شرح كتاب التوحيد 67

شرح كتاب التوحيد 67

الدرس في شرح كتاب التوحيد 67، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الذبح في أماكن الشرك

يناقش الدرس تحريم الذبح لله في الأماكن التي يذبح فيها لغير الله، مستدلاً على ذلك بتبويب المؤلف وآيات القرآن الكريم. نهى الإسلام عن هذا الفعل لما فيه من مشابهة للكفار وذريعة للشرك.

حكم الصلاة في أماكن العبادة التي أسسها الكفار

يشرح الدرس قصة مسجد ضرار ويستنبط منه حكم الصلاة في أماكن العبادة التي أسسها الكفار أو المنافقون. يرى العلماء أنه لا يجوز الصلاة في مثل هذه الأماكن لأنها لم تبن لوجه الله تعالى.

ختام الدرس والدعاء

يختتم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل الفائدة من الدرس ويُنهي بالتأكيد على قدرة الله.

  • 14 جمادى الأولى 1444هـ - 07/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: بابٌ لا يُذبح لله بمكانٍ يُذبح فيه لغير الله. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بعدما أورد الباب الأول قبل هذا في باب ما جاء في الذبح لغير الله، وعلمنا أن الذبح لغير الله نوعٌ من أنواع الشرك بالله، ثم ناسب أن يذكر هذا الباب، فقال: بابٌ لا يُذبح لله بمكانٍ يُذبح فيه لغير الله. وقد أشاد العلماء والشراح بهذا التبويب، إذ أن التبويب الأول يتعلق بالمقاصد، وهذا التبويب يتعلق بالوسائل، أي ما كان وسيلة للذبح لغير الله، وهو أنك تذبح لله في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: بابٌ لا يُذبح لله، وهنا النفي يتضمَّن النهي، أي أن لا تفعل ذلك، وهذا أسلوب بلاغي أن يُستخدم النفي لمعنى النهي. قال: بابٌ لا يُذبح لله، انظر ذبحُك لله، ذبحُك قصداً ولفظاً لله. إن جئنا من حيث هذا الاعتبار، هو شرعي، ذبحُك شرعي. رجل أراد أن يذبح لله، فاختار النسك، فذبح أضحيةً أهلَّ بها بإسم الله، وأراد وجه الله عز وجل، لكنه تلبس بأمرٍ آخر، وما هو؟ قال: بمكانٍ يُذبح فيه لغير الله. الإشكال هنا أن هذه الذبيحة أوقعها صاحبها في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله. كان بعض الأماكن المعدة لدى الكفار، لدى المشركين، وخاصة في هذه المجتمعات المفتوحة، المجتمعات المفتوحة التي يكون فيها أخلاط بين المسلمين والكفار، فتجد في هذه المجتمعات المختلطة بين أهل الإسلام والكفر، تجد أن الكفار عندهم مواسم، عندهم أماكن تعارفوا فيما بينها على أنها تُذبح لأصنامهم، لآلهتهم، لغير ذلك. فهذا المكان الذي هو أصالةً يُذبح فيه لغير الله، لا يجوز لمسلم أن يأتي بذبيحته، وإن كانت لله، لا يأتي بها في هذا المكان. هذا هو المراد من هذا التبويب. وتأمل في قول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يُذبح لله بمكان، هنا استخدم حرف الباء، واستخدام هذا الحرف لأنه يشتمل على فائدتين اثنتين. الفائد الأولى أنه يشتمل على الظرفية، والفائد الثاني أنه يشتمل على المجاورة. فالباء تأتي بمعنى في، فيكون التقدير: لا يُذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله. إذن هنا باء تأتي بمعنى في، أي أنك لا تأتي إلى هذا المكان، إلى هذا المحل المُعد للزبح في نفسه، في موقعه لا. وهذه الفائد الأولى أن باء أعطت معنى في الظرفية، وكذلك أن الباء تُعطي معنى المُجاورة، مَرَرْتُ بِكِ، مَرَرْتُ بِالْمَسْجِدِ، باء هنا أي مَرَرْتُ بِجِوَارِ المَسْجِدِ. الباء تأتي بمعنى المُجاورة، فيكون على هذا المعنى: لا يُذبح لله بمكان، أي بمكان مُجاور، لا يُذبح لله بجوار مكان يُذبح فيه لغير الله. أي لو ربما أنت ما تأتي إلى نفس المحل، لكن تأتي بالقرب منه، تأتي بالقرب منه، هذا كذلك يدخل في النهي ويدخل في المنع. فاستخدام المُؤلِّف رحمه الله تعالى لحرف الجر أفاد فائدتين، فأن ذبحك لله لا ينبغي أن يكون في مكان يُذبح فيه لغير الله، أو بجوار مكان يُذبح فيه لغير الله، هذا الذي أراده المُؤلِّف رحمه الله تعالى من خلال هذا التوبيب. وما هي العِلَّة؟ قد يقول القائل: وما الحكمة من ذلكم؟ إذا كنت أنا ما أريد إلا ما عند الله، فما الذي يضرني إن ذبحت هنا أو ذبحت هنا، أو صادفاً أن يكون في محل يُذبح فيه للكفار ذبحاً لآلهتهم؟ قالوا العلماء: الحكمة من المنع والنهي عن ذلكم أن في ذلكم مشابهةً لهم، أنك تتشبه بهم، والتشبه بالكفار مما هو من خصائص الكفار لا يجوز. التشبه بالكفار مما هو من خصائصهم لا يجوز هذا الفعل، وهو أنهم أن الكفار اختاروا هذا المحل لعقيدة، لعادة، لتقليد، مشوا عليه، أخذوه أعراف وأسلاف عن من مضوا، هذا من خواص أعمالهم، ولا يجوز لمسلم أن يأخذ من خصائص الكفار، لا في طاعاتهم، ولا في عاداتهم، ولا في أسلافهم، ولا في أعرافهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم». وأقل ما يقال في حكم التشبه أنه كبير من كبائر الذنوب، أقل ما يقال من التشبه بالكفار أنها كبيرة من كبائر الذنوب. فقال علماء: أن في ذبحك في مكانهم هذا فيه تشبه لهم، والمسلم مؤمور مأمور أن يخالف الكفار في كل شيء، في أقوالهم، في أعمالهم. فالمسلم يعتز بدينه وبما حباه الله له من دين وشريعة، وليس لك الدون أن تفعل كأفعالهم أو تتشبه بما هم عليه من أفعال، ومن كذلك اختيار الأماكن. الفائدة الثانية من علة النهي أنك لا تذبح الذبيحة في مكان يذبح فيه لغير الله، قال العلماء: أن في ذلك ذريعة أن في ذلك ذريعة للفساد، ذريعة للشرك. ذريعة من حيث أنك لربما تسوغ لغيرك، تسوغ لغيرك الذي لا يفهم حقيقة الأمر، تأتي إلى مكان مثلاً للنصارى، عندهم مسلخ مثلاً بقرب كنيسة، وتعارف النصارى أنه في هذا المكان، وفي هذه الساحة من ساحات الكنيسة يذبحون فيها الذبائح، فأنت عندما تأتي وتذبح ذبيحتك في هذا المكان، لربما صحيح أنت ما تريد إلا ما عند الله. لكن هذا المكان مهيأ كما تزعم، مكان مهيأ مجهز بكل شيء، ونتحب أن تذبح عندهم، لكن عند غيرك الذي لا يفهم هذا الكلام، ما الذي يرى؟ يرى نصراني يذبح، ويرى مسلم بجواره يذبح، الكل يذبح في هذا المكان، فالذي لا يفهم خلفية الأمر يرى أن هذا الأمر جائز، وأعلى أنه يجوز للمسلم أن يذبح عند الكافر. فتأتي هنا بلايا لأن الأمر خفي لا يظهر لكل أحد، فقال العلماء: فحمى لحمى التوحيد، وكان هذا الفعل ذريعة للفساد والشر والشرك، يمنع هذا الباب ويسد هذا الباب، وهذا الذي جاء في أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من أنه نهى عن ذبح، كما سيأتي معنى نهى عن ذلكم. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقول الله: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾. استدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾. الخطاب من ربنا لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿لا تقم فيه﴾، فيه ما هو المشار إليه؟ المشار إليه إلى مسجد ضرار، مسجد أسس على أنه يكون بيتا لله، هذه صورته، صورته أنه أعد لدور العبادة، يتعبد فيه لله. لكن الذين أسسوا هذا المسجد هم أرادوا ذلك ما أرادوا أن يكون هذا المبنى ما أراده دور عبادة، وأن المسلم يصلي فيه لله، إنما بنوه إرصادا لمن حارب الله ورسوله، وتفريقا لكلمة المسلمين، هذا الذي قام به أهل النفاق، أنهم أرادوا أن يضاروا مسجد قباء، يضاروا مسجد قباء، ذلكم المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم. فأراد الأهل النفاق أن يكيدوا لهذا المسجد، وأن يبنوا لأنفسهم مأوى يكون محل تجمع لهم، يتجمعون فيما بينهم، وكذلك فيه التفريق لكلمة المسلمين، وأن من أتى إليهم في مسجدهم لربما لبسوا عليه. فلما كان ذلك من صنيعهم، أنزل الله عز وجل على نبيه حقيقة هذا المسجد، وأن هذا المسجد ما بني لله، وإنما بني مضارة لدين الله. فأمره ربنا أنه لا يقم فيه، أي لا يصلي فيه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم إن صلى سيصلي لله، إن صلى سيصلي لله، عبادة سيصلي الظهر والعصر، لأن أهل النفاق طلبوا منه أن يقدم إليهم، وأن يصلي في هذا المسجد من باب الإقرار، فمنعه ربه عز وجل من الإقامة فيه، قال: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾. وبل جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهدمه، أمر بهدمه. فاستدل العلماء على أن الأماكن التي هي أعدت للكفار لتعبدهم، لا ينبغي عبد الله أنك تأتي إليهم وتتعبد بنفس عباداتهم، لأن فعلك هذا إقرار لهم، إقرار لهم. ومن هنا استفاد العلماء على أن هذه الأماكن التي يبنيها الكفار، ومن كان من أعداء الدين، ولو كانت للصلاة، لا يجوز أن تصلي فيها. يمثل العلماء مثل المساجد التي يبنيها مثل القاديانية، القاديانية فئة طائفة تزعم أنها من أهل الإسلام، وقد صرح العلماء بكفرهم، إذ أنهم يدعون النبوة والرسالة في غير نبينا عليه الصلاة والسلام، بما يسمى بالقادياني، وأنه ينزل عليه وحي من السماء، فكفرهم العلماء. هؤلاء عندهم مساجد، طبعا ليست في بلاد الإسلام، بل في بلاد الكفار، في بريطانيا مثلا، عندهم جوامع ضخمة، الكفار يمدونهم لأن الكافر مع الكافر ملا واحدة، فبنيت لهم مساجد، فهذا المسجد هل لك أن تصلي؟ قد يقول قال الله أخي أنا دخل علي وقت الصلاة وسأصلي في هذا. لا، لا تصلي فيه، لا تصلي في هذا المسجد، هذا المسجد ما أعد لله ولوجه الله، هذا المسجد أعد مضارة ومحاربة لدين الله، ﴿لا تقم فيه﴾، ولا تصلي فيه. بهذا إخواني في الله استفاد العلماء هذه المسألة، فإذا وجد أن الكافر بنى أو عنده مكان يتعبد الله فيه من ذبح أو صلاة، فلا تأتي أنت إلى هذا المحل وتصلي معه وتذبح معه لا. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله. نكتفي إلى هذا الحد، فنسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.