الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 88، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
شرح أهمية أقوال وأفعال وتقريرات النبي في التشريع الإسلامي. تعتبر هذه الأقوال والأفعال والتقريرات مصادر للتشريع إلا إذا جاء دليل يخصصها أو ينفيها.
أفعال النبي وتقريره تعتبر تشريعا إذا كانت على وجه القربة، ويجب على الأمة التأسي بها إلا إذا دل الدليل على خصوصيتها للنبي.
بعض أفعال وأقوال النبي خاصة به، ويستدل على ذلك بأدلة مثل خصوصية شهادة خزيمة وأضحية خال البراء بن عازب.
الدرس ينتهي بالدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، وهذا الختام يعبر عن التبرك والاحترام للنبي.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولهم. قال الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في منظومته «الجوهرة الفريدة»: قال: والقول والفعل والتقرير حيث أتى عن الرسول فللتشريع يعتمد إلا إذا جاء برهان يخصصه بالمصطفى أو بشخص فيه ينفرد ذكر رحمه الله تعالى في هذين البيتين أن ما جاء من أقواله عليه الصلاة والسلام، وما ثبت من أفعاله، وهكذا ما ثبت من تقريراته، كل ذلك من الشرع. سوى ثبت قولا عنه عليه الصلاة والسلام، أو فعلا مما فعله على وجه القربة لا على وجه الجبلة. وهكذا ما أقره عليه الصلاة والسلام، فكل ذلك من الشرع. فالشرع أقوال وأفعال وتقريرات. الأقوال كثيرة ثابتة عن نبي عليه الصلاة والسلام، وهي أوامره التي أمر بها عليه الصلاة والسلام، سواء كانت على وجه الإلزام والإيجاب أو على سبيل الندب. وكذلك أفعاله التي فعلها عليه الصلاة والسلام على وجه القربة لا على وجه الجبلة. لأن النبي عليه الصلاة والسلام أفعاله منها ما فعلها على وجه الجبلة، يأكل ويشرب وينام، هذه أفعال جبلة. كل واحد يأكل ويشرب وينام. فالمراد بأفعاله أنها من الشرع، الأفعال التي فعلها على وجه القربة لله جل وعلا. فهذه هي من الشرع. وهكذا ما أقره عليه الصلاة والسلام، أفعاله كثيرة عليه الصلاة والسلام في صلاته، في صيامه، في حجه، في عمرته، كذلك جلوسه مما هو على وجه القربة على هيئة معينة، أو في نومه على هيئة معينة على الجنب الأيمن. وهكذا كل هذه الأفعال هي من التشريع. التقريرات ما أقره النبي عليه الصلاة والسلام، فعل بحضرته ولم ينكره عليه الصلاة والسلام. فمعنى هذا أنه أقره عليه الصلاة والسلام. مثلا أكل لحم الضب، أقر النبي عليه الصلاة والسلام أكل لحم الضب، لماذا أقره؟ لأنه أكل على مائدته عليه الصلاة والسلام. لو كان حراما لأنكر عليه الصلاة والسلام، لكن سكت، معناه ذلك أنه أقره وأنه حلال. قال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما رأى النبي عليه السلام لم يأكل لحم الضب: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه ليس في أرض قومي، فأجدني أعافه». وهكذا أقر النبي عليه الصلاة والسلام أكل لحم الفرس، جاء في حديث أسماء قالت: «نحرنا فرسا على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام». والمعنى أن النبي عليه السلام لم ينكر ذلك، فمعناه أنه أقره عليه الصلاة والسلام. وهكذا أقر معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حين كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العشاء فريضة، ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم إماما نافلة، فأقر النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. فكل هذا من إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء. أقر الجارية حين قالت: «الله في السماء». سألها: «أين الله؟» قالت: «في السماء». قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله». فقال النبي عليه السلام لصاحبها: «اعتقها، فإنها مؤمنة». أقرها على قولها «في السماء»، فهذا من إقراراته عليه الصلاة والسلام، فهي من الشرع. كل ذلك من الشرع، ما قاله عليه الصلاة والسلام قولا، وأمر به إلزاما وإيجابا، أو من غير إلزام وهو الندب والمستحب. أو كذلك ما فعله عليه الصلاة والسلام على وجه القربة لله جل وعلا، فهذا أيضا من الشرع. وهكذا ما أقره عليه الصلاة والسلام. قال هنا الناظم رحمه الله تعالى: والقول والفعل والتقرير حيث أتى عن الرسول فللتشريع يعتمد. أي أنه يعتبر من التشريع. قال: إلا إذا جاء برهان يخصصه بالمصطفى أو بشخص فيه ينفرد. أراد رحمه تعالى أن يبين أن الأصل التأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام في أفعاله، إلا إذا دل الدليل على أن هذه الأفعال خاصة به عليه الصلاة والسلام. وإلا فالأصل أن ما شرعه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما فعله عليه الصلاة والسلام على وجه القربة، فإنه يشرع لأمته. دليل هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما خلع نعليه أثناء صلاته، خلع الصحابة نعالهم. قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام لما خلعتم نعالكم؟ قالوا: يا رسول الله، خلعت نعليك. والمعنى أنك ما دمت خلعت نعليك وفعلت هذا الفعل، فنحن نفعل مثل ما فعلت. فهذه دلالة على أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام التي فعلها على وجه العبادة والقربة والتعبد، يكون ذلك شرعا لأمته، عليهم أن يتأسوا به وأن يفعلوه، إلا إذا دل الدليل على أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. فأخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام عن سبب خلعه لنعليه، بأن فيهما أذى. وهكذا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين لما واصل الصيام، فواصل الصحابة الصيام كما واصل النبي عليه الصلاة والسلام. قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: لماذا واصلتم؟ قالوا: يا رسول الله، رأيناك تواصل. يعني ما دمت تواصل تفعل هذا الفعل، فنحن كذلك نواصل مثل ما تواصل. فهموا أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام الذي يفعله تعبدا لله وتقربا هو كذلك يلزمهم بأن يأتوا به ويفعلوه، إلا إذا دل الدليل على الخصوصية. بين النبي عليه الصلاة والسلام لهم أن هذا خاص به، قال لهم عليه الصلاة والسلام: «إنكم لستم كهيئتي، أو لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». إذن هذا الدليل دل على التخصيص. وخصائص النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة مما خص بها عن الأمة، منها زواجه بأكثر من أربع، هذا خاص به عليه الصلاة والسلام. ليس لأحد أن يتزوج بأكثر من أربع من أمة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا مما هو من خصائصه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج بغير ولي، نكاحه بغير ولي عليه الصلاة والسلام. وكذلك من خصائصه أن تهب المرأة نفسها له خالصا لك، كما قال جل وعلا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وليس لأحد أن يهب ابنته لأحد من الناس هبة، يقول: «خذ ابنتي هذه هبة لك صدقة». هذا ما يجوز. قال: إلا إذا جاء برهان يخصصه، يعني دليل بالمصطفى أو بشخص فيه ينفرده، يعني فحينئذ يكون هذا الفعل خاصا به عليه الصلاة والسلام، وخاصا بأولئك الأشخاص الذين خصهم النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك. مثلا شهادة خزيمة بشهادة رجلين، هذا خاص بخزيمة. ليس لأحد من هذه الأمة أن تكون شهادته بشهادة رجلين إلا خزيمة. كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام حين اشترى النبي عليه الصلاة والسلام جملا من أعرابي، ثم ادعى الأعرابي أن هذا الجمل لم يعطه النبي عليه الصلاة والسلام المال منه أو لم يشتريه منه. فقال: من يشهد لك؟ فشهد خزيمة، قال: «أنا أشهد يا رسول الله». أشهد يا رسول الله أنك اشتريت هذا الجمل من العرابي، مع أنه لم يشهد ذلك. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف تشهد وأنت لم تحضر ذلك؟» قال: لأنك رسول الله، فأنت لا يمكن أن تكذب. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام شهادة خزيمة بشهادة رجلين. إذا جاء أحد وطلع منه شاهدي وأتى بخزيمة، انتهى الأمر. لأن شهادة خزيمة بشهادة رجلين، هذه خاصية لخزيمة فقط. وهكذا كذلك في عناق خالي البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، فإن خالي البراء بن عازب ذبح ضحية لم تبلغ السن الشرعي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ضحيتك شاة لحم». فقال: يا رسول الله، إن لي عناقا -يعني هي دون السنة- أقل من السنة المعتبرة وهي السنة في المعز. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذبحها، ولن تجزي عن أحد بعدك». إذن هذه خاصية لخالي البراء. إذا جاء أحد مثلا وقال: أنا ما عندي أضحية بلغت السنة من المعز، لكن عندي عناقا، فأضحي بها كما ضحى خالي البراء بذلك العناق، نقول: لا. لماذا؟ لأن هذا خاص بهذا الصحابي، خاص به صلى الله عليه وسلم هذا الصحابي. فالجمهور من أهل العلم أن هذا لا يجوز. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورجح العلامة ابن عثيمين في «الممتع» قال: بل يجوز لمن كان حاله كحال خال البراء، يعني من وقع في مثل هذا، شخص ذبح قبل الصلاة وهو يجهل أن الأضحية إنما تكون بعد الصلاة، ثم بعد ذلك علم أن أضحيته ذبحها قبل الصلاة، وهذه ليست بأضحية، بل هي شاة لحم. فعنده عناق، هل يجوز؟ شيخ الإسلام يجوز ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لخال البراء ذبح ذلك العناق أضحية له. فقال: إذا تحقق هذا الوصف في أحد، وكان حاله كحال خال البراء، فهي كذلك تجزي عنه. فالشاهد من هذا أن المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذكر أن الشرع منه الأقوال والأفعال والتقريرات، ذكر أن الأصل في أفعاله عليه الصلاة والسلام تأسي الأمة به، إلا إذا دل الدليل على الخصوصية وأنه خاص به أو خاص بأحد أفراد أمته، فحينئذ يكون خاصا بمن خصه النبي عليه الصلاة والسلام. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.