الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 260، ألقاها
نهى النبي عن الحلف بغير الله وعن الحلف بالآباء خصوصا، ويشرح توجيه العلماء للحديث النبوي الذي يبدو أنه يحتوي على استثناء.
يشرح أهمية الصدقة في وقت الصحة واليسر، ويتحدث عن آداب طلب الحاجة من الآخرين كما جاء في أثر ابن مسعود.
ينبغي طلب الحاجة من الناس بلطف ويسر دون إلحاح أو تشديد، ولا ينبغي المدح المبالغ فيه الذي قد يوقع الممدوح في العجب والغرور.
ينصح الأثر بطلب الحاجة من الآخرين برفق ويسر دون إفراط في المدح، ويشير إلى أن إصابة الحاجة أو عدمها يعتمد على القدر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب قول الرجل لا وأبيك. قال حدثنا محمد بن سلام، قال أخبرنا محمد بن فضيل بن غزوان عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل أجرا؟ قال: «أما وأبيك لتنب أنه أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان». بوب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب «باب قول الرجل لا وأبيك»، أي ما حكم قول الرجل هذه اللفظة «لا وأبيك»، وهي نوع من القسم، نوع من القسم وحلف بالآباء. والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الحلف بالآباء، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عموما عن الحلف بغير الله، قال عليه الصلاة والسلام كما في عموم الأحاديث في السنن: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». وقال عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت». ونهى عليه الصلاة والسلام عن الحلف بالآباء خصوصا كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحلفوا بآبائكم، لا تحلفوا بآبائكم». هذا الحديث كما نرى فيه جواز الحلف بالآباء، والحلف بغير الله عز وجل لا يجوز، وهكذا كذلك الحلف بالآباء كذلك لا يجوز، فلا يجوز الحلف بغير الله عز وجل، من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك، والحلف بالآباء من الحلف بغير الله، من الحلف بغير الله. فهذا الحديث كما نرى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما وأبيك لتنب أنه»، وهذا حلف بالآباء. ووجه العلماء هذا الحديث، وأحسن توجيه أن ذكر هذه اللفظة لا يصح، ذكر هذه اللفظة لا يصح، فذكرها في هذا الحديث يعتبر شاذا، يعتبر شاذا. وبين ذلك العلامة الألباني رحمه الله كما في السلسلة الضعيفة رقم أربعة آلاف وتسعمائة واثنين واثنين، بيّن أن ذكر هذه اللفظة «وأبيك» لفظة شاذة خالف فيها بعض الرواة من هو أوثق وأحفظ منه أكثر عددا، فيكون ذكرها هنا من الشذوذ. ونبه كذلك الشيخ الألباني رحمه الله على أن كذلك ذكر نحو هذه اللفظة في حديث طلحة من عبيد الله في البخاري أو في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل حين سأله عن شرائع الإسلام، فقال بعد ذلك: «لا أزيد على هذا ولا أنقص»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلح وأبيه إن صدق، أفلح وأبيه إن صدق». فبيّن رحمه الله كذلك أن ذكر «وأبيه» في هذا الحديث كذلك لا يصح، كذلك لا يصح، فقد ورد الحديث بغير ذكر هذه اللفظة «أفلح إن صدق»، وورد كذلك «أفلح والله إن صدق»، وهذه الروايات صحيحة. أما ذكر هذه الرواية التي فيها الحلف بالآباء فهو لا يصح. قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى»، أي أن أفضل الصدقة هي الصدقة وقت الصحة، أنت تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، أنت في وقت الصحة والسلامة من الأمراض والسلامة من الآفات والأوجاع والمصائب، فالتصدق في هذا الوقت أفضل. لماذا؟ لأن الإنسان في حال الصحة هو أشد تمسكا بالمال وحرصا عليه وشحا به. ولهذا قال: «وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى»، أي تحب المزيد من المال والمزيد من فتوح الدنيا في وقت الصحة ووقت العافية. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يكبر ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل، في حال الصحة والعافية، فالإنسان يرى الموت بعيدا، فيكون عنده طموح وعنده آمال كثيرة، ويتعلق قلبه بالدنيا. فلذلك كانت الصدقة في مثل هذا الموضع أفضل، لأنها تدل على صدق المتصدق وعظيم كذلك حرصه على الخير وإرادة ما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب. قال باب: إذا طلب فليطلب طلبا يسيرا ولا يمدحه. قال حدثنا أبو نعيم وهو الفضل من دكين، قال حدثني الأعمش وهو سليمان المهراني عن أبي إسحاق وهو السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله أي بن مسعود قال: إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا، فإنما له ما قدر له، ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه فيقطع ظهره. هذا الأثر صحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وفيه ذكر هذين الأدبين من الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم. قال: «إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا»، أي إذا طلبت من أخيك حاجة فليكن طلبك له طلبا يسيرا، أي من غير إلحاح، لا تلح عليه بالسؤال والطلب، لأن ذلك يضجره ويرغم أنفه، وكذلك يريد ربما أن يعينك فيقابلك بخلاف ما تريد. فلذلك إذا طلبت حاجة تطلبها طلبا يسيرا، عندك الحاجة الفلانية أو أحتاج الأمر الفلاني، من غير أن تلح عليه وتكثر عليه، فهذا خلاف الأدب. بخلاف سؤالك لله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يحب من عبده أن يكثر عليه السؤال، وأن يلح بالسؤال، وأن لا يمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، قيل: يا رسول الله، وكيف يستعجل؟ قال: «يدعو فيقول: قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». فالله جل وعلا يحب من عبده أن يدعوه وأن يكثر من دعائه وسؤاله، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، وقال: ﴿رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. والله جل وعلا يحب من عبده أن يسأله، بخلاف الإنسان والمخلوق، فإنه ربما يضجر من سؤال الناس له. وكما قال القائل: لتسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تغلق، الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب. فإذا سألت من أخيك حاجة فليكن سؤالك بلطف ويسر من غير إلحاح ومن غير تشديد عليه. قال: «فإنما له ما قدر له»، يعني لو كان قد قدر لك أن تصيب هذه الحاجة ليسرت لك وأصبتها، وإن لم تقدر لك فلا داعي أن تلح على أخيك وتجره بشيء لم يكتب لك، فإنما له ما قدر له، ليس لك إلا ما شاءه الله سبحانه وتعالى، وما لم يشاءه الله جل وعلا لك فلن تناله. قال: «ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه فيقطع ظهره»، وهذا الأدب الثاني أنك لا تمدح صاحبك مدحا يضره، فيوقعه في العجب والغرور، أنت كذا وأنت كذا، فيك وأنت من أخلاقك الكرم والجود والإحسان إلى آخره، تطريه بالمدح والثناء، فيكون في ذلك مضر عليه، فيصيبه العجب والغرور، فتقطع ظهره. فلا ينبغي ذلك، سواء كان هذا المدح لغير قصد الطلب، يعني مدحا مجردا لغير مقصد، فإن ذلك مما لا ينبغي، وإن كان لقصد طلب الحاجة منه، فكذلك لا ينبغي أن تمدحه حتى يعطيك، حتى يعطيك ويستجيب لحاجتك، فإن ذلك مما نهى عنه الشرع. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «احثوا في وجوه المداحين التراب». فالمدح والثناء والإطراء في ذلك والمبالغ فيه سبب لقطع ظهر الممدوح ووقوعه في العجب والغرور، فلأجل ذلك فلا ينبغي فعل مثل ذلك. فمقصود هذا الأثر أنك إن طلبت من أخ حاجة فليكن طلبك برفق ويسر، فإن قدر لك أن تصيب هذه الحاجة أصبتها، وإن لم يقدر لك لم تصبها، ولا يحتاج أن تمدحه وتثني عليه وتبالغ في مدحه حتى يعطيك، فإن هذا مما لا ينبغي.