شرح لمعة الإعتقاد  42

شرح لمعة الإعتقاد 42

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حقوق النبي والصحابة

يتناول أهمية حقوق النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وتعظيمه واتباع سنته. يشرح الفرق بين الرسول والنبي من خلال تعاريف العلماء وآيات القرآن.

شرح ألقاب النبي صلى الله عليه وسلم

يناقش معنى خاتم النبيين وسيد المرسلين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين دلالة هذه الألقاب على مكانته بين الأنبياء والرسل. يوضح أن نبينا هو أفضل الرسل وأنه لا نبي بعده.

تفاصيل الإيمان بالرسول وفضل أمته

يتناول توضيح مفهوم الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتفصيله إلى اعتقاد وتصديق وعمل. يشير إلى فضل أمته في الآخرة وسبقهم لدخول الجنة.

فضل النبي يوم القيامة وأولوية دخول الجنة

يذكر فضل النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حيث يكون أول من يدخل الجنة وأول من يفتح له أبوابها. يشير إلى مسألة أخرى متعلقة بلواء الحمد والمقام المحمود.

  • 19 جمادى الأولى 1436هـ - 09/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال مؤلف كتابنا، رحمه الله تعالى: فصل في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. هذا الفصل، أخواني في الله، من الفصول المهمة التي يتعرف بها المسلم على أعظم الحقوق المنوطة عليه في ذمته وفي عهده، ما يتعلق بحق النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا التعرف على حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وبدأ المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الحقوق المتعلقة بنبينا عليه الصلاة والسلام، وهذه حقوق مهمة، بل مهمة جدا، ولا ينبغي لأحد أن يتغافل عنها، فهي متعلقة بالشطر الثاني من ركني الشهادة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ولا يمكن لأحد أن يأتي بهذه الشهادة بمحمد رسول الله إلا إذا أدى الحقوق لنبينا عليه الصلاة والسلام. فبعدم أدائك لهذه الحقوق، فإن هذا الركن من الشهادة لم تقم به أصلا. وأيضا كذلك في هذا الباب، أو في هذا الفصل، تنبيه لمسألة مهمة، وهي أن يتعلم المسلم ويعرف أن حقوق النبي عليه الصلاة والسلام ما انقضت ولا انتهت، كمن يزعم بأن هذه الحقوق إنما تؤدى لجنابه عليه الصلاة والسلام في مدى حياته، في فترة عمره، في عهده وزمنه، يرى أن هذه الحقوق ذاك وقتها وذاك زمانها، وأنه بعد ذلك، بعد موته عليه الصلاة والسلام وبعد قبضه، ليس هناك شيء اسمه حقوق. إذ لا نبي عندنا حتى نؤدي الحقوق له، لا يا عبد الله، بل الحقوق تبقى. وهكذا كان فهم سلفنا الصالح، وكانوا يؤدون الحقوق بعد نبينا عليه الصلاة والسلام مع سنته، فالسنة هي بمثابة الرسول عليه الصلاة والسلام الناطق بها. وكان السلف يعظمون الأحاديث كأنهم يواجهون نبينا عليه الصلاة والسلام. وكان الواحد ربما إذا تلفظ بأحاديث الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، أو حضر إلى مجلس فيه التحديث بأخبار الرسول، كأنه يجد نفسه أمام الرسول شخصيا. وهذا تنبيه على أن نعلم أن الحقوق تبقى لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه، من تعظيمه وتبجيله وتوقيره وتقديره وطاعته واتباعه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: ومحمد رسول الله خاتم النبيين. قوله رحمه الله تعالى: ومحمد، محمد هو اسم نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، اسمه محمد، وجاء ذكره في القرآن: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾. ومحمد من تصاريف هذا الاسم، أنه اسم مفعول، سمي محمدا. ومن معاني هذا الاسم: هو الذي يحمد المرة تلو الأخرى، يحمد المرة تلو الأخرى، فهو محمد لأنه كثيرا ما يستحق أن يحمد، لكثرة محامده، فهو يحمد المرة تلو الأخرى. فهو قد حمد، فهو محمد صلوات ربي وسلامه عليه، أي: وقى عليه الحمد والثناء من الناس، لكثرة ما اختص بالخير الذي انبثق منه صلوات ربي وسلامه عليه. وهنا المؤلف رحمه الله تعالى وصفه بالرسالة، وذلك لنص القرآن، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، فوصفه بالرسالة. قال: ومحمد رسول الله وخاتم النبيين، فهو رسول ونبي كذلك صلوات ربي وسلامه عليه، إذ أن مرتبة الرسالة أرفع من مرتبة النبوة. هنا مسألة وهي ما يتعلق بالفرق بين الرسالة والنبوة، خاض العلماء في التفريق بينهما، ما الفرق بين الرسول وبين النبي؟ فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. ومن التعاريف التي ذكرها العلماء في الفرق بين الرسول والنبي: بأن الرسول هو من أوحى إليه ربنا بشرع وأمره بالتبليغ، هذا الرسول. وأما النبي: هو من أوحى إليه ربنا سبحانه وتعالى بوحي ولم يأمره بالتبليغ، قالوا: هذا من الفروق التي بين الرسالة وبين النبوة. والصحيح: أن هذا ليس بذاك التفريق، والتفريق هنا ليس بسديد، ولهذا انتقده العلماء، وخاصة في قولهم: بأن النبي هو الذي أوحى إليه ربنا بشرع وما أمره بالتبليغ، قالوا: هذا يرده الشرع، ويرده كذلك الحس والعقل. وأما الشرع: فقد جاءت الأدلة الدالة على أن الأنبياء كذلك أمروا بالتبليغ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، فذكر ربنا جل وعلا أنه قد تم الإرسال للأنبياء والرسل. وقد تكلم على هذه المسألة الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان، وعلى أن الكل قد أمر بالتبليغ، ليس فقط التبليغ يختص بالرسل، بل كذلك الأنبياء، فأخبر ربنا أنه قد أرسل الأنبياء، إذن ماذا أرسلهم؟ أرسلهم إلى أقوامهم، إذن أمروا بالبلاغ للأمة. وهكذا ما جاء في مسلم، حيث سئل عمر بن عبسة عن نبينا، قال: من أنت؟ قال: أنا نبي، قال: وما نبي؟ قال: بعثني الله، وفي رواية: أرسلني الله إلى كسر الأصنام وأن يعبد الله وحده، إذن دل على أن نبينا ما ذكر مسألة النبوة، ذكر أن من أعمال النبوة الإبلاغ والتبليغ لدين الله سبحانه وتعالى. وأيضا كذلك الحس: إذا كان طالب علم أو رجلا خيرا من الصالحين، عندهم من العلم وعندهم من الفهم لدين الله، ثم قبع في بيته وجلس في زاوية من زوايا غرفته، ويقال له: يا عبد الله، بلغ ما عندك من دين الله، قال: ما في داعي أبلغ، ما رأيكم بهذا؟ لربما ذمه الناس إذا كان هذا في حق رجل طويل بعلم، أو رجل على خير، ومع ذلك عندهم من العلم، وما أمر وما بلغ دين الله، لامه الناس وذمه الناس. إذا كان هذا في حق هذا الشخص العالي، فما ظنك برجل أعطاه ربنا شرع ووحيا، ثم يقول: أنا ما أمرت بالتبليغ، فلا يمكن هذا. ولهذا فالصحيح: أن النبي كذلك أمر بالتبليغ، فالرسول أمر بالبلاغ وهكذا الأنبياء أمروا بالبلاغ. قال رحمه الله تعالى: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. وهذا قد جاء في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، لكن: رسول الله وخاتم النبيين. وتقرأ خاتم بفتح التاء وخاتم بكسر التاء، هذه قراءة، وهذه كلها من قراءة السبعية الصحيحة، وكلها تدل على معنى واحد، على ختم الرسائل برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. وبعضها فيها معنى زائد، يراجع ذلك ما ذكره العلماء في كتب التفاسير في الفرق بين الخاتم وخاتم. ولكن مؤداها واحد، أنها دلالة على أن الله جل وعلا قد ختم الرسالات برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا صح عن نبينا أنه قال: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي». يقول الألوسي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: قال وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين مما نطق به الكتاب وصدعت به السنة وأجمعت عليه الأمة، فمصادر التشريع تدل قطعا جزما بهذه المسألة. ثم قال رحمه الله تعالى: فيكفر مدعي خلافه ويقتل إن أصر، وهذا محل إجماع، فمن كابر وادعى النبوة والرسالة بعد نبينا عليه الصلاة والسلام فقد كفر، فإن كان مسلما فقد ارتد عن دين الله سبحانه وتعالى. وجاء كذلك في السنن: أن نبينا قد أخبر أن عدة من يدعي النبوة ثلاثون رجلا، أو ثلاثون نبيا، سيأتون بعد نبينا ويدعون النبوة والرسالة. قد يقول قائل: لكن من نظر في واقع الناس يجد أن الذين ادعوا النبوة أكثر من هذا، هو نعم، الذين ادعوا النبوة من بعده، بل في زمن نبينا كحال مسيلمة الكذاب، إلى هذه الأزمان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سيأتينا الكثير، لا كثرهم الله، من هؤلاء ممن يدعي النبوة والرسالة. إذن كيف التوفيق بين واقع الناس وبين حديث الرسول الذي حصر النبوة في ثلاثين شخص؟ وجاء في روايات: أنهم سبع وعشرون رجلا وأربع نسوة، بالعموم ثلاثون يدعون النبوة، وبين الواقع أن من دعوا النبوة أكثر من هذا العدد كثير؟ فقال علماء الجمع بين الواقع وبين الحديث: أن نبينا إنما أراد بالذين يدعون النبوة من تكون لهم الشوكة، من يكون لهم النفوذ، من تكون لهم القوة والمنعة، هؤلاء الذين يحسبون، أما أن تأتي إلى بعض الناس الذين لا قوة لهم ولا منعة لهم ولا نفوذ لهم، رجل عنده هوس أو عنده اضطراب نفسي أو نغتر به بعض الغلمان، هذا لا يحسب ولا يؤبه له، حينما الحساب يكون في حق من كانت له شوكة، كأمثال أسود العنسي، ومستوئة الكذاب، وأمثال هؤلاء ممن ظهروا في الأمة بين الفينة والأخرى، ولهم أتباع كثر ولهم قوة وعتاد، هؤلاء الذين أشار إليهم نبينا بظهورهم بعد زمنه، ويدعون النبوة والرسالة. قال رحمه الله تعالى: وسيد المرسلين، كذلك نبينا هو سيد المرسلين، كما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»، وجاء ذلك في مسلم. وهنا تشرف نبينا، أو شرفه ربنا بمنزلة السيادة، وهنا السيادة جاءت مقيدة: سيد المرسلين، سيد الأنصار، سيد المهاجرين، فلا بأس إذا كانت السيادة مضافة، فهذا لا بأس بها. لهذا قال: وسيد المرسلين، وفي ذلك بيان على أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو أفضل الرسل، فهو سيد المرسلين، فهو أفضل الرسل عليه الصلاة والسلام، فأفضل الخلق هم الرسل، وأفضل الرسل هم أولي العزم منهم، وأفضل من أولي العزم هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. فأولي العزم هم إبراهيم وموسى وعيسى ونوح ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه، كما جاء ذلك في سورة الشورى، وفي سورة الأحزاب، في عدهم وذكرهم، فهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، لهم منزلة رفيعة، لأعمالهم الجليلة التي قاموا بها. فأفضل الخلق الرسل، أفضل الرسل أولو العزم، وهم الخمسة، وأفضل هؤلاء الخمسة ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه، كما في قوله: «أنا سيد المرسلين» أو «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»، فأحد يداني في منزلته صلوات ربي وسلامه عليه. فالرسل ليسوا على حد سواء في رتبة واحدة، لا يتفاضلون بهذا، قال ربنا جل وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فربنا قد فاضل بين رسله، تأتي هنا مسألة: إذا قال بعضهم: إذا كان ربنا قد فضل بعض الرسل على بعض: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، طيب كيف نحمل تلكم الأحاديث التي فيها المنع من التفضيل بين الأنبياء والرسل، كما ثبت ذلك عن نبينا في أحاديث كثيرة: «لا تخيروني بين الأنبياء» أو «لا تفضلوني على موسى» إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها نهى نبي عن التفضيل؟ وكيف هنا نجد أن ما في كتاب الله مسألة التفضيل، وكذلك ما عليه العلماء إذا ذكروا عند المفاضلة ذكروا هذه الرتب، وأن أولي العزم هم أفضل رسل، وأن أفضلهم نبينا، ثم بعد ذلك إبراهيم، ثم بعد ذلك موسى، وبعد ذلك وقع الخلاف بين عيسى وبين نوح، فكيف نحمل هذا مع تلكم الأحاديث؟ قال علماء: لا إشكالية، التفضيل وارد، لكن الذي جاء عن نبينا أنه منع من التفضيل، هذا ينزل باعتبارات، ما هي الاعتبارات؟ أن التفضيل يمنع إذا كان يؤدي إلى التنقص، إلى التنقص في حق نبي من أنبياء الله، فإذا جاء أحد من الناس وأراد أن يفضل بين الأنبياء، وتجد أن من تفضيله أو في مفاضلته أنه أراد أن يغمز يغمز في عرض نبي، فهذا كفر، وهذا الذي لا يجوز، أن تدخل في المفاضلة فيه. إن كان المفاضلة على حساب الطعن والغمز في عرض نبي آخر، هذا لا يجوز، أو كذلك يؤدي إلى المخاصمة، يؤدي إلى المخاصمة، فلا تفعل ذلك، إذا كان ستفضل نبي على نبي، وهذا التفاضل يؤدي إلى المخاصمة وإلى الشقاق وإلى الشحناء والبغضاء، يغلق هذا الباب، بل حديث جاء في الصحيح: هذا كان سببه عندما قال بعض الناس: قال: «والذي اصطفى موسى على البشر»، يهودي، قال: «والذي اصطفى موسى على البشر»، فإذا ببعض المسلمين مات مالك نفسه، فلطم هذا اليهودي، لطم هذا اليهودي، إذن وقع شحناء هنا، منعنا بني «لا تخير بين الأنبياء»، «لا تخير بين الأنبياء»، إذن فسبب هذا الحديث وظهور الشقاق والنزاع، وأن هذه المفاضلة تؤدي إلى مثل هذه المهاترات، فيغلق هذا الباب. أما إذا لم يكن كذلك، فالأصل أن المسائل على هذا الذي ذكر، وأن الله قد فضل بين الرسل. قال رحمه الله تعالى: لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، لا يصح إيمان عبد، فإيمان العباد منوط بالإيمان برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. قال ربنا جل في علا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، فلا بد من الإيمان برسالته صلوات ربي والسلام عليه. لكن أهل السنة والجماعة يجعلون هذه مسألة مسألة الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام هي راجعة لمسألة الإيمان الكبرى، وهي أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. فلما قالوا: أن الإيمان هي عبارة عن هذه التراكيب الثلاثة: اعتقاد، واللسان نطق باللسان، وعمل بالجوارح، كذلك نزل من سألت الإيمان بالرسول أنها تتنزل على هذه المراتب الثلاثة، فلابد أن الإيمان بالرسول يكون على هذه المراتب الثلاثة: تؤمن بالرسول بقلبك، وبلسانك، وبجوارحك. فالإيمان بالرسول قلبا: وذلك باعتقاد نبوته، وبتصديق به، وبالإقرار بما جاء به، وبقبول ما جاء به عليه الصلاة والسلام، هذا التصديق، هذا الإقرار الذي ينبغي أن يكون في قلب كل مسلم. ثم بعد ذلك لا تكتفي بتصديق القلب كما يدعي المبتدعة، بل كذلك اللسان عليها أن تشهد بذلك، فتقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، لابد أن تنطق باللسان. ولو أن رجلا اعتقد بصدق نبوة نبينا إلا أنه ما أتى بالشهادة وما تلفظ بها، فإن ذلك لا ينفعه. وكذلك الأمر الثالث: العمل بالجوارح، طاعته صلوات ربي وسلامه عليه، طاعته واتباعه، وأنك تذعن لشريعته عليه الصلاة والسلام، هذا الشرط الثالث. قال رحمه الله تعالى: ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته، وهذه مسألة متعلقة بالشفاعة العظمى، قد مرت معنا شفاعة العظمى في فصل القضاء، لكن هنا نبه العلماء على أن المؤلف رحمه الله تعالى لو ربما توسع في العبارة، لو أنك تأملت في عبارة: «ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته»، فالصحيح: أن القضاء الذي سيكون لفصل القضاء يوم القيامة هو حاصل، حاصل سيفصل ربنا بين العباد، لكن ما الذي أدت الشفاعة؟ الشفاعة أدت إلى استعجال، إلى استعجال فصل القضاء، هذا الذي يوقع. وإلا القضاء: لأنه قد يفهم وإن كان المؤلف أنه لو لا شفاعة النبي لما تم فصل القضاء، القضاء هو سيقضى بين العباد، لكن شفاعته عليه الصلاة والسلام إنما عجلت بأمر الشفاعة، وعجلت الشفاعة بفصل قضاء بين العباد، حتى يشفع نبينا فيخر تحت عرش الرحمن، فيقال له: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع». قال رحمه الله تعالى: ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، الأمم يوم القيامة كثر، وقد جاء حصرها في السنة: أن الأمم سبعون أمة، فهذه الأمم عندما تتزاحم على باب الجنة، فلا أحد يسبق أمة الإسلام، ولا أحد يدخل قبل أمة محمد عليه الصلاة والسلام، نبينا هو أول داخل، من يقرع باب الجنة فيقال: من؟ فيقول: محمد، فيقال: «بك أذنت أن أفتح، لا أفتح لغيرك»، فيدخل نبينا أول داخل إلى أبواب الجنة. ثم مع ذلك من باب الجملة، فإن أمة محمد عليه الصلاة والسلام من أوائل الأمم دخولا للجنة، ولها ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «نحن السابقون الآخرون يوم القيامة»، «نحن السابقون الآخرون يوم القيامة»، نحن السابقون: أي إلى أبواب الجنة، والآخرون: أي نحن من آخر الأمم، الأمم تأتي، فنحن أمة محمد آخر أمة في هذه المعمورة، ومع ذلك فنحن السابقون، نسبق الناس إلى أبواب الجنة، كما جاء ذلك في الصحيحين. وبقى كذلك مسألة صاحب لواء الحمد والمقام المحمود، تترك إن شاء الله في درس قادم. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.