خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1438هـ

الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1438هـ، بمصلى المنصورة الجديدة ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الأمة المحمدية وأيام العشر

يُبين فضل الأمة المحمدية وفضل أيام العشر من ذي الحجة، ويشير إلى عظمة يوم عرفة ويوم النحر. يُحث على استغلال هذه الأيام في العبادات والتقرب إلى الله.

أهمية اغتنام المواسم الفاضلة وفضلها

يجب اغتنام المواسم الفاضلة مثل العشر الأول من ذي الحجة ويوم عرفة وأيام التشريق بالطاعات. إدراك هذه المواسم دون اغتنامها يعد حرمانا، ويجب شكر الله على نعمه وفضله.

أحكام وآداب أيام التشريق والتكبير

يشرع التكبير في أيام التشريق وفي كل الأوقات، مع التوسعة على النفس والأهل وذكر الله. يجب كف شر الجميع عن الناس.

دعاء للمسلمين وردع المعتدين

دعاء لهداية من أراد الخير للمسلمين وردع من أراد بهم السوء. يشمل الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا حمدا من بعد حمد، على ما أعطى وأولى، وعلى نعمه التي علينا تترى، نحمده جل وعلا بما أولى به علينا من مواسم الخيرات، ومن أزمان تتضاعف فيه الأجور والحسنات. بالأمس، عباد الله، كنا في مستهل العشر الأول من ذي الحجة، أيام فاضلة، أيام مباركة، بلغ من عظمتها أن التعبد في يوم من أيامها أفضل من الجهاد في سبيل الله، وما كادت أن تنصرم هذه الأيام حتى أطل علينا يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة، يوم أكمل الله به الملة، وأتم به النعمة. فيوم عرفة، يوم عظيم، يعتق الله جل في علاه من رقاب العباد ما لا يعلم بهم إلا الله جل في علاه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «يوم عرفة يوم العتق من النار، فيعتق الله جل وعلا من العباد من وقف بعرفة، ومن لم يقف في سائر الأمصار، فضل من الله ورحمة من الباري جل في علاه». عباد الله، ما كادت أن تذهب هذه الأيام وأيام عرفة حتى أصبحنا نحن في هذا اليوم، وهو العاشر من ذي الحجة، ألا وهو يوم النحر، يوم لا يقل شرفا ولا عظما عن سابقه من الأيام، يوم سماه نبينا عليه الصلاة والسلام بيوم الحج الأكبر، لأن الحجيج يقومون بأمهات العبادات في هذا اليوم، من رمي جمرة العقبة، ثم من نحر الأضاحي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف مع السعي. عباد الله، إن تتابع هذه الأزمان من أزمان الخير والبركة، موسمًا بعد موسم، على أمة محمد، يحتاج منا إلى وقفات. الوقفة الأولى أن نعلم فضل هذه الأمة المحمدية على سائر الملل والأديان. فمن ذا الذي يوازي أمة محمد؟ ومن ذا الذي يدانيها؟ ومن ذا الذي يساويها؟ لا أحد. قال عليه الصلاة والسلام: «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراطين؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراطين، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطين؟ فقامت النصارى وعملت من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطين، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين؟ فأنتم الذين عملتم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، فأجركم يضاعف». قال عليه الصلاة والسلام: «فغضبت اليهود وغضبت النصارى، قالوا: عملنا كثيرا وعطاؤنا قليل؟ فقال الله جل في علاه: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي، أوتيه من أشاء». فضَّل الله آتاه لأمة محمد عليه الصلاة والسلام بأن تتابع الله عليها مثل هذه المواسم، تتضاعف فيها الأجور والحسنات، وتتنزل فيها الخيرات والبركات. الوقفة الثانية: إن تتابع هذه المواسم تتطلب منا، عباد الله، كثرة الشكر والحمد لله جل في علاه، فإن الله عز وجل كلما رأى من عباده حمدا وشكرا، كلما زاد ربنا جل وعلا من نعمائه. ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وعلموا، عباد الله، أنكم كلما شكرتم الله على نعمه وعلى فضله، حينها لا تغترون على أحد، وحينها لا تتألون على الله. لا تقل: بأني عملت، وبأني صليت، وبأني صمت. لا تتألَّ على الله، إنما ذلك فضل من الله جل في علاه، فالفضل فضله جل في علاه، هو الذي فتح علينا أبواب الخيرات، وهو الذي أعاننا على فعل الطاعات. الوقفة الثالثة، عباد الله، إن تتابع هذه المواسم علينا إنما تستلزم منا أن نقوم بحقها. وحق هذه المواسم أن نؤديها على وجهها، باغتنام أيامها واستغلال لياليها. هذا رمضان، قال عنه نبينا عليه الصلاة والسلام: «من أدرك رمضان فلم يغفر له، أبعده الله». فدل ذلك على أن العبرة، يا عبد الله، ليس بأن تدرك المواسم، وإنما العبرة، يا عبد الله، والشأن كل الشأن في اغتنامك لهذه المواسم. فوالله إن من أعظم الحرمان أن تأتي هذه المواسم -العشر الأول من ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق- وواحد منا ساهٍ لاهٍ، ما رفع رأسا بها، ولا ألقى لها بالا. إن ذلك هو الحرمان. عباد الله، علينا أن نستغل هذه الأيام التي حبانا بها الباري حق الاستغلال. ومن أعظم ذلك الإقبال على طاعة الله، وعلى رأسها الحرص على الفرائض، الحرص على الواجبات، الحرص على الصلوات، أن تؤدى في بيوت الله جماعة، فإن ذلك من أوجب الواجبات. فوالله، يا عبد الله، لا ينفعك صيامك، ولا ينفعك قيامك، ولا ينفعك ذكرك، وأنت تارك للصلاة ومتهاون بها. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله». الله الله، يا عبد الله، بإقامة الصلاة. وهكذا، يا عبد الله، احرص على إقامة شعيرة الأضحية، إن كان لك قدرة، وكان لك قوة من مادة لشراء الأضاحي ونحرها، فإن ذلك من أعظم الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه في مثل هذه الأيام. وهكذا، عباد الله، مما تستغل به هذه الأيام الإكثار من ذكر الله، فإن هذه الأيام هي التي عناها ربنا جل وعلا بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال القرطبي: «ولا خلاف أنها أيام التشريق». وقد كان سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم يلهجون بتكبير الله في يوم النحر وأيام التشريق، في كل أوقاتهم، وفي كل ساعاتهم. فاجعل لسانك رطبا، يا عبد الله، بتكبير الله في مدخلك وفي مخرجك، وبعد الصلوات وأدبار الدعاء، وفي كل آن، وفي كل حين، فإن التكبير من أعظم شعائر الله المقامة في مثل هذه الأيام. واعلموا، عباد الله، أنه يشرع للمسلم أن يتوسع وأن يوسع على نفسه وعلى أهله وعلى عياله بما أباح الله وبما أحل الله له، مما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات. قال عليه الصلاة والسلام: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله». فهذا مما يشرع فعله، أنك توسع على نفسك، وأن توسع على عيالك، على أولادك، على أهلك وزوجتك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن طيب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعادله شيء من أبواب البر». فوسع على نفسك، يا عبد الله، بما أباح الله، ولا يشغلنك ذلك عن ذكر الله، فإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله. وهكذا النساء، فإن عليهن بمثل ما على الرجال، أن يستغلن هذه الأيام بما ينفعها في دينها وفي آخرتها، وعلى رأسها الحرص على الصلاة، وذلك بتأديتها في وقتها، وأن لا تؤخرها عن زمانها. وأيضا، كما يشرع للرجال التكبير، فإن الشرع للنساء أن يكبرن. روى الإمام البخاري في صحيحه معلقا: «أن ميمونة رضي الله تعالى عنها كانت تكبر في يوم النحر». ورأى البخاري في صحيحه «أن النساء كن يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وذلك في أيام التشريق». وذلك أما إذا كن في حضرة الرجال، فإنهن يخفضن أصواتهن، وهذا بالإجماع. عباد الله، ومما ينبغي أن ننشغل به جميعا -الرجال والنساء- أن نكف شرنا عن الناس، أن نكف شرنا عن المسلمين، وذلك بعدم الاعتداء على أموالهم، ولا على دمائهم، ولا على أعراضهم، فإن ذلك من أعظم الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله، أن تكف شرك عن الخلق. هذا نبينا عليه الصلاة والسلام خطب بأصحابه بمثل هذا اليوم، في يوم النحر، فسألهم، قال لهم: «أي شهر هذا؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. ثم قال: وأي بلدة هذه؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، فظننا أنه سيسميها بغير اسمها، قال: أليست البلدة الحرام؟ قلنا: بلى يا رسول الله. ثم قال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدتكم هذه. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد». فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إن ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير، فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.