كتاب الصلاة 87

كتاب الصلاة 87

الدرس في كتاب الصلاة 87، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الصلاة في المقبرة والمواضع المنهي عنها

اختلف العلماء في حكم الصلاة في المقبرة، فمنهم من قال ببطلانها ومنهم من قال بصحتها مع الكراهة. النهي عن الصلاة في المقبرة يستند إلى أحاديث النبي التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد.

الصلاة تجاه القبور واتخاذها مساجد

الصلاة تجاه القبر باطلة إذا كان المصلي يعلم بوجود القبر، ونهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد، مما يدل على تحريم الصلاة تجاه القبور.

تفريق الشافعية بين المقابر المسبلة وغير المسبلة وتوضيح موقف الإمام الشافعي

يناقش التفريق بين المقابر المسبلة وغير المسبلة، ويشير إلى عدم وجود دليل شرعي على هذا التفريق، ويوضح موقف الإمام الشافعي من الصلاة في المقابر المنبوشة وغير المنبوشة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف الحسني أو المحلي في كتابه "مزيد النعمة في كتاب الصلاة": قال واختلف في الصلاة في المواضع المنهي عن الصلاة فيها، فقال أحمد: تبطل. وقال ثلاثة: تصح مع الكراهة. وقال الشافعي: إذا كانت المقبرة منبوشة فلا تصح الصلاة فيها، وإلا كرهت. والمواضع التي ذكرها سنأتي عليها الآن. هذه المسألة قد ذكرناها قبل أو بالأمس في الكلام على حديث أبي سعيد الذي في صحيح المسند، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا صلاة في العرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". وذكرنا أن مذهب أحمد، والمشهور عنه أنها تبطل الصلاة. هناك قول في مذهب أحمد أنها لا تبطل، لكن المشهور أنه تبطل. ومعنى هذا التحريم والإباحة، لكن الذي اشتهر عن أحمد أنه يقول أنها تبطل الصلاة إذا صلى في موضع منهي عنه، خاصة القبر، خاصة إذا صلى في مقبرة. إذا صلى في مقبرة، واستدل بعضهم بما جاء في النهي وأنه يقتضي الفساد، نستدل بهذا بعض الحنابلة. وأيضا كذلك لأن النهي الذي جاء عن الصلاة جاء لذاتها، لا تصل إلى القبور ولا تجلس عليها. وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". واتخاذ القبر مسجدا أي بالصلاة فيه، هذا من اتخاذ القبر مسجدا أن يصلى عنده. وهذه الصلاة التي تكون عنده، إن كان يعتقد أن هذا القبر يستحق الصلاة، فهذا لا شك أنه شرك أكبر. وأيضا وإن كان لا يعتقد ذلك، لكنه يقول إن الصلاة عند القبر الفلاني فيها بركة، فيها بركة. بل وجد من القبورية من يفضل الصلاة عند القبر أفضل من الصلاة في المسجد، هذا باطل. أن يقول الصلاة عند القبر الفلاني بكذا وكذا يتوسل بحديث أو كذا، لأجل أن يمرروا بكذبة، فيقولون من صلى عند القبر الفلاني فله كذا وكذا، وهذا باطل. وقد ذكر الإمام أحمد -كما قلنا- أن صلاته باطلة من صلى تجاه القبر وهو يعلم أن القبر تجاهه. وأما الذي لا يعلم، الذي لا يعلم لا تبطل صلاة الذي لا يعلم لا تبطل صلاة. ولهذا من استدل من المالكية وغيرهم بأثر عمر الذي ذكره الإمام البخاري أنه رأى أنسا يصلي إلى اتجاه القبر، فقال عمر رضي الله عنه: "يا أنس القبر القبر". قال في بعض روايات: قال أنس: "فنظرت إلى القمر". أي ظن يقول له القمر القمر. وهذا يدل على أن أنس ما كان منتبه للقبر، فقال له القبر القبر. قال أنس: "فتنحيت عن القبر". فدل على أن أنس لم يكن يعلم أن القبر موجود أو أنه لم ينتبه أنه صلى ولم ينتبه لوجود القبر، فنبهه عمر رضي الله عنه. نبهه عمر أن القبر عنده، فتنحى أنس رضي الله عنه عن القبر. وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم أنها لا تجوز الصلاة عند القبور. وقد جاء النهي كما قلنا من عدة مواضع، وقد ذكرنا ذلك. وقال في حديثه "جندب بن عبد الله": "لا تجعلوا قبوركم مساجد، قال الله قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". فهذه كلها الأحاديث تدل على أن النهي يفيد الفساد. ولهذا ذهب ابن حزم والشوكاني وجماعة إلى بطلان من صلى تجاه القبر وهو يعلم أن القبر عنده، أن القبر عنده. فلابد أن يتحرى ذلك. وقلنا أن أحمد اشترط إذا أراد الإنسان أن يصلي في مسجد والمسجد أمامه قبر أو بجانبه قبر، أنه لا بد أن يكون هناك جدارين، جدار للقبر وجدار للمسجد، مثل ما هو الآن حاصل في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، فإنه أخرج من المسجد ووضع بعده أكثر من جدار، ولا يجعلون أحد يصلي تجاه القبر. أن المكان الذي هو خلف القبر ما يجعلون أحد يصلي، وهذا لأجل هذا الباب. فهذه المواضع لا تجوز الصلاة إليها. وأما قول الشافعي رحمه الله: "إن كانت المقبرة منبوشة فلا تصح الصلاة فيها، وإلا كرهت". الكراهة عند الإمام الشافعي المراد بها كراهة التحريم، لأنه لا يمكن أن تكون هذه النواهي كلها ثم يقال أنها مكروهة كراهة تنزيل. أين ذهبت هذه النواهي وهي نواهي قوية حتى فيها لعن وفيها قتل "قاتل الله اليهود والنصارى". فلهذا فهذه النواهي الشديدة، فهل بعد ذلك أن يقال مثلا أنها مكروهة كراهة تنزيل؟ هذا بعيد جدا. وما فهمه بعض الشافعية من هذا النص أنه أراد كراهة التنزيل، فهذا غلط كما بين ذلك الإمام ابن القيم في "غاثة اللهفان" وفي غيره من المواضع. كذلك ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أن كلام الشافعي رحمه الله ليس المراد به كراهة التنزيل وإنما هو كراهة التحريم. وإنما قال فرق بين المقبرة المنبوشة والمقبرة الغير منبوشة، أن المقبرة المنبوشة أي التي نبشت فيها القبور حتى تظهر فيها العظام، فيقول الإمام الشافعي أن لا تصح الصلاة فيها لأجل أنها نجسة، لأجل أنها نجسة كما علل بعض الشافعية هذا. وأما إن كانت ليست منبوشة فالصلاة فيها منهي عنها سواء كانت كذلك. وأما من فرق من الشافعية بين الأرض أو المقبرة المسبلة والمقبرة الغير مسبلة وهي مقبرة ملك، فإن هذا التفريق لا دليل عليه، ولا دليل عليه من كلام الله ورسوله، ولا أيضا من كلام الصحابة، ولا أيضا حتى من كلام الإمام الشافعي رحمه الله. بل إنما قال الشافعي رحمه الله: أن إذا كانت الأرض منبوشة لا تصح الصلاة فيها، وإلا كرهت. ثم ذكر بعد ذلك المواضع المنهية عنها، قال: وهي سبع. وجاءت في حديث إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.