الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يعتبر الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان الستة، وقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب الإيمان بهذا الباب. القدر هو سر الله ولا ينبغي لأحد أن يدخل فيه بعقله أو أفكاره.
القدر يتعلق بما قدره الله في الأزل، بينما القضاء هو ما يحدث في خلق الله من إيجاد أو عدم أو تغيير. يُفهم من ذلك أن القدر سابق والقضاء لاحق، وأن كل قضاء لا بد أن يكون مسبوقًا بقدر.
كل ما يحدث في الكون هو بإرادة الله، وتنقسم الإرادة إلى إرادة كونية وإرادة شرعية. كما يتناول خلق أفعال العباد ومسألة الأرزاق والآجال والهداية والضلال.
يختتم المبحث بذكر أهمية الهداية والضلال بيد الله سبحانه وتعالى، ويشير إلى أن الأدلة التفصيلية ستأتي لاحقا، ويختم بالدعاء للاستفادة من العلم واتباع أحسن الأقوال.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل القضاء والقدر، ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يضيعوه جميعا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته. هذا الفصل الذي ميزه المؤلف رحمه الله تعالى بهذا العنوان، إن كان منه أو كان من النساخ، بعنوان القضاء والقدر، فالمؤلف رحمه الله تعالى عندما ذكر لنا شيئا من صفات الله سبحانه وتعالى، ذكر هذا الفصل لأن هذا الفصل أيضا له تعلق بصفات الله سبحانه وتعالى. إذ أنه سبحانه وتعالى من صفاته أنه فعال لما يريد، أنه فعال جل في علاه لما يريد، في مثل هذه صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وهذا الفصل وهذا الباب، إخواني في الله، القضاء والقدر، يعتبر من أبواب المهمة، من الأبواب المهمة، وكيف لا، وهي متعلقة بعقيدة المسلم، إذ أنها من أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان العبد إلا بأن يأتي بها. فكان من أركان الإيمان الستة الإيمان بالقضاء والقدر، كما جاء ذلك مصرحا به في حديث جبريل، عندما سأل عن الإيمان، وقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب الإيمان بهذا الباب، أي باب القضاء والقدر، ففي قوله تعالى ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وهكذا في السنة، قوله صلوات ربي وسلام عليه: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره». وأما الإجماع، فالإجماع المعتبر المعتمد الذي قام من لدن الرسل عليهم الصلاة والسلام، واتباعا لهذا النبي الأمي صلوات ربي وسلامه عليه، وهكذا في سلف الأمة من صدرها من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا زالت كتب السنة تبين وتوضح الإجماعات التي انعقد عليها معتقد أهل السنة والجماعة، ومعتقد المسلمين على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر. قال طاوس بن كيسان اليماني رحمه الله تعالى: أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: «كل شيء بقدر»، وهذه الصيغة وهذه اللفظة جاءت في صحيح مسلم، لكن بلفظ: «أدركت أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر»، كل شيء بقدر. فهذه عقيدة راسخة تواترت عليه الأدلة، وتواترت عليها النصوص، وسيأتي كذلك في ثنايا كلام المؤلف رحمه الله تعالى، الأدلة الدالة على هذه العقيدة الراسخة التي ينبغي على كل مسلم أن يعتنقها وأن يعتقدها. وأما الذي تولى كبره فأدبر عن هذه العقيدة، فهو في عداد الكفرة، وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، عندما ذكر الأحاديث والآيات الدالة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، وذكر الآثار، قال: «فهذه كلها تدل على وجوب تحقيق هذا الباب»، أي بمعنى كلامه، وأن الذي ينكر هذا فقد انخلع عن التوحيد، ولبس جلباب الشرك، من أنكر هذا فقد خلع لباس التوحيد ولبس جلباب الشرك، أي أنه من عداد الكفرة. لأنك كما سيأتي في بيان شرح الأركان، الإيمان بالقضاء والقدر، الذي ينكر القدر هو أنكر علم الله سبحانه وتعالى، وكل من أنكر علم الله سبحانه وتعالى فهو كافر، كما قال الشافعي: «جادلوهم بالعلم، فإن أنكروه فقد كفروا»، فالذي ينكر القضاء والقدر ينكر علم الله سبحانه وتعالى السابق في الأزل. فإنهم من عداد الكفرة الذي خرج عن الدين وخرج عن الملة، ولهذا عندما ظهرت هذه الظاهرة في أواخر عهد الصحابة من القدرية، قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «قال والذي نفسي بيده لن يقبل»، قال: «وأنفق عندما بلغه جماعة من الناس من قال أن الأمر أنف»، بمعنى أن الله لا يعلم بالأشياء، فقال: «والذي نفسي بيده لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهب ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر»، إذن عبد الله الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الواجبة التي يكون الإيمان بها ويتم أمر الإيمان، فمن أنكرها ومن جحدها فإنه في عداد الكفرة الفجرة. وهكذا مما يذكر في هذا الباب أن هذا الباب يا عبد الله ليس فيه اجتهاد، وإياك إياك أنك أن تسترسل في الأفكار وأن تسترسل في مداخل العقل، فما تاهت الأمم وما طاشت الأفكار، ومن قسمت الملة إلى أفكار وملل ونحل إلا مثل من جرأي هذا الباب، عندما أراد كل مبتدع أن يدخل ذهنه وفكره في قدر الله جل وعلا، فإذا به تاه وضاع. ولهذا قال من قال من علمائنا: «القدر هو سر الله»، القدر هو سر الله، لا تدري، باب القضاء والقدر قائم على حكم حكى حكم عظيمة يجهلها الكثير من الخلق، ولهذا لا يمكنك يا عبد الله أن تعرف حقيقة هذا الباب إلا بالإسلام والخضوع والخنوع لأمر الله سبحانه وتعالى. قل: «كل من عند ربنا»، كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، شاءه ربنا وقضاء الحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، أما أنك تدخل مثل هذه التساؤلات والاستفسارات لمَ وكيف ولمَ وقع ذلك وكيف وقع ذلك، أو أنك تريد أن تعرف النتيجة الحتمية، فهذا ليس لك، فقدر الله السر الذي ما ينبغي لأحد أن يدخل فيه بعقله ولا بأفكاره. إنما هو قائم عن الاستسلام والخضوع لحكم الله سبحانه وتعالى، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه جل في علا، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القضاء والقدر، كذلك من المسألة المهمة في هذا الباب هل هناك فرق بين القضاء والقدر أم لا، على خلاف بين أهل علم من أهل علم أن يرى أن هذه الكلمات من الكلمات المترادفة، كما يعبر عنه البعض بأنهم وجهان لعملة واحدة. فالقضاء هو القدر والقدر هو القضاء، وما لا لهذا المذهب ولهذا القول جماعة من أهل العلم، لكن طائف من أهل العلم يرون أن هناك فرق أن هناك فرق بين القضاء والقدر، فالقضاء له معنى والقدر كذلك معنى، وخاصة إجتمعه، فهي من جملة الكلمات التي يقال في حقها متى ما اجتمعت تفرقت ومتى ما تفرقت اجتمعت. مثل الفقير والمسكين، ومثل الإيمان والإسلام، وهكذا القضاء والقدر، فهما إذا جاء كل واحد على حدة فإنه يعم، إذا جاء لفظ القضاء يدخل فيه القدر، وإذا جاء لفظ القدر يدخل فيه القضاء، لكن متى ما اجتمعت كهذا العنوان القضاء والقدر، فإن كل يحمل على معنى يختص به. وتنوعت عبارات العلماء في تحديد الفارق بين القضاء والقدر، والفارق واضح لأن القاعدة البلاغية عند العلماء أن التغير في المبنى يدل على التغير في المعنى، فمادة القضاء هي ليست مادة القدر، فاختلاف المباني يدل على اختلاف المعاني، لكن ما هو المعنى الذي به يفرق بين القضاء والقدر على خلاف. ولعل من أفضل ما يذكر وهو الذي تدل عليه عمومات الأدلة على أن القضاء والقدر الفرق بينهما إذا اجتمعتا أن القدر يحمل على ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل على أن يكون في خلقه، هذا معنى القدر، معنى القدر هو ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل أن يكون في خلقه. وأما القضاء هو ما يقتضيه الله سبحانه وتعالى في خلقه، ما يقتضيه الله سبحانه وتعالى في خلقه من إيجاد أو عدم أو نحوه، هذا معنى القضاء، ما يقتضيه الله سبحانه وتعالى في خلقه من إيجاد أو عدم أو نحوه، إذن هذا معنى هو تعريف كذلك يحمل في طياته الفارق. عند قدر وهو ما قدره الله في الأزل، وعند القضاء هو ما يحدث في خلق الله سبحانه وتعالى أو ما أفة الله أن يحدث في خلقه بأي أنواع الحوادث، إما من إيجاد، إما من عدم، إما من تغيير، إما من تبديل، إلى آخره. طيب ماذا سيعطينا هذا تعريف الفارق، الفارق لو تدقق يا عبد الله في النظر تجد أن القدر يتعلق بما قد مضى، بما قد قدره الله في الأزل، فكل ما قدره الله عز وجل كتبه الله سبحانه وتعالى في الأزل، يسمى هذا قدر، طيب هذا القدر لو وجد، حين يسمى هذا قضاء، التكوين الحدوث الحصول يسمى هذا قضاء. إذن عندي سيكون ماذا، القدر سابق، والقضاء لاحق، فكل قضاء لا بد أن يكون مسبوق بقدر، إذن القدر يتعلق بأمر سابق، وما قدره الله في الأزل، وأما القضاء هو التكوين، هو حدوث الشيء من إيجاد أو عدم، فإن يسمى قضاء، وهذا كذلك تسعفه اللغة. لأن قضاء بمعنى انتهى، انتهى، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، قضي، إذن وقع، حصل، انتهى الأمر، فحدوثه يسمى قضاء، حدوثه يسمى قضاء، ربنا جل وعلا: «فلما قضينا عليه الموت»، أي حصل له الموت، قضينا، أي حصل له الموت، فالقضاء تجد من حيث اللغة والدلالة الشرعية تدل على الحدوث وعلى الحصول وعلى الوقوع. ولهذا فهذا فارق بديع به يفرق بين القضاء والقدر، بأن شيئا إذا كان في الأزل قل: هذا قد قدره الله، فإذا حصل، وإذا وقل: هذا قضاءه سبحانه وتعالى، أمر قضاه الله، أمر قضاه الله، فهذا فارق يقول به بعض العلماء في التفريق بين القضاء وبين القدر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن صفات الله تعالى، وهنا صفات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين، إلا صفات ذاتية وصفات فعلية، وهذا الباب من صفات الله الفعلية، من صفات الله سبحانه وتعالى الفعلية، وهذه الفقرات التي سمعتموها من رسالة المؤلف رحمه الله تعالى هي في الحقيقة إشارة من المؤلف، إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعض المهمات المتعلقة بباب القضاء والقدر. فباب القضاء والقدر كما قلنا وأسلفنا أنه من الأبواب التي تشعبت فيه الأذهان، وانفرقت وتفرقت به الأمة إلى ميلل ونحل، فالمؤلف رحمه الله تعالى في هذه العبارات الموجزة حاول أن يذكر ما يتعلق بهذا الباب من المساء المهمة، تارة يذكر أركان الإيمان بالقضاء والرؤى والقدر، وهي المراتب الأربعة، ذكرها في هذا الفصل. كذلك نبه على أهم المسائل التي تم فيها الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي متعلقة بباب القضاء والقدر، كمسأة الأرزاق والآجال، مسأة الخذلان كما يعبر عنها البعض، مسأة الهداية والضلالة، مسأة عظيمة، وهذه الموجودة في المطولات، فالمؤلف رحمه الله تعالى كأنه جمع شتات هذه المسائل وجعلها في هذه الأسطر القليلة. إشارة إلى صميم معتقد أهل السنة والجماعة في باب القضاء والقدر، قال رحمه الله تعالى: ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، وهذا ما أخوذ من قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾، وهذه الصيغة صيغة فعال تدل على أن إرادة الله سبحانه وتعالى لا نهاية لها، وأنه لا هناك معقب لحكمه ولا لأمره ولا لإرادته جل في علاه. قال: «أنه الفعال لما يريد»، لا يكون شيء إلا بإرادته، فلا يوجد شيء أي شيء بهذا العموم إلا وهو يتعلق بإرادة الله سبحانه وتعالى وبمشيئته، فلا شيء يخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى، فالله خالق كل شيء سبحانه وتعالى، قال: «لا يكون شيء إلا بإرادته»، «ولا يخرج شيء عن مشيئته»، وهو كذلك بمعنى العبارة الأولى. «لا يكون شيء إلا بإرادته»، «ولا يخرج شيء عن مشيئته»، هنا كذلك فيه فائدة، بمعنى أن المؤلف يرى الإرادة والمشيئة بمعنى واحد، الإرادة والمشيئة بمعنى واحد، لكن تقيد الإرادة هنا بأن الإرادة الكونية، الإرادة الكونية هي بمعنى المشيئة. قال رحمه الله تعالى: «وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره»، «ولا يصدر إلا عن تدبيره»، فالتقدير والتدبير بمعنى واحد متقارب، وفيه عموم القضاء والقدر، فليس هناك شيء إلا ودخل في قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، قال: «ولا محيد عن القدر المقدور»، ومعنى لا محيد أي لا مفر ولا محيص عن القدر المقدور، أي الذي قدره الله سبحانه وتعالى. وهذا إشارة إلى مسألة تسمى مسألة النفوذ واللزوم، مسألة النفوذ واللزوم، ما قدره الله فإنه واقع لا محالة، أو ما أراده الله فإنه واقع لا محالة، لا محيد، لا مفر، ولو كنت تظن يا عبد الله أن هذا فيه المضرة في حقك، فاعلم أنه واقع لا محالة، فلا أحد يخرج، فلا أحد يفر عن قدر الله المقدور الذي قدره الله سبحانه وتعالى عباده وعلى خلقه. قال: «ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور»، اللوح المسطور بمعنى اللوح المحفوظ، وهذا فيه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى علاقة هذا الباب، باب القضاء والقدر، بالكتابة، فإن له تعلق بالكتابة، وهذه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى، وذا سيأتي أن من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر الإيمان بالكتابة. أن كأن الله قد كتب ذلك في الأزل في اللوح المحفوظ سبحانه وتعالى، قال رحمه الله تعالى: «أراد ما العالم فاعلوه»، أراد ما العالم فاعلوه، ما العالم فاعلوه، هذه على نسخة، وفي نسخة بلفظ العباد، نسخة أخرى بلفظ العباد، أراد ما العباد فاعلوه، بهذا بدل العالم العباد، وبمعنى واحد. وإن كان بعض الفقاء الشراح يستوصب بعض العبارة على بعض، ولكن معنى متقارب، فهذه العبارة كذلك فيها مسألة تعلق الإرادة بأفعال العباد، فما من شيء يقع من أفعال العباد إلا وله تعلق بإرادة الله، بل هو بإرادة الله حقا، هو بإرادة الله سبحانه وتعالى، فكل شيء يفعله العباد فهو بإرادة الله. لكن نعلم أن الإرادة هنا بمعنى الإرادة الكونية، وسيأتي هذا معنى أن عند إرادة عند أهل السنة والجماعة يتنقسم إلى قسمين، إلى إرادة كونية وإلى إرادة شرعية، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة ترادف المشيئة، والإرادة الشرعية ترادف المحبة. فرب شيء أراده الله سبحانه وتعالى كونا، لكنه لم يريده شرعة، وهذه من الأبواب المهمة التي ما استطاع أهل البدع أن يتصوروها فيوقعوا في الأخطاء، فوقعوا في الأخطاء بين الجبر وبين كذلك القول بالقدرية، لكن أهل السنة والجماعة بتمعونهم والاستقصائهم واستقرائهم لكتاب الله، علموا أن الإرادة على إرادتين. إرادة كونية بمعنى المشيئة، وإرادة هناك إرادة شرعية وهي ترادف المحبة، فقول سبحانه وتعالى: «أراد ما العالم فاعلوا»، بمعنى ماذا، الإرادة الكونية، ثم قال رحمه الله تعالى: «ولو عصمهم لما خالفوه»، وهذا يعبر عنها العلماء بمسألة الخذلان، بمسألة الخذلان، وهي من المباحث المهمة في باب القضاء والقدر. وكذا تم فيها الخلاف في تحديد معنى الخذلان، وهل هذا له تعلق بإرادة الله أم لا، فقال مؤلف رحمه الله تعالى: «ولو عصمهم»، أي عصم البشر، «لما خالفوه»، أي أن الله سبحانه وتعالى لو أراد منهم أن لا يقعوا في معصية ما تجر أحد أن يعص الله سبحانه وتعالى، لكن الله أراد ذلك، ولها ظهر الكفر وظهر الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه»، وكذلك لو أراد ربنا سبحانه وتعالى، وليس هذا ببعيد، وليس هذا بعزيز على ربنا سبحانه وتعالى، أن يلزم العماد بالطاعة، ما كان هذا بعزيز ولا بعسير على ربنا سبحانه وتعالى، لكن ما أراد ذلك سبحانه وتعالى الحكمة. ولهذا يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾، لو أراد الله ذلك، لو شاء الله ذلك، لحصل، لكن الله ما أراد ذلك لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تقع بين العباد، قالوا: «شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه»، خلق الخلق وأفعالهم. نعم، ربنا خلق الخلق وأفعالهم، والله خلقكم وما تعملون، هنا ما إذا قلنا على أنها ما المصدرية، وقد مر معنا أن ما المصدرية تنسبك بما بعدها بمصدر، فيكون تأويل الآية: والله خلقكم وعملكم، فالخلق هم خلقه، وكذلك أعمال العباد فإنها من خلق الله سبحانه وتعالى. قال: «خلق الخلق وأفعالهم»، وهذا متعلق بمسألة معروفة بخلق أفعال العباد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: «وقدر أرزاقهم وآجالهم»، كذلك الرزق والأجل كل ذلك بيد الله سبحانه وتعالى، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، من أعظم صيغ العموم: «ما من دابة»، ويدهل في ذلك الإنس والجان والطير والنبات والحيوان. ما من دابة تدب على وجه الأرض إلا ورزقها بيد الله سبحانه وتعالى، ولن تموت نفس في هذه الدنيا إلا وقد استكملت رزقها، حتى الذي يموت جوعا فقد استكمل رزقه، حتى الذي يموت جوعا ويموت ضمآن فقد استكمل رزقه، إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، كما قال بذلك نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها». فما من نفس تذهب في هذه الدنيا إلا وقد ذهب رزقها معها، إذ أنها قد استوفت رزقها الذي قدره الله سبحانه وتعالى لها، فلا تظن أن الذي مات جوعا لم يستكمل رزقه، لا، بل استكمل رزقه كله، وجاءته المنية في وقتها، وهكذا الآجال، والآجال كذلك بالنفس. فما من نفس تموت إلا وقد استكملت أجلها، كما جاء في حديث النطفة: «فيؤمر فيأتي الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقين أو سعيد»، إلى آخره، فالآجل قد كتب، فالذي يموت قتلاً، تأتيها الرصاصة، ولو عبر عنها برصاصة طائشة، فأصابت نفسا فمات، يقال: هذا قد استكمل أجله. لا تظن أن له أجل ثم أن هذه الرصاصة قد استعجت أجل لا، هذا أجله، متى ما جات آجالهم لا يستغرون عنها ساعة ولا يستقدمون، وحتى الطفل، الطفل الذي يموت وهو في مهده قد استكمل أجله، فهذه عقيدة عبد الله، نعلم أن كل شيء بقدر الله سبحانه وتعالى. قال: «وقدر أرزاقهم وآجالهم»، وهذا كذلك مسألة، هذه مسألة يذكرها كتب الاعتقاد في باب القضاء والقضاء، بمعنى بمسألة الأرزاق والآجال، بمعنى الأرزاق والآجال، قال: «يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته»، وهذا يعبر عنها بمسألة الضلال والهداية، بمسألة الضلال والهداية. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى خلاصة المبحث في هذه المسألة الشائكة بقوله رحمه الله تعالى: «يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته»، إذ اتضح أن مسألة الضلال والهداية كلها بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾، فلا تذهب نفسك عليهم حسارات. فأخبر ربنا سبحانه وتعالى أن الضلال بيده، وأن الهداية بيده سبحانه وتعالى، فهذه أخواني في المساء سريعة سردها المؤلف لنا سردا، وستأتي إن شاء الله في الأدلة الذي سيذكرنا تحت هذا المبحث ما يتعلق بإيضاح لهذه الفقرات التي مرت معنا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القولة فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.