الدرس في وقفتان مع حديث خباب شكونا إلى رسول الله، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بالحمد لله والشهادة للنبي محمد، ويشدد على أهمية تقوى الله وطاعته. يُشير إلى أن خير الكلام هو كلام الله وخير الهدي هو هدي النبي محمد.
يناقش المقطع الابتلاء كسنة كونية قضاها الله على عباده، ويبين أن الابتلاء يأتي في صور متعددة. يُشدد على أهمية التمسك بالدين وتحذير من الاستعجال في النصر.
يُبَشِّرُ نَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِانْتِشَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحَقُّقِ الْمَعْجِزَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. يُشدد على أن النصر لن ينزل إلا على أهل الإيمان الصادقين.
يتناول المقطع أهمية التمسك بكتاب الله وسنة رسوله لنصر الأمة وتمكينها. يُبرز أهمية رفع راية الإسلام والتوحيد لتحقيق المجد والعزة.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجْعَلُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَقُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِ اللَّهِ»، قَالَ: «لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ». يَا عِبَادَ اللَّهِ، مَا أَحْوَاجَنَا أَنْ نَقِفَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الْعِبَرِ وَالْعِبَرِ وَالْمَسَائِلِ وَالنِّقَاطِ الَّتِي تَعُودُ عَلَيْنَا بِالنَّفْعِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَتَبَادَرُ إلَى أَذْهَانِنَا عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ نَفْهَمَ وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْابْتِلَاءَ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ، أَنَّ الْابْتِلَاءَ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ أَمْرٌ قَضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ، فَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ عَلَى قَضَائِهِ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وَجَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاءُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ». يَا عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ صُوَرِ الْبَلَاءِ أَنْ تُبْتَلَى بِالْإِيذَاءِ الْجَسَدِيِّ، مِنْ ضَرْبٍ وَتَعْذِيبٍ وَتَنَكِيلٍ وَقَتْلٍ، كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِأَتْبَاعِ الرُّسُلِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ صُوَرِ الْبَلَاءِ أَنْ تَسْمَعَ مَا لَا تُرْضِيكَ مِنْ الْقَوْلِ، مِنْ سَبٍّ وَشَتْمٍ وَضَحِكٍ وَاسْتِهْزَاءٍ وَسُخْرِيَةٍ وَطَعْنٍ وَقَدْحٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ فِيك وَفِيمَنْ تَحُوطُهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. يَا عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ صُوَرِ الْبَلَاءِ الْفَقْرُ، قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إلَّا الْعَبَاءَةَ يَجُوبُهَا». يَا عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ صُوَرِ الْبَلَاءِ أَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِالشُّبُهَاتِ، فَتَعْتَرِضُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ وَتُشَكِّكُهُ فِي دِينِهِ وَفِي مَنْهَجِهِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ، الْحِكْمَةُ مِنْ الْبَلَاءِ تَصْفِيَةُ هَذَا الدِّينِ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ وَلَيْسَ أَهْلًا لَهُ، وَإِظْهَارُ الْمُخْلِصِينَ الرِّجَالِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾. يَا عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِفْضَالِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ. أَمَّا بَعْدُ، فَنَاظِمُ عِبَادِ اللَّهِ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ، وَالَّذِي فِيهِ أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَقِيَهُ مِنْ عَذَابٍ وَإِيذَاءٍ، وَكَيْفَ أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَهُ بِأَحْوَالِ مَنْ مَضَى، كَيْفَ أَنَّهُمْ عُذِّبُوا بِأَشَدِّ مِنْ هَذَا الْعَذَابِ وَكَيْفَ أَنَّهُمْ صَبَرُوا. ثُمَّ نَعْلَمُ عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْوَقْفَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْوَقَفَاتِ الَّتِي نَقِفُهَا عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَوَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ». فِي هَذَا الْمَقْطَعِ مِنْ الْحَدِيثِ يُبَشِّرُ نَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ سَيَنْتَشِرُ انْتِشَارًا عَظِيمًا وَيَبْلُغُ مَبْلَغًا بَعِيدًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ هَذَا الْوَضْعَ الْمَأْسَاوِيَّ الَّذِي تَعِيشُهُ الْقِلَادَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْغَابِرَةِ مِنْ خُضُوعٍ وَاسْتِسْلَامٍ لِأَعْدَاءِ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ الْمَيَادِينِ، لَنْ يَبْقَى لِلْأَبَدِ، بَلْ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْمَوَازِينُ وَتَتَحَقَّقُ فِيهَا الْمَعْجِزَاتُ، وَيَظْهَرُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ. يَا عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ النَّصْرَ لَنْ يَنْزِلَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَّا عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ، مِمَّنْ وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ وَظَهَرَ ذَلِكَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. يَا عِبَادَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ سَيَقُودُونَ تِلْكَ الْجَيْشَاتِ الْجَرَّارَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِتُقَاتِلَ النَّصَارَى عِبَادَ الْأَوْثَانِ فِي مَعْرَكَةٍ لَنْ يَسْمَعَ التَّارِيخُ بِنَظِيرِهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَتَكُونُ غَلَبَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ مَجْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعِزَّتَهَا وَقُوَّتَهَا إنَّمَا يَكْمُنُ فِي قُوَّةِ تَعَلُّقِهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِرَفْعِ رَايَةِ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْحِيدِ. فَسَأَلُ مَوْلَانَا جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَقُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.