الدرس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ العثيمين 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
فرض الله الصلوات الخمس على النبي ﷺ في ليلة المعراج عند سدرة المنتهى فوق السماوات السبع، وهو مقام لم يبلغه نبي قبله. كان الفرض في البداية خمسين صلاة ثم خُففت إلى خمس في الفعل مع بقاء أجر خمسين.
تُعد ليلة المعراج أفضل الليالي للنبي ﷺ، وفُرضت الصلاة فيها مباشرة من الله دون واسطة، ولم يُحدد توقيتها منعاً للابتداع. لم يحتفل السلف الصالح بهذه الليلة، وظل الفرض خمسين صلاة ثم خُفف إلى خمس بأجر خمسين.
تشترط الصلاة طهارة البدن من الحدثين الأصغر والأكبر والنجاسات، وطهارة المكان والقلب لتتحقق الخشوع والأجر الكامل. من صلى بلا حضور قلب أو نسيانه أنه في صلاة لا ينال إلا قليلاً من الأجر، وقد ذكر ابن عثيمين عشرة أسباب لأهمية الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أهمية في كتاب "صفة الصلاة" أهمية الصلاة شرعًا، وذكرنا ثلاثة أشياء من أهمية الصلاة: أنها من أركان الإسلام، وأنها عمود الدين، وأنها خاصة من بين سائر الأركان؛ إذا تركها الإنسان فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة. ثم قال: الرابع: أن الله فرضها على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فوق السماوات السبع، في أعلى مكان يصل إليه المخلوقون. أن الله عز وجل فرض هذه الصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام في مكان عظيم فوق السماوات السبع؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام ترقى، كان معه جبريل حتى بلغ إلى البيت المعمور، ثم إنه أيضًا ترقى حتى بلغ مبلغًا عند سدرة المنتهى، الذي ينتهي إليه المخلوقون. عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، والسدرة هي الشجرة الكبيرة، فتغطي ذلك المكان العظيم الذي كله نور، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع صريف الأقلام، أي أقلام القدر. وهذا مقام عظيم لم يبلغه نبي من أنبياء الله إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضًا يدل هذا على اعتقاد أهل السنة أن الله عز وجل في أعلى عليين فوق السماوات السبع، فهو جل وعلا عالٍ مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى؛ وإلا فما فائدة أن النبي عليه الصلاة والسلام يجعله الله عز وجل يصعد إلى ذلك المكان العالي؟ فلذا ذكر الله عز وجل أنه انتهى -أي النبي صلى الله عليه وسلم- إلى سدرة المنتهى. عند هذه السدرة جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، أي من الأنوار العظيمة والأشياء التي لا يعلمها إلا الله. ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: 17-18]. أي النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان فرض الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الصلوات الخمس. وقد ذكرنا أنه كان فرضها خمسين صلاة، ثم قللها حتى صارت خمسًا في الفعل وخمسين في الأجر. قال: الخامس: أن الله فرضها عليه في أفضل ليلة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ليلة المعراج؛ لأنها أفضل ليلة لأنه صعد في ذلك المكان العظيم، ولهذا فهي من أعظم وأفضل الليالي في حق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الليلة لم تعرف في أي ليلة كانت؛ حتى لا تعظم على غير تعظيم الشرع لها. ولهذا لم يحتفل بها النبي عليه الصلاة والسلام مع أنها مرت سنوات، ولم يحتفل بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا التابعون، ولا الأئمة المتبوعون كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ لم يفعلوا حفلًا ولا غيره. حتى جاءت الروافض وجاءت الصوفية وفعلوا هذه الاحتفالات، فهذا ليس من دين الله جل وعلا. يحملون رايات ويخرج هذا من هنا وهذا من هنا ويجتمعون في مكان، فهذا لم يأت في شرع الله جل وعلا. وشرع الله إنما هو اتباع، ليس ابتداء ولا اختراع. قال رحمه الله: «عرج به إلى فوق السماء السابعة حتى وصل إلى مكان سمع فيه صريف الأقلام»، أي أقلام القضاء والقدر التي أشار الله إليها في قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]، يغني فقيرًا ويفقر غنيًا، ويمرض صحيحًا ويصح مريضًا، ويميت حيًا ويحيي ميتًا، إلى غير ذلك من شؤونه جل وعلا. معناه: يريد أن قوله جل وعلا ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فسرها ابن عباس وغيره أنه جل وعلا... معناه: أفعاله كثيرة عظيمة، لا... معناه: تكون هذه الأعمال في كل وقت وحين، فيغني فقيرًا ويفقر غنيًا، ويميت حيًا، ويمرض صحيحًا ويصح مريضًا، وهكذا أفعال الله عز وجل عظيمة. قال: السادس: أي من الأمور التي فيها أهمية الصلاة، أن الله فرضها عليه صلى الله عليه وسلم بدون واسطة بينهما. معناه: أكثر الشرع جعل جبريل يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الصلاة فرضها عليه مباشرة عليه الصلاة والسلام، فرضها الله عز وجل عليه مباشرة. الأمر السابع: أن الله فرضها على العباد أول ما فرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم جعلها خمسًا، وجعل أجرها ربنا سبحانه وتعالى أجر خمسين، أجر خمسين صلاة. فهي خمسمائة حسنة؛ فإن كل صلاة يتحصل فيها على مائة حسنة، فهي خمسمائة حسنة، والله يضاعف لمن يشاء. قال: الثامن: أن الله أوجب فيها الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر والنجاسة في البدن والثوب والمكان. أن الإنسان المسلم لا يصلي هذه الصلاة إلا وهو طاهر: طاهر من الحدث الأصغر، إذا بال أو ذهب إلى الغائط أو خرج منه ريح، فإنه يذهب ويتوضأ، ولا يجوز له أن يصلي وهو محدث، وصلاته باطلة. أيضًا كذلك إذا فيه حدث أكبر: جامع امرأة، أو خرج مني منه في يقظة أو في نوم، فإنه يجب عليه أن يغتسل، لا يصلي حتى يغتسل. فإن صلى ولم يغتسل فصلاته باطلة، صلاته باطلة. قال: التاسع: كثرة النصوص الواردة بشأنها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فذُكرت الصلاة في القرآن أكثر من ستين مرة، وأما في نصوص السنة فهي كثيرة جدًا، حتى قال الإمام ابن حبان: «أحفظ، أحفظ، أحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام ستمائة... أحفظوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ستمائة سنة». يقول ابن حبان: «أحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فقط ستمائة سنة». أن السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، قال: «أحفظها كلها»، وقد يكون أيضًا أكثر من هذا. قال: العاشر: أنه اجتمع في مقدمة هذه الصلوات التطهير البدني والتطهير القلبي، حتى يدخل الإنسان في صلاته ويقف بين يدي ربه وهو طاهر القلب، طاهر البدن، طاهر المكان؛ لأن الصلاة تحتاج إلى خشوع، تحتاج إلى حضور، والإنسان لا يتحصل على أجر الصلاة إلا بما خشع فيها وبما حضر فيها. فنتذكر أنه في صلاة، فإذا تذكر أنه في صلاة أجر. أما إذا ابتعد، صلى ولم يدري كيف صلى ولا كم صلى، فهذا لا يتحصل على أجر شيء من الصلاة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل ليصلي الصلاة فلا يتحصل إلا على عشرها، أو تسعها، أو ثُمنها، حتى قال: أو نصفها». معنى: ما يتحصل إلا على الشيء القليل بحسب حضوره في الصلاة. فإذا كان في الصلاة منذ أن بدأت إلى أن انتهت ليس حاضرًا قلبه، أو لم يتذكر أنه في صلاة، فهذا لا يتحصل على شيء من أجر هذه الصلاة. فهذه ذكر الإمام ابن عثيمين رحمه الله عشرة أسباب من أهمية الصلاة، وهي كثيرة جدًا، بل قد ألف مؤلفات في هذا الباب، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.