الدرس في كتاب الصيام 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً ثم أفطر عند وصول الطعام، ويستدل العلماء بذلك على جواز نية الصوم في النافلة من النهار دون تبييت النية كما في الفريضة. هذا الأصل الشرعي يبيح للمسلم الدخول في صوم التطوع نهاراً إذا لم يتناول مفطراً منذ الفجر.
يبين المقطع جواز نية صوم النافلة في النهار بشرط الإمساك عن المفطرات منذ الفجر، ويوضح جواز قطع صوم النافلة وأكل الطعام أو شرب الشراب دون إثم اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. كما ينبه إلى أن الأفضل إتمامه، وأن الواجب كقضاء رمضان أو النذر لا يجوز قطعه.
يبيّن المقطع شدة عيش النبي ﷺ في أول الهجرة ثم سعة الرزق بعده، ويؤكد استحباب قبول الهدية ولو كانت يسيرة اقتداءً به ﷺ. كما يوضح جواز إذن الزوجة بدخول من تعلم أن زوجها لا يمانع دخولهم، مع وجوب استئذان الزوج إن كان يمنع ذلك.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين كخاتمة رسمية للمجلس العلمي. هذه الخاتمة تعكس الآداب الشرعية في إنهاء مجالس العلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا أبو كامل، فضيل بن حسين، وهو الجحدري، فضيل بن حسين بن طلحة، البصري، ثقة حافظ. قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، وهو أبو بشر العبدي، ثقة إلا في روايته عن الأعمش؛ وذلك أنه عمد إلى أحاديث أرسلها الأعمش فوصلها، فتكلم الحفاظ في روايته عنه، إلا أنه ثقة ثبت كما قال ابن عبد البر: أجمع على توثيقه. قال: حدثنا طلحة بن يحيى بن عبيد الله، وهو أبو حنيف، القرشي. يحيى بن عبيد الله فيه كلام، الإمام البخاري تكلم فيه، قال: فيه منكر الحديث، لكن وثقه غيره، ولهذا الحافظ في التقريب توسط فقال: صدوق يخطئ. قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، وهي بنت عبيد الله، القرشية، التميمية، أو تيمية، أمها أم كلثوم بنت الصديق، فعائشة رضي الله عنها خالتها، وقد سمعت من عائشة رضي الله عنها، وكانت ممن يضرب بها المثل في الحسن والجمال، وقد تزوجها مصعب بن الزبير، وأمهرها ألف ألف دينار، يعني مليوناً. عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «يا عائشة، هل عندكم شيء؟» قالت: فقلت: «يا رسول الله، ما عندنا شيء». قال: «فإني صائم». قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، زور يعني زوار، بمعنى زوار. قالت: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: «يا رسول الله، أهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئاً» يعني من هذه الهدية. قال: «وما هو؟» قلت: حيس. الحيس: التمر مع السمن والأقط يخلط، مع السمن والأقط. السمن معروف، والأقط هو اللبن المجفف، اللبن المجفف، ولا زال أهل البوادي إلى اليوم يستعملونه، يحمض، يعني يطبخ ويحمض، ثم يجفف، ثم يؤكل جافاً. فالحيس يخلط هذا التمر مع السمن وهذا الأقط. قال: «هاتيه، هاتيه». قالت: فجئت به فأكل، ثم قال: «قد كنت أصبحت صائماً». قال طلحة: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، فقال: «ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها». وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام، عن الجراح، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا. قال: «فإني إذا صائم». ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: «يا رسول الله، أهدي لنا حيس». فقال: «أرنيه، فلقد أصبحت صائماً». فأكل. هذا الحديث فيه دلالة على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أنه يجوز الصوم، أو عقد نية الصوم في النافلة من النهار، يجوز عقد الصوم في النافلة بنية من النهار، ولا يشترط تبييت النية في صوم النافلة، بخلاف الفريضة. فالنبي عليه الصلاة والسلام دخل على عائشة وسأل: هل عندكم شيء؟ يعني من طعام. فقالت: لا، ما عندنا شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإني صائم». وفي بعض الروايات: «فإني إذا صائم»، يعني الآن، الآن أنا أنوي الصيام. وكونه سأل عن الطعام معنى هذا أنه كان يريد أن يأكل، لكن لما لم يجد شيئاً عزم على الصيام عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على أنه يجوز للمسلم أن يعقد نية الصيام في النافلة في النهار، لكن يشترط كما قال أهل العلم: أن لم يأتِ مفطراً قبل عقد نية الصيام، أنه يكون ممسكاً من الفجر إلى وقت عزمه على الصوم، ما أتى مفطراً من مفطرات الصيام. أما أنه لو أصبح مثلاً في الفجر وشرب ماء، ثم بعد ساعتين قال: عندكم طعام؟ قالوا: ما عندنا. قال: أنا صائم. هنا ما يصلح، لأنه أصبح مفطراً، قد شرب ماء، أو أتى أهله مثلاً في النهار، ثم أراد أن يصوم، هنا ما يصح، لابد أن يكون ممسكاً من الفجر إلى وقت عزمه على نية الصوم. فإذا كان كذلك جاز له أن يصوم هذا اليوم، ويكتب له الأجر من وقت عقد النية، يكتب له أجر الصيام من وقت عقد نية الصيام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وكذلك أيضاً في هذا الحديث جواز أن يفطر المسلم ويبطل صومه إذا كان صوم نافلة، يجوز له أن يفطر ويأكل ويشرب، وإن كان قد أصبح صائماً. لأن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أصبح صائماً، فلما أخبرته بأن عندها طعام أكل، ثم قال: «قد كنت أصبحت صائماً»، قد أصبح صائماً ثم أفطر عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أنه يجوز للمسلم إذا صام صوم نافلة أن يقطع هذا الصيام، أن يقطع هذا الصيام فيأكل أو يشرب إذا أراد ذلك. وهذا قول جماعة من الصحابة، وبه قال الإمام أحمد والشافعي: أن له أن يقطع صيام النافلة فيأكل أو يشرب، أو كذلك أيضاً يبطل هذا الصيام. لكن الأفضل والمستحب أن يتم، هذا الأفضل، لكن من حيث الجواز فإنه يجوز، وخاصة إذا كان هناك حاجة للفطر فلا بأس. وأما أبو حنيفة ومالك فقالا: لا يجوز، لا يجوز أن يقطع صوم النافلة، وإذا فعل ذلك فإنه يأثم، قال: إذا فعل ذلك فإنه يأثم. والصحيح أنه يجوز ولا إثم عليه، لأن صوم النافلة مستحب وليس بواجب. وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أخشى الناس لله، أو أتقى الناس لله، أفطر عليه الصلاة والسلام وقد أصبح صائماً. والأمر كما قال مجاهد رحمه الله حين ذكر له هذا الحديث: «ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها». يعني أنت تنوي، أنت تتصدق بمال، ثم أنت مخير، إن شئت تصدقت، وإن شئت أمسكت هذا المال. وهكذا حال من يصوم صوم النافلة، إن شاء أمضى هذا الصيام واستمر فيه، وإن شاء قطعه ولا شيء عليه، لأن هذا الصوم مستحب وليس بواجب، لأنه مستحب وليس بواجب. أما إذا كان الصوم واجباً فلا يجوز له أن يقطع هذا الصيام أو يفطر من غير عذر، بل يجب عليه أن يستمر حتى يتم هذا اليوم، كأن يكون صوم نذر أو صوم قضاء، فهنا يجب عليه إتمامه. وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وما عليه أزواجه من قلة ذات اليد، فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأل عائشة: هل عندكم من طعام؟ تقول: لا، ما عندنا. لهذا بيت من بيوت النبي عليه الصلاة والسلام لا يجد فيها طعاماً، عليه الصلاة والسلام. وبهذا نعلم ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من شدة المعيشة، وكذلك ما عاناه من الفقر عليه الصلاة والسلام. هذا كان في أول أمر الهجرة، ثم لما فتح الله جل وعلا عليه البلاد كخيبر وغيرها، كان ينفق النبي عليه الصلاة والسلام على أهله نفقة سنة، ووسع الله سبحانه وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضاً استحباب قبول الهدية، استحباب قبول الهدية، قالت: أهديت لنا هدية، عن أن قبلتها وأخذت هذه الهدية وأهدت للنبي عليه الصلاة والسلام منها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تهادوا تحابوا»، يعني ليهدي بعضكم لبعض، تحصل بينكم المحبة والمودة. وكذلك أيضاً فيه جواز إدخال المرأة إلى بيت زوجها من تعلم أن الزوج لا يمنع من دخول مثلهم إلى بيته، فعائشة تقول: جاءنا زور، يعني زوار، زاروها إلى بيتها، وأذنت لهم بذلك، ولم تستأذن النبي عليه الصلاة والسلام، لم تستأذن النبي عليه الصلاة والسلام في إدخال هؤلاء الزوار، لكن هي تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع من مثل ذلك. فإذا كان كذلك فلا بأس، فلا بأس أن تأذن المرأة لدخول من يزورها من النساء، أو من محارمها، من تعلم أن زوجها لا يمنع من ذلك. وأما إذا منع الزوج، يقول: لا تأذني لفلانة من الناس من النساء، أو لفلان من محارمها مثلاً، لكونه يعلم أنه سبب في إفسادها، أو في تغيير أخلاقها، أو شيء من ذلك، فهنا لا يجوز لها، لا يجوز لها أن تأذن له بالدخول، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تأذن في بيته إلا بإذنه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، يعني لا تأذن لأحد أن يدخل بيت زوجها إلا بإذن الزوج. وهذا الإذن إما أن يكون إذنا لفظياً، أو إذنا عرفياً، حيث تعلم أن الزوج لا يمنع من مثل ذلك، فمثل هذا لا حرج فيه. وكذلك أيضاً فيه تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يقبل عليه الصلاة والسلام ما يهدى له، ولو كان شيئاً يسيراً، ولو كان شيئاً يسيراً. انظروا هنا: أهدي له حيس، تمر مع سمن وأقط، قبل ذلك عليه الصلاة والسلام، وهذا من تواضعه. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت، ولو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت». يعني ما يتكبر أن يجيب دعوة من دعاه إلى كراع. تعلمون الكرعان؟ ها أسفل قدم الشاة، عظام ما فيها لحم، ما فيها لحم، تُطبخ، يُصنع فيها شيء من المرق. يقول: لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت. يقول: جزاك الله خير، يقبل هذه الهدية، كرعان، ما يقول: تعطينا عظام فاضية ما فيها لحم، لا، يقول: جزاك الله خير. هذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. فهكذا المسلم إذا أهدي له شيء، ولو كان شيئاً يسيراً، فيقبل الهدية. بل كان يقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية ويثيب عليها، يعني يعطي من أهداه شيئاً، يرد له ثواب هذه الهدية، إن لم يجد شيئاً فلا أقل يقول: جزاك الله خيراً. وهذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام. طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.