شرح الجوهرة الفريدة 8

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 8، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مصدر التلقي عند أهل السنة

أهل السنة والجماعة يتلقون اعتقادهم من الكتاب والسنة، ويحذرون من تقديم العقل أو غيره على النصوص الشرعية. هذا النهج يحميهم من الضلال والبدع التي تنتج عن مخالفة الشرع.

تحذير من مخالفة الشرع والضلال

المؤلف يحذر من مخالفة الشرع وتقديم العقل أو مصادر أخرى مثل الكشف والمنامات على النصوص. يُبين أن هذا يؤدي إلى ضلال الفرق الأخرى وظهور البدع.

التحذير من النظريات المعاصرة الباطلة

المؤلف يناقش بطلان النظريات المعاصرة المخالفة للشرع مثل نظرية داروين والاشتراكية الإلحادية، ويبين خطورتها وافتقارها للدليل العقلي والنقلي.

خاتمة وتوصية بالتقوى

ختم الشيخ بالتحذير من البدع والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مشددًا على أهمية اتباع السنة والحذر من البدع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال مؤلف «الجوهرة الفريدة» -رحمه الله تعالى-: «ولا نحكم في النص العقول ولا نتائج المنطق الممحوق نعتمد، لكن لنا نص آيات الكتاب وما عن الرسول روى الأثبات معتمد، لنا نصوص الوحيين الذين لها أهل الوفاق وأهل الخلف قد شهدوا، والأربع السنن الغر التي اشتهرت، كل إلى المصطفى يعلو له سند، كذا الموطأ مع المستخرجات لنا، كذا المسانيد للمحتج مستند، مستمسكين بها مستسلمين لها، عنها نذب الهوى إن لها عبد، ولا نصيخ لعصري يفوه بما يناقض الشرع أو إياه يعتقد». ذكر -رحمه الله تعالى- في هذه الأبيات بعد أن حذر فيما تقدم من المذاهب الرديئة الضالة -مذهب الجهمية والمعتزلة والممثلة والمعطلة والجبرية والقدرية والشيعة والخوارج وأهل الفلسفة ووحدة الوجود- بين -رحمه الله تعالى- في هذه الأبيات مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة في الاعتقاد. فبين -رحمه الله- أن أهل السنة لا يحكمون العقل في النصوص، «ولا نحكم في النص العقول ولا نتائج المنطق الممحوق نعتمد». فمصدر التلقي عند أهل السنة كتاب الله، وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- الصحيحة في مراد الأثبات، وصحيح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. هذا هو مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة، بخلاف غيرهم من المذاهب الضالة. فمنهم من عنده مصدر التلقي العقل، كالمعتزلة وغيرهم. ومنهم من عنده مصدر التلقي الكشف والمنامات، كما عند أهل التصوف، فيقول: «حدثني قلبي عن ربي»، أو يرى شيئا في منامه، فيجعل ذلك اعتقادا يدعو إليه. أما أهل السنة والجماعة، فلا يعتقدون إلا ما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- الصحيحة. فالعقول أدت بأصحابها إلى الضلال والبدع. ومن تأمل سبب ضلال أهل البدع، يجد أنه بسبب العقول. فما ضلت المعتزلة إلا لتحكيمهم العقل على النقل، فقدموا العقل على النقل، فردوا كثيرا مما ثبت في الكتاب والسنة. ردوا عذاب القبر، لزعم أن العقل لم يستوعب ذلك. ردوا أحاديث الحوض، ولم يثبت حوض النبي -السلام- يوم القيامة. وهكذا أنكروا الموازين، وهكذا الشفاعة، وهكذا عطلوا صفات رب العالمين -جل وعلا-. وهكذا كذلك ممن ضل من الأشاعرة، حين عطل، وحين فوض، وحين توقف في إثبات نصوص الصفات ومعانيها. إنما كان ذلك بسبب تقديم العقل على النقل، مع أن النقل لا يخالف العقل ولا يعارض العقل. العقل إذا كان صحيحا وكان سليما لا يعارضه النقل. لكن المشكلة إذا كان العقل فاسدا، فإذا كان العقل فاسدا توهم أن النقل لا يعارض ذلك العقل. وإذا كان العقل صحيحا وسليما، فالنقل لا يعارض العقل. وللشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- رسالة عظيمة اسمها «درء تعارض العقل والنقل»، كتاب عظيم، حتى قال فيه الإمام ابن القيم -رحمة الله تعالى عليه-: «وقرأت كتاب العقل والنقل الذي ليس له في الوجود نظير ثاني». يعني أنه كتاب عظيم، ليس يوجد مثله في الوجود، ولا يريد بذلك القرآن وغير ذلك من السنن، ولكن يريد مما ألف في هذا الباب، مما احتوى على علوم غزيرة وعلوم عظيمة، وردود على أهل البدع والباطل، وهكذا ضلال الفلاسفة، وهكذا ضلال غيرهم. كل ذلك كان بسبب تقديم العقل على النقل. والواجب تقديم النقل على العقل، لا تتهم النقل فترده، ولكن اتهم عقلك. فإن النقل والشرع لم يأت بما تحيله العقول. الشرع لم يأت بما تحيله العقول، وإن كان قد أتى بما تحار فيه العقول. العقول تحار في بعض الأمور، وتجاهد في فهم الشرع، لأنها فوق مستوى العقل، لكن ليس معنى ذلك أن ترد، فهي حق لا بد أن تثبت. فالخلل والقصور عندك أنت في عقلك، لأن عقلك ليس كاملا. فلا ترد النقل بسبب عدم فهم عقلك، بل اتهم عقلك. وإلا فالعقل الصحيح والعقل السليم لا يعارضه النقل الصريح. فهؤلاء لما حكموا العقول -والعياذ بالله- وقدموها على نصوص الكتاب والسنة، ضلوا، فضلت الفرق جميعا. كان من أسبابه تقديم العقل على النص، وجعل العقل حاكما على النص. والواجب أن يكون النقل حاكما على العقل، فالعقل تابع للنص، تابع للنقل، والمتبوع هو النقل. فالنقل متبوع، والعقل تابع، لا يكون العقل متبوعا والنقل تابعا. لا. فهؤلاء عكسوا، فجعلوا أولا العقل، يأتون إلى النصوص ويعرضونها على عقولهم. فما وافق العقول والقواعد التي أصلوها، والتي أسسوها -غير مبنية على نصوص الشرع- فلذلك صاروا يردون ما جاء من النصوص، يرد مذهبهم، حرفوها في كتاب الله -جل وعلا-، وأتوا بالمعاني الباطلة المضحكة التي فيها التكلفات العجيبة الغريبة، التي فيها كذلك الطعن في لغة العرب، حين يفسرون تلك المعاني، وأن معنى هذه الآية كذا وكذا. لكن كل ذلك بسبب الهوى، وبسبب عدم قبولهم ذلك. وأما الأحاديث، فردوها: «هذا حديث أحاد، ونحن نقبل خبر العقيدة بحديث أحاد». وهكذا. فإذا هم قد أصلوا قواعد يردون بها النصوص التي تحج عليهم في هذا الباب، فتكلفوا في وضع القواعد، وردوا كثيرا من نصوص الكتاب والسنة بسبب تحكيم هذه العقول. وهكذا أصحاب مصدر تلقي الكشف والمنامات، ضلوا ضلالا بعيدا، فأثبتوا أمورا باطلة تردها أدلة الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة. فالمؤلف -رحمه الله تعالى- يبين أن أهل السنة والجماعة إنما مصدرهم هو كتاب الله، وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ولا يحكمون في النص العقول، «ولا نتائج المنطق الممحوق نعتمد». ثم ذكر المصدر، وهو آيات كتاب الله، وما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقله الأثبات العدول. وهكذا نصوص الصحيحين: البخاري ومسلم، الذين تلقاهما الأمة بالقبول. أهل الوفاق وأهل الخلف كلهم شهدوا للصحيحين بالقبول، وتلقوه بالقبول. وهكذا موطأ الإمام مالك، وهكذا المستخرجات، وهكذا المسانيد: مسند الإمام أحمد، مسند أبي يعلى، مسند بقي بن مخلد، وغير ذلك من المسانيد. وهكذا المصنفات التي صنفت في ذكر أحاديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. فأهل السنة اعتمادهم القرآن والسنة. فإذا ذكروا شيئا، دللوا على ذلك بآية من كتاب الله، أو بحديث صحيح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. لا يذكرون شيئا أو اعتقادا بهوى، أو برأي، أو بكذا... إلى آخر ذلك مما يسمع من أهل البدع والضلال. وهكذا السنن الأربع: سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائي، التي قد اشتهرت وصارت كالقرآن من شدة اشتهارها وظهورها. وكلها فيها الأسانيد العالية إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-. فهم مستمسكون بهذه الكتب التي تكتب السنة، ومستسلمين لما جاء فيها، لأن فيها خبر رسول الله، وأمر رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. فيذبون عنها، ويصدرون عنها، وهم لها ناصرون وعاضدون، ويدافعون عنها، ويردون الهوى وأهل الأهوى من هذه الأحاديث التي كتبت وحفظت في صدور الرجال، أو كتبت في هذه الكتب. يصدرون عنها في الرد على أهل البدع، وفي الدعوة إلى الله -جل وعلا-، وفي تأليف الكتب، وفي جميع أمور دعوتهم وعبادتهم. فإنهم ينطلقون من هذا المصدر العظيم: الكتاب وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ثم بعد ذلك حذر -رحمه الله تعالى- بقوله: «ولا نصيخ لعصري يفوه بما يناقض الشرع أو إياه يعتقد». ولا نصيخ، أي: لا نستمع. قال في «مختار الصحاح»: «أي استمع له». فقوله: «ولا نصيخ»، فمعناه: لا نستمع. وهكذا بمعناه «ولا نصغي». فقوله: «ولا نصيخ»، أي: لا نستمع «لعصري»، يعني: لمن ظهر في هذا العصر، ويدعو إلى العقائد الباطلة والنظريات الباطلة، التي منها أن الطبيعة هي الخالقة لهذا الكون. فأتى بما يناقض الشرع، ويعتقد أن الطبيعة هي المؤثرة في هذه الأشياء. فهذا قول المخذولين، وقول كذلك أهل الباطل، من الذين ظهروا ودعوا الناس لما يسمى بالاشتراكية، وما يسمى بالاشتراكية الإلحادية: أنه لا وجود لرب، وإنما الحياة مادة، والطبيعة هي الخالقة التي خلقت الأشياء. فهذه دعوة ماركس، ودعوة لينين التي دعا إليها، وقبلهم دعا إليها مزدك، وقبلهم دعا إليها أفلاطون. فهي دعوة قديمة، ظهرت قبل الإسلام. دعا إليها أفلاطون، ودعا إليها مزدك، ودعا إليها بعد ذلك كارل ماركس، ودعا إليها تلميذه، وبعد ذلك لينين. ما يسمى بالشيوعية والاشتراكية: دعوة إلى الإلحاد، دعوة إلى إلغاء الملكية الخاصة، دعوة إلى الإباحية، دعوة كذلك إلى إلغاء وجود الرب -سبحانه وتعالى-. دعوة باسم المساواة، وكذبوا. دعوة إلى عدم التوريث، دعوة إلى القضاء على الأحكام وعلى الشرائع... إلى آخر ذلك. فهي دعوة باطلة، دعوة إلى الإلحاد، وأن الطبيعة هي الخالقة. الذين يسمون أنفسهم يعني مصدر هذا القول من الطبائعيين الذين لا يؤمنون بوجود الله -سبحانه وتعالى-. ومثل هذه كذلك النظريات المعاصرة، النظريات المعاصرة التي أظهرها بعض أهل البدع، مثل نظرية داروين: نظرية داروين ما تسمى «نظرية التطور والارتقاء»، وأن أصل الإنسان قرد. أصل الإنسان قرد، لكن تطور، تطور بحسب المناخات، بحسب الأجواء التي يعيشها في هذا العالم. تطور شيئا فشيئا، فشيئا، فشيئا، بعد أن كان قردا صار إنسانا. هم القرود الذين قالوا هذا الكلام، هم القرود ربما رأوا في أنفسهم كانوا صاروا قرودا. أما البشر الذين عاشوا في أرض الله، فما ذكر في يوم من الأيام أنه الناس كانوا قرودا. وما يذكر في بعض الكتب بما يسمى «بالبدائيين»، يعني ينشرون الصور، يقال فيهم: هؤلاء البدائيون، فيرسمون صورا على شكل حيوانات، وعلى شكل شيء من القرود. كأنهم يقولون: بداية الإنسان كانت هذه البداية. هذا من السم الذي يدس في الكتب، ودعوة، ويعانى لهذه الدعوة الباطلة: «نظرية التطور والارتقاء»، نظرية داروين. فإذن، هذه نظريات أظهرها أصحابها في هذا العصر المتأخر. فالمؤلف -رحمه الله تعالى- يحذر منها، من كل النظريات التي تخالف الكتاب والسنة، ممن يقول: «أن الطبيعة هي الخالقة»، أو الذي يقول: «أصل الإنسان قرد»، وغير ذلك. فهو ذكر بعضها، ومراد المؤلف -رحمه الله تعالى- التحذير من كل النظريات المعاصرة التي تظهر وهي تخالف الكتاب والسنة، بل هي قول المخذولين الذين خذلوا. أين الطبيعة يا مخذول؟ إذ وجدوا من الذي خلق الطبيعة؟ يقال لهم: «الطبيعة: هل موجودة أم لا معدومة؟ هل شيء محسوس أم لا غير محسوس؟ إذا كانوا قالوا: غير محسوس، نقول: إذن ليست بموجودة. إذا قالوا: هي محسوسة، نقول: أين هي؟ وهل لهذا الموجود من موجود أم لا؟ فإذا قالوا: نعم، فأقول: من الذي أوجده؟ فلا شك أن الذي أوجده الله -سبحانه وتعالى-. وقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة، والعقل والإجماع والفطرة، كلها دالة على وجود الله -سبحانه وتعالى-، وأنه الخالق. وما من أحد يدعي أنه الخالق إلا أهلكه الله -سبحانه وتعالى- وفضح أمره. كفرعون ادعى الربوبية، فأهلكه الله وأغرقه. وقوم من ادعى كذلك أنه الخالق، فما من أحد يدعي ذلك إلا وأهلكه الله -جل وعلا- في هذه الدنيا، عبرة وآية لمن أراد أن يعتبر. فتحذير المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذه الأبيات، بعد التحذير من مصادر التلقي الباطلة، وبيان مصدر أهل السنة، حذر مما قد ظهر في عصره، مثل هذه الدعوات. وقد شهدها وحضرها، فحذر منها -رحمه الله تعالى- رحمة واسعة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.