شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 29

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

يؤكد الإمام الصحابي أن أهل السنة يشهدون برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بأبصارهم مستدلين بآيات القرآن وأحاديث النبي. يُذكر أن رؤية الله تعالى يوم القيامة ثابتة بالدليل الشرعي.

تفسير رؤية الله تعالى في الآخرة واستدلالات أهل السنة

يعتقد أهل السنة أن الله عز وجل يُرى بالأبصار يوم القيامة مستدلين بآيات وأحاديث نبوية، مثل تفسير "الحسنى وزيادة" برؤية الله تعالى، بينما أنكرت بعض الطوائف مثل الجهمية هذه الرؤية.

اختلاف العلماء في رؤية الكفار لله يوم القيامة وتفنيد كذب الرواة

اختلف العلماء في رؤية الكفار لله يوم القيامة بين أن الرؤية خاصة بالمؤمنين أو أن الكفار يرون الله ثم يحجبون عنه، مع الإشارة إلى أن بعض الرواة يذكرون روايات غير صحيحة مما يدل على كذبهم.

  • 29 جمادى الأولى 1442هـ - 12/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الصحابي -رحمه الله- في كتاب عقيدة السلف وأهل الحديث: التصديق برؤية المؤمنين ربهم في الآخرة. قال: ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى يوم القيامة بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر». قال: والتشبيه في هذا الخبر وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي. والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها. فهذه مسألة رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا قد دلت عليها دلالة الكتاب والسنة. فمن القرآن ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وعن عدة أحاديث تفيد النظر بالبصر. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ جاء عن الإمام الشافعي -رحمه الله-، وكذلك عن أحمد، وعن غيرهما أنهم قالوا: لما حجب الله عز وجل الكفار في السخط، فلا شك أن المؤمنين يرونه في الرضا. ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ أي: هؤلاء الكفار. ولو كان أهل الإيمان محجوبين كذلك، فما الفائدة؟ لهذا استدل العلماء بهذه الآية على أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا. وكذلك جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمنين يرون ربهم، كما جاء في حديث إسماعيل بن نبي خالد، عن قيس بن نبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». أي: لا تتزاحمون، ولا يضام بعضكم بعضًا؛ لأن رؤيته كالقمر ليلة البدر، ليس دونها سحاب. فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، وهذا واضح. فلهذا ذهب أهل السنة إلى أن الله عز وجل يرى بالأبصار يوم القيامة. وفي السراء أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، الزيادة جاء في تفسيرها عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها رؤية الله جل وعلا. وجاء عن الصديق -وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت- لكن جاء في صحيح مسلم في سبب نزول قول الله جل وعلا: ﴿ولدينا مزيد﴾، قال: أخرج الإمام مسلم من طريق حماد بن السلمة، عن ثابت البناني، عن ابن أبي ليلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب بن سنان الرومي أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله عز وجل لهم: يا أهل الجنة، ألا ترضون؟ فيقولون: نعم يا رب، قد أدخلتنا الجنة ونجيتنا من النار، وبيضت وجوهنا. فيقول الله عز وجل: فإني قد رضيت عنكم». أو كما قال. قال: «فيكشف الحجاب، فما رأوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى وجهه الكريم جل وعلا». وهذا الحديث في صحيح مسلم، وإن كان فيه اختلاف، لكن الصحيح أنه موصول. وجاء أيضًا تفسير هذه الآية بأنه رؤية الله جل وعلا، فالأدلة كثيرة من الآيات والأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك فيها. مع هذه الأدلة إلا أن طوائف من المسلمين خالفوا، وأولهم الجهمية. الجهمية أنكروا رؤية الله جل وعلا، وقد حاجهم الإمام أحمد في الكتاب الذي كتبه ابنه، وقيل: إنه أخذه عن أبيه في هذه الرؤية، وسماهم الإمام ابن القيم «قطاع طريق المحبين»، فلا يجعلون لله عز وجل محبة، ولا رؤية، ولا رضا، وغيرها من هذه الصفات، لا يثبتونها لله. وهناك طوائف أخرى أيضًا خالفوا في هذه الرؤية. وهنا مسألة: الكفار هل يرون ربهم؟ أم أن هذا خاص بأهل الإيمان؟ فلا شك أنه لا يرونه؛ بقول الله عز وجل: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. لكن قال بعضهم من أهل الحديث: إنهم يرونه ثم يحجبون عنه، وأخذوا بمفهوم الآية، وليس بصحيح. لكن قد يراه من كان مع المؤمنين، هذا قد قال به بعض الأئمة كابن خزيمة والقاضي أبي يعلى وغيرهما. وقد ألف الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- رسالة أرسلها إلى أهل البحرين، ذكر فيها هذه المسألة، وذكر فيها أقوال الطوائف فيها، ورجح -رحمه الله- قول أهل السنة، أو أكثر أهل السنة: على أنه لا يراه إلا المؤمنون، لا يرون الله عز وجل إلا أهل الإيمان بعد موتهم، كما جاء في حديث أبي هريرة: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». فلهذا يرونه أهل الإيمان، وأما أهل الكفر فلا يرونه؛ لأن الله عز وجل قد حجبهم عن رؤيته: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. لكن جاء في حديث أبي هريرة وأبي سعيد بالشفاعة: أنهم يرونه في غير صورته. وجاء أنهم يرونه أيضًا كذلك عندما يأتي في صورته، ثم يريدون أن يسجدوا، فيسجد كل من كان يسجد لله في الدنيا، ويريد أن يسجد من كان يسجد رياء في الدنيا، فيعود ظهره طبقًا واحدًا. هذا الحديث يدل على أن بعض المنافقين يرون الله عز وجل، لكن بعد ذلك يحتجب عنهم؛ كما ذكر ربنا جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. وأما المتصوفة فقد غلوا في هذا الباب، فقالوا: إن الله عز وجل يرى في الدنيا. فلهذا يذكر بعضهم -أو بعض غلاتهم- أنهم رأوا الله أحيانًا. وهذا باطل؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام -وهو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه- لما قيل له -كما في صحيح مسلم-: «يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». وهؤلاء يذكرون مثل هذه الأشياء، وهذا يدل على كذبهم. والله تعالى أعلم.