الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 119، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ذكر أئمة أتباع التابعين، وهم الأئمة الأربعة الذين أدركوا القرن الثالث المزكى من رسول الله. كانوا مصابيح هدى ورحمة للأمة.
يناقش أهمية الأئمة والعلماء ويحذر من التعصب لهم، موضحا أنهم مجتهدون يخطئون ويصيبون. يجب اتباعهم بحكمة وعدم تعصب.
الناس بخير ما داموا يرجعون إلى كبار العلماء، أما إذا رجعوا إلى صغار العلماء فقد يقعون في الفتن. العلماء الربانيون يرشدون الناس إلى الخير.
يُبين أن العلماء ورثوا العلم من الأنبياء، وأن هذا الإرث يدوم لهم ويذكرهم الناس بالخير. يُشير إلى أهمية أخذ العلم والاقتداء بالعلماء.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول النظم -رحمه الله-: «كذلك سفيان مع سفيان، ثم فتى الأوزاعي»، فاعلم. ومن أقرانهم عددوا، أي من هؤلاء الأئمة الذين كانت لهم الجلالة في القدر والرسوخ في العلم، ممن سارت بعلومهم الركبان، وكانوا أئمة لهذه الأمة، مصابيح في جج، وأعلام هدى، رحمة الله تعالى عليهم. الأوزاعي الإمام، الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمر، إمام أهل الشام -رحمه الله-، قد كان إماما عظيما، ولجلالة هذا الإمام كان الناس يخرجون لاستقباله، يخرج الكثير من الناس من طلبة العلم والعلماء لاستقباله، يستقبل كاستقبال الملوك. فقد قدم مرة بغداد، دار الخلافة في عهد هارون الرشيد -رحمه الله تعالى-، فلما قدم الإمام الأوزاعي -رحمه الله- بغداد، خرج الناس في استقباله. فقالت زوجة هارون الرشيد -رحمه الله تعالى-: «ما هذا؟»، كأنها رأت أمرا غير عادي، أمرا غير عادي لإكثار الشوارع بالناس، فسألت: «ما هذا؟»، فقال لها هارون الرشيد: «هذا الإمام الأوزاعي، إمام أهل الشام قدم بغداد»، فقالت له: «هذا الملك، لا ملككم»، هذا الملك الحقيقي، خروج هؤلاء استقبال هذا الإمام، ما خرجوا بإعلانات أعلن عنها، ولا خرجوا بشرط، ولا خرجوا بإلزامات، ولا يريدون شيئا من أمير، ولا وزير، ولا ملك، وإنما خرجوا لعلمهم بأنه إمام وعالم، فخرجوا في استقباله -رحمه الله تعالى-. وله جهاد عظيم في دعوة الله جل وعلا، وله كلمات تكتب بماء الذهب، ومنها قوله -رحمه الله تعالى-: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوا لك بالقول»، عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، لا تبالي أحبك الناس أو بغضوك، قبلوك أو رفضوك، فاتبع آثار من سلف، عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، ولا تتبع آراء الرجال، وإن زخرفوا لك بالقول، فإن الحق ينجلي وأنت على صراط مستقيم، وهذا من جميل عبارات هذا الإمام -رحمه الله تعالى-. قالوا: «من أقرانهم عدد»، أي من أمثال هؤلاء، ومن أقران هؤلاء العلماء والأئمة كثير، ممن كان لهم الظهور في العلم والبروز والرسوخ، والانتفاع بعلومهم خلق لا يحصون. قال: «ثم الأئمة نعمان ومالكهم والشافعي وأحمد في دين عمد»، ثم الأئمة الأربعة أتباع التابعين، بعد أن ذكر -رحمه الله تعالى- جملة من التابعين، ومن أئمة التابعين الذين يجب أن يؤخذ بأفهامهم، وأن يستنار بأقوالهم، وأن يحذى حذوهم، انتقل بعد ذلك إلى المرتبة التي تلي هذه المرتبة في العلم والفهم، وإلى حقبة بتقديم أقوالهم، وهم أتباع التابعين، لأنهم أيضا ممن جاء الثناء في حقهم في سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ﴿يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيُغْزَى فِيهِ عَلَى أُمَّةٍ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يُغْزَى فِي أُمَّةٍ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ﴾، ثم بعد ذلك التابعين وأتباع التابعين، فكل هؤلاء جاء في حقهم السنة خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ولما هؤلاء الأربعة أدركوا أتباع التابعين، أدركوا القرن الثالث، أدركوا القرن الثالث الذي هو من خير القرون، فشملهم الثناء وشملتهم التزكية من رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بالخيرية. ولذلك أهل العلم يقدمون أقوالهم، واسترشدون بها حين لا يجدون عن الصحابة، وحين لا يجدون عن التابعين، فينظرون في أقوال هؤلاء أتباع التابعين من الأئمة المهديين الذين هم أفهم الناس بعد الصحابة، وبعد التابعين، بإحكام الشريعة وبدين الله جل وعلا، والاعتقاد الحق الموافق لكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وما كان عليه السلف الصالح. هؤلاء الأئمة الأربعة: نعمان، وهو أبو حنيفة النعمان بن ثابت -رحمه الله تعالى-، وأبو حنيفة، ومالكهم الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، والشافعي محمد بن إدريس -رحمه الله-، وأحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-. هؤلاء الأئمة الذين هم في ديننا عمد، فهم كالأعمدة لهذا الدين، وهم أركان يرجع إليهم وإلى أقوالهم، وينظر في أفهامهم، فيقبل قول من وافق قوله الحق، ووافق الدليل في الكتاب والسنة. ولا يتعصب لأحد منهم، فهم أئمة مجتهدون، كغيرهم مجتهدون، لو كانت التعصب جائزا لتعصبنا لأبي بكر وعمر، ولصرنا بكريين أو صرنا عمريين، أو صرنا عثمانيين أو علويين متعصبين لعلي، أولى من أن نتعصب للشافعي، وأولى من أن نتعصب للإمام أحمد بن حنبل، وأولى أن نتعصب لأبي حنيفة أو للإمام مالك. لو كانت التعصب جائزا لكان حق الناس بالتعصب لهم صحابة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فتكون طائفة من الناس يكون طائفة من الناس بكريين، يتعصبون لأبي بكر، بدلا من أن يتعصبوا للشافعي أو لأحمد. لكن التعصب في ديننا منهي عنه، بل وفي سائر الأديان، فلا يجب التعصب، بل الكل مجتهد، الصحابة مجتهدون يخطئون ويصيبون، والتابعون كذلك، وأتباع التابعين كذلك، فكل يأخذ من قوله ويرد إلا رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، كما قال إمام مالك: «إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. فنحن نحبهم ونثني عليهم، ونقرأ ما كتبوا، ونأخذ بما قالوه، ونستنصح بنصائحهم، ونأخذ بها، ونجعلها نورا نهتدي به في طريقنا، في تعلمنا، في سلوكنا، في أخلاقنا، وفي أمورنا، لأنهم ممن اقتدى برسول الله -عليه الصلاة والسلام- وبالصحابة، فنقتدى بهم لاقتدائهم برسول الله وبالصحابة. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «وغيرهم من أولي التقوى الذين لهم بصائر بضياء الوحي تتقد»، أي غير هؤلاء الأئمة ممن أخذ عن هؤلاء الأئمة، وهم كثير، فهؤلاء الأئمة الأربعة لهم طلاب، لهم طلاب في مشارق الأرض ومغاربها، فالإمام أبو حنيفة له طلاب، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، كما أن التابعون لهم طلاب، وهكذا الصحابة، وهكذا هؤلاء الأئمة الأربعة لهم تلاميذ، ولهم طلاب كذلك، لهم من التقدير والتبجيل الشرعي، والاستنارة بعلومهم، لأنهم أخذوا من هؤلاء الأئمة الأربعة الذين زكوا في سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، بل زكوا بالعموم في كتاب الله جل وعلا في قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، هؤلاء الأئمة ممن اتبع بإحسان، ممن اتبع بإحسان، وإن كان لبعضهم شيء من المخالفات، لكنه مغمور في بحور حسناتهم، وهم على اجتهاد، وأصلهم حسن، وهو طلب الحق. وربما إذا بين لهم وقومت عليهم وبين لهم رجعوا عن مخالفاتهم، لكن ربما مضت أقوالهم ولم يتيسر لهم من يبين لهم خطأهم فيها حتى يرجعوا عنها، وإلا فهم أهل للرجوع إلى الحق، فهم رواد الحق، وهم طلبة الحق، يشهد لهم علمهم الذي بثوه في الأمة، وجهادهم، وحسن سريرتهم، وحرصهم كذلك على الخير وعلى هداية الناس. من أمثال هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله تعالى عليه-، وهكذا الإمام ابن القيم، وهكذا كثير من هؤلاء العلماء الذين صاروا مرجعا لهذه الأمة، فانتفعت الأمة بهم انتفاعا عظيما. ومن جاء بعدهم كذلك إلى يومنا هذا، بل إلى قيام الساعة، سيوجد في الأمة علماء وأئمة يرجع إليهم الناس، وهم من أفراد الطائفة المنصورة الذين يبقون حتى يأتي أمر الله جل وعلا، وهم على ذلك كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-. فمن رجع إلى العلماء وإلى العلماء في كل زمان وفي كل مكان حصلت لهم النجاح وحصل لهم الخير. وأما إذا أعرض الناس وأعرضت الأمة عن الأخذ من علمائها ومن كبارها، فذهبوا إلى أخذ العلم من صغارها حصل الشر. ولذلك قال بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-: «لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن كبارهم، فإذا أخذوه من صغارهم هلكوا»، وأظنه عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-. فالناس بخير ما داموا يأخذون العلم من كبار علماء هذه الأمة، ولم يذهبوا إلى الصغار يأخذون منهم العلم، كما هو حاصل في هذا الزمن عند طوائف أعرضوا عن العلماء الربانيين وعن العلماء الراسخين، وصاروا يرجعون إلى صغار العلم، عظموهم ورفعوا شأنهم، بحجة أن هؤلاء العلماء الكبار قد انعزلوا عن الأمة، قد انعزلوا عن أمة وقد انعزلوا عن معرفة واقعهم وعما هم فيه من فتن، صاروا غير فاهمين كما يقال لتلمس همومهم. فانبرى هؤلاء الرؤوس الجهال، فقادوا هذه الأمة إلى الفتن وإلى الويلات وإلى القلاقل وإلى القتل والقتال. لكن إذا أرجع الأمر إلى أهله فيحصل الخير، فالعلماء الربانيون الراسخون في العلم لهم أفهام ولهم كذلك رسوخ عظيم، فالعلم الشرعي فهم يفتون بما جاء في كتاب الله، وحاشى أن يجعل الأمة على ما فيه شرهم، فإن الله جل وعلا يوفقهم إذا كانوا شرا لهذه الأمة، فما أمر الله جل وعلا بالرجوع إليهم وسؤالهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إلا لأن بذلك يحصل الخير وتقل الفتن، ويأمن الناس على أنفسهم وعلى أعراضهم وعلى أموالهم، ويتعبدون الله جل وعلا العبادة الصحيحة، ويعتقدون الاعتقاد الصحيح. أما إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال -رحمه الله تعالى-: «أولئك القوم يحيى القلب إذا ذكروا، ويذكر الله إن ذكرهم تردوا»، يعني هؤلاء القوم إذا ذكروا ذكر الله جل وعلا، وإذا رؤوا ذكر الله جل وعلا، لأنهم يذكرون بالله جل وعلا، رؤية العلماء ورؤية الأئمة تذكير بالله جل وعلا، فكان الأئمة إذا رؤوا ذكروا بالله جل وعلا، ذكروا بالله جل وعلا. وقد جاء في هذا حديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، بعضها العلم يضعفه، إلا أن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- صححه عن ابن عباس مرفوعا قال: «إن أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله»، أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، يعني إذا رأهم أحد ذكر الله جل وعلا، ذلك لأنهم يذكرون بالله جل وعلا، فترى لباسهم الموافق لشرع الله جل وعلا يذكرك بالله جل وعلا، ترى سمتهم، ترى أخلاقهم، كل شيء يذكر فيهم بالله جل وعلا، الهيئة التي هم عليها في أخلاقهم في معاملتهم يذكرون بالله جل وعلا، فيتعض الناس برؤيتهم. فكيف إذا سمعوا لهم؟ فكيف إذا تخلقوا بأخلاقهم؟ كيف إذا قرأوا علومهم وأخذوا بها؟ فلا شك أن في هذا التذكير العظيم بالله سبحانه وتعالى. فبذلك قال -رحمه الله تعالى-: «أولئك القوم يحيى القلب إن ذكروا، ويذكر الله إن ذكرهم تردوا»، مع أنهم قد ماتوا، قد ماتوا الصحابة -رضي الله عنهم-، انتقلوا إلى الله، التابعون، أتباع التابعين، لكن لا زال يذكرون إلى يومنا هذا، يذكر الصحابة حين تذكر أحاديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، يذكر التابعون، يذكر أتباع التابعين. وهكذا حملت هذه الشريعة ونقلت هذا الدين، وهناك أناس أحياء ولا يذكرون، أناس أحياء بين الناس وهم أموات، وهناك أموات ماتوا وهم أحياء، وهم أحياء. فهؤلاء العلماء الذين رحلوا إلى الله عز وجل، نعم ماتوا، لكن بقيت مآثرهم، فهم أحياء بين الناس يذكرون، كأنهم أحياء. وهنالك يمشون بين الناس يأكلون ويشربون وهم أموات. صدق القائل: «كم من أناس أو كم من أموات ماتوا وهم في الناس أحياء، وكم عاشة في الناس وهم أموات»، «كم عاش في الناس وهم أموات، وكم مات من الناس وهم بين الناس أحياء». يذكرون ويثنى عليهم، ويؤخذ بعلومهم. هذا كتاب الإمام البخاري، وهذا كتاب الإمام مسلم، وهذا كتاب النووي، هؤلاء يذكرون دائما، يذكرون من مشارق الأرض ومغاربها، حين يقرؤون علومهم، وحين يقرؤونها، رفعة من الله جل وعلا. صدقوا مع الله جل وعلا فصدقهم الله سبحانه وتعالى، فلا تزال ذكراهم إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها. وكم من أناس ماتوا، ربما كانوا ملوكا، وربما كان لهم من هذه الدنيا الشيء الكثير، لكن ذهبت أموالهم وذهبت تركاتهم، فمسهم الناس، لكن هذه التركة وهذا الإرث الذي ورثه هؤلاء العلماء من الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر. حين أخذوا هذا الإرث، ورثه بعدهم الأجيال جيلا بعد جيل، يذكرونهم بالخير وبالثناء الحسن. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن أحبهم، ومن يتأسى بهم. ونكمل -إن شاء الله- في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.