الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 80، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يشرح دليل اختلاف شرائع الأنبياء في الفروع من خلال آية قرآنية، حيث جعل الله لكل نبي شريعة ومنهاجا. هذا الاختلاف هو ابتلاء من الله لعباده ليرى من يستجيب ويتسابق في الخيرات.
الأنبياء متفقون في الدين وهو التوحيد، بينما تختلف الشرائع حسب الأزمنة والأمكنة والأقوام. دين الإسلام هو الدين الواحد الذي أنزله الله على جميع الأنبياء، وهو نسخ الشرائع السابقة.
شرع من كان قبلنا إما منسوخ فننسخه، أو مؤيد فنعمل به. الجمهور يعمل بالأحكام المذكورة في الكتاب والسنة بدون نسخ لعموم قوله تعالى: ﴿فَبِهَدْيِهِمْ اقْتَدِهِ﴾.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر احترامًا وتسليمًا لقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل اختلاف شرائعهم في فروعها من الحلال والحرام؟ في الأسئلة السابقة أجمل المؤلف رحمه الله تعالى العبارة في ذكر العلاقة بين أنبياء الله ورسله، فذكر أنهم اتحدوا في التوحيد واختلفوا في الشرائع، ثم بعد ذلك ذكر الأدلة الدالة لكل مسألة، فمضى معنا في درس أمس الدليل على اتفاقهم في أصل العبادة والأمر بإخلاص الدين لله، وها هو الآن سيذكر الأدلة الدالة على أن الأنبياء اختلفوا فيما بينهم من حيث الشرائع. قال: ما دليل اختلاف شرائعهم في فروعها من الحلال والحرام؟ قال: قول الله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: شرعة ومنهاجا: سبيلا وسنة. وهذه الآية من أوضح الآيات وأدلها على بيان الفروق بين شرائع الأنبياء ورسله. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، لكل واحد من نبي الله ورسوله له شريعة، وله منهاج. قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، لكن ما الحكمة؟ ما الحكمة من جعل لكل نبي شريعة؟ قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، ابتلاء من الله لكي ينظر ربنا عز وجل إلى أحوال العباد كل في شريعته، كيف هو؟ معها بالعمل بها؟ بتطبيقها؟ بالمبادرة إليها؟ بتنفيذها؟ أم بالإعراض عنها؟ وعدم رفع رأس لها والإدبار عنها؟ ابتلاء من الله عز وجل. فجعل لكل شريعة ولكل ملة شريعة يفتتن بها، قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، إذن دل ذلك على أن الشرائع إنما جعلها ربنا عز وجل لكي نتسابق إليها، هذا هو محل التسابق. وهذا التسابق الذي يحبه الله من عباده، ليس التسابق على حطام الدنيا. قال ابن عباس: شرعة ومنهاجا: سبيلا وسنة. هذا معنى شرعة ومنهاج، شرعة بمعنى الشريعة، فسرت هنا بالسبيل، ومنهاج هي السنة. هنا مسألة، وهي أن هناك فرق بين الشرعة والمنهاج. الكثير من أهل العلم لم يلتمس الفرق بينهما، فيجعل أن هذا من باب الترادف، الشريعة هي المنهاج، والمنهاج هي الشريعة. فهي عبارة عن شرائع، سميها إن شئت منهاجة، سميها إن شئت شريعة. فالشرعة هي هي المنهاج. ومن أهل العلم من التمس الفرق، فقال: هناك فرق بين الشرعة والمنهاج. فلكل نبي شرعة ومنهاج. فما هي الشرعة؟ وما هي المنهاج؟ يرى بعض العلماء أن الفرق بينهما أن الشرعة هي الشرائع، عبارة عن أحكام من حلال وحرام. هذه شريعة، فلكل نبي له شريعته، له أعماله، له أحكامه، له حلاله، له حرامه، التي جعلها الله في ملته. وجعل ربنا كذلك لهذا النبي منهاجا. وما هو المنهاج؟ المنهاج فسر عند جماعة من العلماء، هي القواعد العامة، قواعد عامة تؤول إليها الجزئيات. مثل ما إذا عبرنا نحن بملتنا بشريعتنا، فالله سبحانه وتعالى جعل لنا شريعة من أحكام وحلال وحرام، وعندنا في ملتنا قواعد، قواعد مثل: لا ضرر ولا ضرار، هذه قاعدة تحتها جزئيات كثيرة. إنما الأعمال بالنيات، هذه قاعدة تحتها جزئيات كثيرة. فهذه قواعد تسمى منهاجا نسير عليه. فقال: ومثله قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبو إسحاق السبيعي، كل هؤلاء على هذا المعنى، أن ما من نبي إلا وأعطاه الله شريعة يسير عليها. قتادة رحمه الله تعالى قال عند هذه الآية: قال: السنن مختلفة، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، يحل فيها ما شاء ويحرم ما يشاء. فتمتاز الشرائع، الشرائع تختلف، واختلاف إخواني في الله، هي مراعاة لأحوال الناس لأزمانهم لأوقاتهم، فهي تختلف، وتعود إلى حكمة الله، ربنا سبحانه وتعالى هو الحكيم في شرعته، فيشرع لكل أحد من خلقه شريعة تناسبه. قال: وفي صحيح البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن معشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد»، يعني بذلك التوحيد. قوله عليه الصلاة والسلام: «نحن معشر الأنبياء إخوة لعلات»، يحكي نبينا عن نفسه وعن إخوانه من الأنبياء والرسل حالهم. فقوله: «إخوة لعلات»، والعلة هي الضرة، فالعلات هي الضرات. فأبناء الرجل أو الإخوة لأب يعتبرون أبناء لعلات. مثاله: رجل تزوج من أربعة نسوة، فهؤلاء إخوة لأب، إخوة لأب، فإن أشاروا لأب كلهم توجهوا بإصبعهم إلى هذا الأب الوحيد، هذا أبونا. لكن إذا أرادوا أن يشيروا إلى أمهاتهم، كل يشير إلى أمه. فالإخوة لعلات أبوهم واحد وأمهاتهم شتى. وما الذي عنه نبينا بهذا المثال؟ أن يبين أن أنا والأنبياء من قبلي، نحن كهؤلاء الإخوة، عندنا أب نرجع إليه، وهذا دلالة على ما ذعل التوحيد هو الذي يجمع جميع الأنبياء. قال: ديننا واحد، لفظة استدل بها العلماء على أن الدين الذي أنزله الله من عنده هو دين واحد، هو دين الإسلام. فكان إبراهيم على دين الإسلام، وكان موسى على دين الإسلام، وكان عيسى على دين الإسلام، ونحن كذلك على دين الإسلام، إن الدين عند الله الإسلام. فالإسلام هو دين الله الذي اقتضاه ربنا، فهل عندي أديان؟ لا، ما عندي أديان. وقد نبه العلماء على هذه اللفظة، وهي لفظة درج عند كثير منا أن نعبر بالأديان السماوية. وقال العلماء: وهذا غلط، ما عندي أديان، إنما عندي دين، الدين الذي أنزل الله على موسى هو هو الذي أنزل على عيسى وهو الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، دين واحد. ودين الإسلام عقيدة دين واحد، أما الشرائع وهي المقصود بها الأعمال، نعم نختلف إحنا وإياهم. ويقول علماء: ما يتعلق باسم اليهودية واسمه النصرانية، إنما هذا إضافة لأعمالهم، إضافة لأعمالهم، نسبة إلى أعمال هذه الملة، كل ينتسب إلى عمله الذي يسير عليه، أما العقيدة فهي واحدة. قال رحمه الله تعالى: يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله. وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي والحلال والحرام، ليبلوكم أيكم أحسن عملا. كما قلنا: تختلف الشرائع في مسائل الجهاد، في مسائل العبادات، والحلال والحرام. قد يكون عند أمة محرم، وعند أمة أخرى محللة. كان من ذي قبل قد يكون الزواج بين الأبناء والبنات، لكن في شريعتنا يحرم. قد يكون في شريعة موسى ما يجوز فعله، لكن في شريعة عيسى ينسخ هذا الحكم، فلا يجوز فعله. وهكذا، فمن حيث الشرائع، لكن ليس التغيير جذريا كما يقول العلماء، ليس التبديل شرعيا بمعنى أن الملة تتغير مئة وثمانين درجة. قال رحمه الله تعالى: وأما شرائع مختلفة في الأوامر والنواهي والحلال والحرام ليبلوكم أيكم أحسن عملا. وهنا تأتي مسألة يذكر العلماء عند هذا المبحث، وهي طبعا لكل دين ولكل ملة شريعة، لكن الشريعة شريعة الإسلام هي شريعة ناسخة نسخت، وهي شريعة الأم التي ينبغي أن تعود جميع الشرائع إليها. فمن كان على حد زعمه أنه متمسك بشريعة اليهودية باطل، يرجع إلى شريعة الإسلام. ومن قال: أنا لازلت متعبد لله بدين عيسى، يقال: دينك باطل، لماذا؟ قد نسخ. فهذه الملل قد نسخت والشرع قد نسخت ورفعت، فما بقي إلا هذا الدين دين الإسلام، فإليه تعود البشرية جميعا. قال: ومما تميز مما ميز الله به دين الإسلام عن غيره، أن الأديان السابقة وشرع السابقة، إنما أرسلها ربنا جل وعلا إلى أقوام إلى أقوام محصورين في إقليم معين في منطقة معينة، وكانت الشريعة لفترة زمنية معينة، فمن حيث البيئة والمكان محصور، ومن حيث الزمان مؤقت. إلا هذه الشريعة المحمدية، فإنها ليست محصورة ببيئة، بل لكل من يعيش في هذه الدنيا. وقد مضى ذلك معنا، من كان في أوروبا يخضع لشريعتنا، من كان في استراليا، من كان في الأمريكتين، من كان في أفريقيا، من كان في ألاسكا، وفي موسكو، هؤلاء يرجعون إلى شريعتنا. شريعة الإسلام هي المهيمنة لهذه الأزمان ولهذه الأماكن ولكل زمن إلى أن تقوم الساعة، حتى أن عيسى إذا خرج ونزل في آخر الزمان، لن يبتعد أبدا، سيحكم بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام. قال: العلماء إخواني في الله نبهوا على هذه المسألة، بأن قسموها إلى أقسام، ومن خلال هذه الأقسام نعرف كيف نتعامل مع شرع من كان قبلنا. قال علماء: من شرع ما كان قبلنا، شرع ممن كان قبل قد جاءت الأدلة من القرآن والسنة على نسخه وأنه منسوخ، فهذا لا يعمل به. مثل تلكم المحرمات الذي حرمها ربنا على اليهود وعلى بني إسرائيل، من تحريم الشحوم والحوايا وما اختلط بعضهم وبعض، الأسلوكيات وبعض الأمور حرمت عليهم، فجاء ديننا بنسخها، فهذا شرع لا يعمل به بالاتفاق. شرع ثاني ممن كان قبلنا، وجاء ديننا بتأييده، فنحن نعمل به، لأن هذا أصلا مما جاء في ديننا، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، هذا إخبار أن من شرع من كان قبلنا شرع في مللهم الصيام، ونحن كذلك أمرنا بالصيام، فهذا الشرع من كان قبلنا جاء تأييده، وجاء الأمر به، إذن نعمل به، وهذا بالاتفاق. الصورة الثالثة من شرع ما كان قبلنا، ما جاء في كتبهم وفي صحائفهم، فهذا الذي ورد في كتبهم وفي صحفهم، العمل معه أننا لا نصدقه ولا نكذبه. لهذا لا يعمل به، لا تصدقهم ولا تكذبوهم مما يأتون من مرويات بني إسرائيل، هذا مما كان من شرع من كان قبل، لكن وجد في كتبهم وفي صحفهم، فهذا نقف فيه، الله أعلم بصحته، لا نصدقهم لعله باطل، ولا نكذبهم لعله حق، لكن من حيث العمل لا نعمل به، وهذا بالاتفاق. الصورة الرابعة، وهذا الذي وقع فيه النزاع، ما جاء من شريعة من كان قبلنا، جاء ذكره في الكتاب والسنة، لكن لم يأته النسخ، لم يأته النسخ، أورده ربنا في كتابه، أذكر النبي عن أنبياء من قبله، ذكر هذا عنهم عن من كان قبل من أنبياء الله ورسله، لكن لم يأتي أمر نلزم به، ولم يأتي نسخ أنه نسخ هذا الحكم عنهم. فما الذي نعمل؟ هذا الذي وقع فيه النزاع بين أهل العلم، ممن يرى أن هذا يرد ولا يعمل به، ونكتفي بشريعتنا. والذي عليه كثير من أهل العلم، وهم الجمهور، كما حكاه شيخ الإسلام، أننا نعمل بشرع من كان قبلنا إذا لم يكن هناك نسخ من شرعنا بهذا الضابط. شيء جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله بذكر شيء من شريعة من كان قبلنا، ولم يأتي الناسخ، فشيخ الإسلام ينسب إلى جمهور العلماء أنه يشرع لنا أن نعمل به، وذلك لعموم قوله تعالى: نحن نعمل بشرع من كان قبلنا إذا لم يكن هناك نسخ من شرعنا بهذا الضابط. قال: وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ فَبِهَدْيِهِمْ اقْتَدِهِ﴾، فهنا يأمر الله بالاقتداء بالاقتداء بمن؟ بالاقتداء بالرسل. وكيف نقتدي بهم في مثل هذه المسائل؟ إذا ثبت عنهم شيء، وكيف نحن قد ثبت عنهم بما يريده ربنا في كتابه عنهم، أو جاء في السنة صحيحة عنهم، ولم يرد فيه نهي بالاقتداء بهم، أو نسخ عنهم. فيقول العلماء: فإن هذا مما يتأسى به، ونقتدي بالأنبياء قبل، فهذا أخواني في الله ما يتعلق بهذه المسألة، وهي مسألة شرع من كان قبلنا، فنتأمل في هذه الأقسام حتى يتضح لنا المقال. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.