شرح الجوهرة الفريدة 56

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 56، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في نواقض الإسلام

ناقض الإسلام هو كل ما يبطل إسلام المرء ويخرجه منه، وتشمل نواقض الإسلام إنكار أو جحود أو استهزاء بشيء من شرع الله.

الكفر والمعاصي وأنواع الكبائر

الكفر يشمل أفعالا مثل السب والاستهزاء ودعاء الأموات، والكبائر قد تخرج أو لا تخرج من الإسلام حسب نوعها، وأهل السنة والجماعة لهم موقف محدد منها.

تفصيل أنواع الكفر

الكفر أنواع تشمل كفر الإعراض وهو الإعراض عن تعلم دين الله، وكفر العناد وهو الكفر مع العلم بالحق، وكفر الاستكبار والإباء وكفر النفاق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى في منظومته «الجوهرة الفريدة» باب نواقض الإسلام، أعادنا الله منها. قال رحمه الله: «وليس يخرج من الإسلام داخله إلا بإنكار ما فيه به يرد، أما المعاصي التي من دون ذاك فلا تكفير إلا لمن للحل يعتقد، والكفر إن كان عن جهل الكفور فتكذيب ككفر قريش حينما مرد، أو كان عن علمه فهو الجحود ككفار اليهود الأولى بالمصطفى جحد، أو بالإباء مع الإقرار فهو عناد كالرجيم إذ الأملاك قد سجد، أو أبطن الكفر بالإسلام مستترا فهو النفاق، فهذه أربع ترد مقابلات لقول القلب مع مقابلات لقول القلب مع عمل منه، وقول للسان معه ينعقد كذلك، وساير أعمال الجوارح فلم أربع قابلتها فاستوى العدد». ذكر حافظ الحكم وتعالى في هذه الأبيات بعض نواقض الإسلام، فمعلوم أن الإسلام نواقض، إذا وقع الإنسان في ناقض من نواقض الإسلام فإنه ينفى عنه الإسلام ويخرج من الإسلام بسبب وقوعه في ذلك الناقض الذي بسببه انتقض إسلامه وانحل إسلامه. فإنه حينما أسلم عقد ذلك الإسلام وربط قلبه عليه، فإذا وقع في الناقض كأنه حل ذلك الربط وحل ذلك العقد الذي عقده. وهذا يذكره العلماء في كتب الفقه باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا نواقض إذا وقع العبد في شيء منها فإنه يذهب عنه الإسلام والإيمان. ولشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى رسالة عظيمة في هذا الباب، وهي «نواقض الإسلام»، ذكر من هذه النواقض عشرة. وليست النواقض تحصر في هذه العشرة، ولكن تلك النواقض التي ذكرها رحمه الله تعالى هي لأن تنتشر ويكثر وقوعها والوقوع فيها من النواقض الأخرى. فأشار هنا رحمه الله تعالى إلى ذكر هذا الأمر ببيان بعض نواقض الإسلام، فقال رحمه الله تعالى: «وليس يخرج من الإسلام داخله إلا بإنكار ما فيه به يرد». يريد رحمه الله تعالى أن العبد وأن الإنسان إذا وقع في الجحود والإنكار، إنكار شيء من أمر دين الله جل وعلا، أو إنكار شيء دل عليه كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإذا وقع في إنكار شيء جاء الخبر به في كتاب الله أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه يكفر ويخرج من دين الإسلام الذي قد دخله. فقد دخل في هذا الدين بالاعتراف بهذا الدين، وبالانقياد لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وتصديق خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، حين يأتي بالشهادتين. فإن لازم ذلك الإقرار بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإذا أنكر شيئا فإنه قد جحد وأنكر ما هو قد جاء الخبر به في شرع الله جل وعلا. ولا ينحصر الكفر في الجحود، وليس مراده رحمه الله تعالى حصر الكفر بالإنكار والجحود، فإن الكفر يقع بالجحود بإنكار شيء من كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويقع كذلك بالاستهزاء. فمن الكفر أن يستهزئ العبد بشيء من شرع الله جل وعلا، ومن ذلك سب الرب، سب الدين، سب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهكذا إهانة شيء مما حرم الله جل وعلا وعظمه، ككتاب الله جل وعلا أو حديث سنة رسوله عليه الصلاة والسلام إلى آخر ذلك. ولذلك لما ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في «الطحاوية» أن الكفر يكون بالإنكار، تعقبه أهل العلم وبيّنوا رحمهم الله تعالى أن الكفر لا ينحصر في الإنكار والجحود، أي جحود ما قد أقر به الإنسان، وإنما يقع كذلك الإنسان في الكفر بغير الجحود والإنكار، كالسب والاستهزاء ودعاء الأموات وغير ذلك من الأمور التي حرمها كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنها من نواقض الإسلام، وأن من وقع فيها فإنه يكفر بعد إسلامه. ثم قال رحمه الله تعالى: «أما المعاصي التي من دون ذاك فلا تكفير إلا لمن للحل يعتقد». يعني المعاصي التي هي دون الكفر ودون الشرك، فهذا وقع فيها الإنسان لا يكفر الكفر المخرج من ملة الإسلام، خلافا للخوارج الذين يكفرون من وقع في المعاصي ومن وقع في الكبائر. وأما أهل السنة والجماعة فإنهم لا يكفرون من وقع في معصية هي دون الكفر، وذلك لأن الكبائر على نوعين: كبائر هي كفر بالله جل وعلا مخرجة من الإسلام، كالشرك بالله جل وعلا وكالسحر، ومنها كبائر لا تخرج من الإسلام. وقد ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله وعقوق الوالدين». فالإشراك بالله من أكبر الكبائر، وليس معناه أنه من أكبر الكبائر أنه ليس بالشرك، بل هو الشرك، إشراك بالله جل وعلا، سماه النبي صلى الله عليه وسلم كبائر وأكبر الكبائر، وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر. فمن أكبر الكبائر الإشراك بالله جل وعلا، ومن وقع فيه خرج من ملة الإسلام، ومن أكبر الكبائر عقوق الوالدين، ومن وقع فيه لا يخرج من ملة الإسلام. فإذا عندنا من الكبائر ما يخرج العبد من الإسلام، ومنها ما لا يخرج العبد بها إذا وقع فيها من الإسلام. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات». «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات». هذه موبقات ومهلكات، منها موبقات إذا وقع فيها الإنسان خرج من ملة الإسلام، كالشرك بالله جل وعلا، وكالسحر، فإن العبد إذا وقع في شرك بالله جل وعلا وقع في موبقة تخرجه من الإسلام، وإذا كذلك وقع في السحر، فإن السحر كفر بالله جل وعلا مخرج من ملة الإسلام. لكن أكل مال اليتيم هي من الموبقات ومن المهلكات، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات، وأكل الربا، هذه موبقات ومهلكات وكبائر، لكنها لا تخرج من ملة الإسلام. أما الخوارج فعندهم من وقع فيه كبيرة فقد وقع في الكفر المخرج من ملة الإسلام، وحكموا عليه بالكفر، ووافقهم على ذلك المعتزلة في الحكم في الآخرة بأنه مخلد، وأما في الدنيا فقال المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين، ليس بمؤمن وليس بكافر. ثم قال رحمه الله تعالى: «إلا لمن للحل يعتقد». يعني إلا إذا استحل، إذا استحل المعاصي فإنه يكفر، إذا استحل شرب الخمر وقال: الخمر حلال، هذا كفر بالله جل وعلا مخرج من ملة الإسلام. أما إذا شرب الخمر ويعترف بحرمتها ولا يقول هي حلال، فهذا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وهذا مثل الذنوب الأخرى. فإذا استحلها وهي محرمة، حرمت في كتاب الله، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإذا أحلها وقال: هي حلال، فهذا قد استحل الحرام، ومن استحل الحرام وقال: هو حلال، فهذا كفر بالله جل وعلا مخرج من ملة الإسلام. قال رحمه الله تعالى: «والكفر إن كان عن جهل الكفور فتكذيب ككفر قريش حينما مردوا». هنا ذكر رحمه الله تعالى أن الكفر أنواع، وذكر هنا أربعة أنواع للكفر. والنوع الأول هو كفر الإعراض، الجهل الذي هو جهل مع إعراض، مع إعراض كلي، يعرض عن تعلم دين الله جل وعلا إعراضا كليا، لا يستمع ولا يقبل، فهذا الذي كان عليه كفار قريش، كانوا على هذا النوع من أنواع الكفر، وهو كفر الإعراض. كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾، وهكذا قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾. فكفار قريش كانوا معرضين عن سماع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وعن تعلم ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فأعرضوا إعراضا كليا. ولذلك عد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته «نواقض الإسلام» أن من أنواع الكفر كفر الإعراض، قال: «يعرض عن تعلم دين الله جل وعلا إعراضا كليا، لا يتعلمه ولا يسمعه»، فهذا جهل، لكن جهل مع إعراض، جهل مع إعراض. فهناك جهل مع عدم إعراض، وإنما يقبل ويريد ويسأل، ومع هذا يقع في الجهل، فهذا يختلف عن من هو جاهل ولا يريد أن يتعلم، بل يعرض إعراضا كليا، ما يريد أن يسمع شيئا أبدا من دين الله جل وعلا، ومما أنزل الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام. فهذا عدّه العلماء كفر إعراض، كما كان كفار قريش على ذلك الإعراض عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذين كفروا عما أنذروا معرضون. فذكر رحمه الله تعالى من أنواع الكفر كفر الإعراض، قال: «ككفر قريش حينما مردوا». أي على النبي عليه الصلاة والسلام، فتمردوا ومردوا وأعرضوا، عياذا بالله عن قبول الحق أو عن سماعه، فقلوبهم صارت مغلفة لا تقبل، وأسماعهم كذلك لا تسمع، وكذلك أبصارهم لا تنظر، فصاروا كالأنعام بل هم أضل سبيلا، كما وصفهم ربنا سبحانه وتعالى. وذلك لما كانوا عليه من الإعراض بقلوبهم وبأبصارهم وبأسماعهم عن سماع الحق وقبوله والأخذ به. قال رحمه الله تعالى: «أو كان عن علمه فهو الجحود ككفار اليهود الأولى بالمصطفى جحد». النوع الثاني من أنواع الكفر هو الكفر الذي هو كفر العناد وكفر الاستكبار، فاليهود كفرهم كفر عناد، لماذا؟ لأنهم علموا الحق، اليهود علموا الحق، بل كانوا يقولون للمشركين: سيبعث نبي، فإذا بعث قاتلناكم مع ذلك النبي. قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. فلما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام كفروا برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنهم كانوا يقولون لكفار قريش: سنقاتلكم مع هذا النبي الذي سيبعث. فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام كان من العرب، جحدوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فهم على علم، بل عندهم خبر في التوراة برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، رسول يأتي من بعد، اسمه أحمد، فهم يعلمون أنهم سيرسل نبي، واسمه أحمد، لكن مع هذا عاندوا ولم يقبلوا الحق، فكان كفرهم كفر عناد. وبقي نوع الكفر كما سيأتي: كفر الاستكبار والإباء، وكفر النفاق، إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.