في باب الكلام. وهؤلاء تركوا الآيات في كتاب الله، وصحيح سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإذا قلت لهم: ما هو دليلكم على أن كلام الله معنى قائم بنفس الله؟ قالوا: قال الأخطل النصراني. ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول: «وإذا استدل يقول: قال الأخطل، وإذا استدل يقول: قال الأخطل»، ما يقول: قال الله، قال رسول الله، قال الأخطل. ومن هو الأخطل؟ كما سمعتم، هو نصراني، عياذا بالله. ومن هذا تبين لنا أن كثيرا من العقائد دخلت على الإسلام من جهة النصارى، من جهة النصارى، ومن جهة اليهود، لعنهم الله سبحانه وتعالى. فإذا قولهم هذا رد على الكلابية، وعلى الأشاعرة. الكلابية يقولون: القرآن حكاية عن كلام الله، والأشاعرة يقولون: القرآن عبارة عن كلام الله، أي: أن جبريل عبر عن كلام الله جل وعلا، خلق هذا الكلام في روع جبريل، وجبريل حكى هذا الكلام. يقول الكلابية والأشاعرة: جبريل عبر عن كلام الله جل وعلا، ومعنى أن جبريل لم يسمع كلام الله سبحانه وتعالى، وإنما الله خلق الكلام في روع جبريل، وجبريل عبر بهذا الكلام. وهذا باطل، لأن القول إذا أريد به القول النفسي فإنه يقيد، القول في لغة العرب، وفي القرآن إذا أطلق، فالمراد به النطق المفهم. وأما إذا أريد به القول النفسي فإنه يقيد. ولذلك الله جل وعلا لما أراد أن يبين أن المشركين قالوا، لكن لم يقولوا بألسنتهم، وإنما قالوا في أنفسهم، قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾، لماذا قال: «في أنفسهم»؟ لأنه جل وعلا إذا قال: «ويقولون»، يفهم من ذلك أنهم قالوا ذلك بألسنتهم، لأن هذا هو الأصل أن القول هو الذي يتلفظ به، والذي ينطق به. لكن قال الله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾، إذن قولا نفسيا قالوه، وليس قولا بألسنتهم. وأما النصوص الأخرى فليس فيها التقييد بالنفس، وإنما إطلاق القول، فعلم أنه قول بلفظ ونطق. فإذا قال شعر الماتريدي والكلابية: المراد القول النفسي، نقول لهم: القول النفسي إذا أريد فإنه يقيد. قال الله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾، وما سمعوا عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «زورت في نفسي كلاما»، فإنه يقيد، إنه يقيد ذلك الكلام، يعني: في نفسه. والكلام النفسي إذا كان كلاما لبطلت صلاة، لبطلت صلواتنا، لو كان الكلام النفسي كلاما لبطلت صلواتنا، وصارت صلواتنا باطلة غير مقبولة عند الله جل وعلا. لماذا؟ لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ومن من الذي لا يحدث نفسه في الصلاة؟ من هذا الذي لا يحدث نفسه في الصلاة؟ ما من أحد إلا وهو يتكلم في نفسه بكلام، ما من صلاة إلا ووسوست فيها أنفسنا بأشياء، إذا كان هذا الحديث النفسي والكلام النفسي كلاما، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، إذن إذا صارت الصلوات باطلة. في هذا رد واضح جلي على هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام النفسي كلاما. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه»، وقال في حديث الآخر: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»، فالكلام حين يتكلم به وآخذ به الإنسان، أما ما جرى في النفوس من وساوس شيطاني وغير ذلك، فهذا معفو عنه، لأنه لم يتكلم به، لم يأخذ تكلم به عامدا، وهو من الكلام المحرم، كان مؤاخذا بذلك. فقوله رحمه الله تعالى: «قولا»، في رد على هؤلاء الكلابية، وعلى الأشاعرة، وعلى غيرهم ممن قال: إن الله جل وعلا لم يتكلم بكلام، بقول. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾، فالله سبحانه وتعالى يقول القول، وقوله لا يبدل سبحانه وتعالى. وهكذا قال جل وعلا: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ﴾، أي: أنه قاله سبحانه وتعالى، وتكلم به جل وعلا، وأنزله وحيا به الرشد، يعني: نزل به جبريل عليه السلام على الأنبياء. وبقية أبيات ومباحث تتعلق بهذا المبحث، قصر بنا المقام لذكرها، فنتركها لدرسنا اللاحق إن شاء الله تعالى. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.