الجزاء من جنس العمل

الخطبة بعنوان الجزاء من جنس العمل، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 جمادى الآخر 1441هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الجزاء من جنس العمل

الخطبة تتناول موضوع الجزاء من جنس العمل، حيث يُجزى العبد بما عمل، وتُقدم الآيات والأحاديث الدعم لهذا المفهوم.

جزاء الله للعباد الصالحين وتأثير الصدق والإحسان

من صدق مع الله كان صادقا في تدينه، ومن عامل الناس بصفة عامله الله بتلك الصفة في الدنيا والآخرة، حيث يُجازي الله العباد بما يستحقون.

التوجيه بالتعامل الحسن مع الناس وجزاؤه

يشرح كيف أن تعامل الإنسان مع الناس بأخلاق حسنة يؤدي إلى جزاء مماثل من الله، ويوصي بالنظر في كيفية تعامل الفرد مع الناس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم إنعام الله على العباد أن وعدهم بالجزاء الكثير والعطاء الجزيل لكل من عمل صالحا من ذكر أو أنثى من المسلمين، قال سبحانه: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾. وإن من جزاء الله للعبد أن يكون أجره وثوابه من جنس عمله. وكما قيل: الجزاء من جنس العمل. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فالثواب والعقاب يكونان من جنس العمل، فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض. فإن الله سبحانه وتعالى جل في علاه يجازي العباد إنما يجازيهم من جنس أعمالهم. فمن أراد أن الله جل وعلا يعامله بصفة، فمن أراد منا أن يعامله الله بصفة فليتحل هو أولا بهذه الصفة حتى يعامله الله جل في علاه. فمن كان عظيم التعلق بالله محبا للقائه، فإن الله جل وعلا سيحبه ويحب لقاءه. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». وهكذا من كان حافظا لشرع الله وقافا عند حدوده بفعل أوامره واجتناب نواهيه حافظا لحدود الله، فإن الله جل وعلا سيحفظه. قال عليه الصلاة والسلام: «احفظ الله احفظك». حيث يجعل لك من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا. وهكذا من جند نفسه وماله ووقته وعمره في سبيل نصرة الدين والذب عن المسلمين وحما حماه والدفاع عن حياضه، فكان ناصرا لدين الله، فإن الله جل وعلا سينصره على عدوه وخصمه ولو بعد حين. قال سبحانه: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾. ومن كان ذاكرا لله في كل أحواله وفي كل أوقاته في ليله ونهاره وفي سره وعلانيته، فإن الله جل وعلا مقابل ذكره سيذكره سبحانه وتعالى رفعة الشأنه. قال سبحانه: ﴿فاذكروني أذكركم﴾. وفي الحديث القدسي قال الله: «أنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملئ ذكرته في ملئ خير من ملئه». الجزاء من جنس العمل يا عبد الله. ومن تسلح بالصبر فاستبر على هذه النوازل وعلى هذه المطائب من فقر من مرض من ضيق وشدة ومن كربة ونكبة، فما أظهر جزاء ولأظهر تفخط وإنما كان صابرا محتسبا حينها، فإن الله جل وعلا سيفرغ عليه صبرا. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن يتصبر يصبره الله». وهكذا من صدق مع الله كان صادقا في تدينه صادقا في تعبده لا رياء ولا سمعة، ما أراد ثناء ولا شهرة ما كان من أهل النفاق ولا من أهل الشقاق، وإنما كان صادقا مع الله في استقامته، فإن الله جل وعلا سيصدقه بأن يظهر له أمارات صدقه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن تصدق الله يصدقك الله». وذاك الرجل عندما دنى إلى حلقة من حلقات العلم آوى إليها فانضم لها وتقرب إليها كان من أمره كما قال عليه الصلاة والسلام حاكيا عن هذا الرجل: «أما هذا فآوى إلى الله فآواه الله». عامله الله بجنس فعله. فلما قرب إلى الله قرب إلى حلقات العلم قربه الله إليه. وذاك الذي بنى بيتا لله فكان من شأنه وأمره أن أعطاه الله من جيس فعله، فبنى الله له بيتا عظيما في الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة». وإن الأمثل في هذا الباب لكثيرة وكثيرة جدا تدل على أن الجزاء من جنس العمل، وأن من عامل الله بصفة عامله الله بجنس هذه الصفة في الدنيا والآخرة. وإن الأمر لا يقتصر في معاملة العبد مع ربه بل وكذلك في معاملة العبد مع خلقه، فمن عامل الناس بصفة عامله الله بتلك الصفة في الدنيا والآخرة. من كان رحيما بخلق الله رحيما بوالديه رحيما بأهله وعياله رحيما بأصحابه وجيرانه وبعامة الناس، فإن الله سيرحمه ويتغمده برحمته. قال عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». الجزاء من جنس العمل يا عبد الله. ومن كان مسارعا في خدمة الناس في تيسير أمورهم في إعانتهم ومعاونتهم وفي مد يد العون لهم، وينزل قصارى جهده في كشف الضر عنهم، من كان هذا حاله مع الناس، فإن الله جل وعلا يعامله بنفس ما كان من معاملته. قال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ومن رأى من أخيه أنه وقع في معصية على خفية غلب عليه شيطانه وزلت به قدمه، فلم يفضح ولم يشهر به وإنما ستره، كان الجزاء من الله من جنس فعله. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة». أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلنزن عباد الله في هذا المقام في بيان عظيم جزاء رب العالمين لعباده الصالحين بأن جزاهم من جنس أعمالهم، سواء كان في تعامل الناس مع ربهم أو ما كان من تعامله مع خلق الله، فإن الجزاء من جنس العمل. فمن وصل صفا لم يرض أن يرى في صفوف الصلاة انقطاعا ولأن يجد فيها خللا وإنما ساعد سارعا إلى سد الفرجة في الصفوف، فكان جزاء من جنس عمله. قال عليه الصلاة والسلام: «من وصل صفا وصله الله». فإذا كان هذا في حق من وصل الصفوف، فما ظنك بالذي يصل الأرحام يصلها بزيارة أو يصلها بإعانة. قال عليه الصلاة والسلام: «الرحم شجنة من الرحمن، من وصلها وصله الله». من كان على هذا الخلق على هذه الصفة، أنها واصلا لأرحامه، فإن الله سيكون واصلا له يصله بكل خير في دينه ودنياه وأخرى بأن يوسع له في الأرزاق وأن يطيل له في الأعمار وأن يجعله من أهل الجنان. وهكذا عباد الله، من سامح الناس على ما يقع منهم من هفوة أو من زلة من استعجال أمر ما أو من سقطات الألسن ونحو ذلك من غض الطرف عنها، وثامح الناس على هناتهم وعثراتهم، فاعلم يا عبد الله أن جزاءك عند الله أن يعاملك الله بنفس الصنيع. قال عليه الصلاة والسلام: «من أقال عثرة مسلم أقال الله عثرته». وما منا إلا وهو من أهل الهنات والزلات والعثرات، فإن أردت أن الله جل وعلا يغض الطرف عنها فغض الطرف عن هنات الناس وزلاتهم. وهكذا يا عبد الله، من تعامل مع الناس وذلك في بيعهم وشرائهم بأنه أعان المعسرين، أعان صاحب الدين وصاحب البيع فينظر هذا ويصبر على هذا ويسامح ويتجاوز عن هذا، فمن كان هذا شأنه في تعامله مع الناس كان هذا شأنه أيضا في تعامل الله معه. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «كان رجل فيمن كان قبلكم يداين الناس، فقال لفتاه: من أتاك معسرا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنه». قال عليه الصلاة والسلام: «فلقي الله فتجاوز عنه». الجزاء من جنس العمل يا عبد الله. وهكذا من كان حريصا على أداء الأمانات حريصا على أداء الأموال لأصحابها والديون لأربابها وإرجاع الودائع لأصحابها، من كان حريصا على أدائها كان الله معه مؤيدا في سدادها وأدائها. روى الإمام البخاري في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه». وهكذا عبد الله، إن أردت أن الله جل وعلا ينفق عليك فيوسع لك في الأرزاق فأنفق أنت على الناس، اعقل مساكين، تصدق على المحتاجين. فأنت متى ما أنفقت جاءك الرزق من الله. قال عليه الصلاة والسلام: «أنفق ينفق عليك». روى ابن حبان بإسناد صحيح. وهكذا من ولي ولاية على الناس ولاية عامة أو ولاية خاصة، فكان رفيقا برعيته رحيما بهم ميسرا لأمورهم ميسرا لحوائجهم، ليس طبع غليظا عليهم ولا يكلفهم بما لا يطيقون. فمن كان رفيقا برعيته فحينها ربنا سيرفق به. قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به». وأخيرا من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه بها عشرا. عباد الله، إن النظائر في هذا الباب لكثيرة وكثيرة جدا، وهي عظيمة تستحق منا النظر فيها والتأمل في معانيها، وبها يتضح أن الجزاء من جنس العمل. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فإن الله يجازي العبد على حسب هذه الصفات وجودا وعدما، فمن عفا عنهم عفا عنه، ومن غفر غفر له، ومن سامح سامح، ومن رفق بعباده رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن معهم أحسن الله إليه، ومن نفعهم نفعه الله، ومن سترهم ستره الله، ومن صفح عنهم صفح عنه. ثم قال: ومن عامل خلق الله بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فإن الله تعالى يكون لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه. انتهى كلامه رحمه الله. فالله الله يا عبد الله، فلا تنظر في تعامل الناس معك، لكن انظر في تعاملك مع الناس، فإن الله جل وعلا لا يظلم أحدا، فإن الله يعاملنا على قدر تعاملنا معه ومع خلقه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.