شرح كتاب التوحيد 125

شرح كتاب التوحيد 125

الدرس في شرح كتاب التوحيد 125، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية الإيمان بالجبت والطاغوت

يتناول المقطع شرح الآية الكريمة التي تتحدث عن إيمان اليهود بالجبت والطاغوت ومعناهما. يُبين سبب نزول الآية وكيف أن حكم كعب بن الأشرف كان ظلمًا.

الربط بين إيمان اليهود بالجبت والطاغوت وعبادة الأوثان في الأمة الإسلامية

يفسر المقطع مناسبة ذكر آية اليهود في سياق الحديث عن عبادة الأوثان في الأمة الإسلامية، مع التركيز على مشابهة الأمم لبعضها.

تحذير من الإقرار بالكفر وداء الحقد والحسد

يُحذّر المقطع من خطورة الإقرار بالكفر وتأثير الحقد والحسد، مستشهدًا بالآية الكريمة حول اليهود ويُظهر كيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى أفعال غير منطقية.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن المقطع الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على علم الله المطلع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب الجديد، والذي بوّب عليه رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان. وأشرنا إلى ما يتعلق بمفردات هذا الباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى من أوائل استدلالاته بهذا الباب الذي مر معنا، فاستدل بقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾. هذه الآية، إخواني في الله، تتحدث عن اليهود. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ألم تر﴾ والرؤية هنا بصرية؛ لأنها عُديت بإلى، أي: ألم تنظر إلى الذين أوتوا، أي: أعطوا نصيبًا، أي: حظًا من الكتاب، وهو التوراة المنزل على اليهود. قال: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ يؤمنون بمعنى يصدقون بالجبت والطاغوت. والجبت كما قال الإمام الجوهري رحمه الله تعالى: بأنها كلمة تقع على الصنم والساحر وغير ذلك؛ لأن اختلف العلماء في تحديد الجبت. منهم من قال: الجبت هو الساحر، ومنهم من قال: الجبت بمعنى الصنم، ومنهم من قال: الجبت بمعنى الكاهن. ولهذا من أفضل التفاسير في هذا الباب من قال: إن الجبت هو اسم عام لكل مخالفة في الاعتقاد، اسم عام لكل مخالفة في الاعتقاد. هذا معنى الجبت، وهي كلمة يدخل فيها الأصنام، ويدخل السحرة؛ لأن هؤلاء مخالفتهم اعتقادية. والطاغوت كما قال ابن القيم رحمه الله: هو اسم لكل ما تجاوز به العبد حده. هذه الآية لها سبب نزول، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، من أن كعب بن الأشرف، ومن كبراء وزعماء اليهود، لما قدم مكة، قالت له قريش: ألم تر إلى هذا الصنبور المنبت؟ ويقصدون بهذا الوصف نبينا عليه الصلاة والسلام، الصنبور الذي خرج عن دين قومه، المنبت: المنفرد، أي: هذا الذي شق عنا وخرج عن جماعتنا وكفر بديننا. فقال لكعب الأشرف: ألم تر إلى هذا الصنبور المنبت من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية؟ فأرادوا أن يسمعوا رأي كعب الأشرف في هذه المسألة: نحن أهل الحجيج، ونحن أهل السقاية وأهل الرفادة وأهل الحرم، وهذا رجل منبت ليس له أحد. فقال كعب حينها: أنتم خير منه، أنتم خير منه. فحكم بالخيرية على هؤلاء، وهم كفار من عباد الأصنام والأوثان. ولهذا قال الله عز وجل متممًا لهذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾. وهذا حيف، هذا ظلم؛ أنك لما تقارن بين رجل مؤمن موحد مع رجل كافر مشرك عابد الأصنام، فتجعل عابد الأصنام أفضل من الموحد. فوربك ما حكمت في القضية، هذا جور في الحكم. لكن هكذا حال اليهود، أهل تملق وأهل تزلف. فأراد كعب أن يتملق عند الكفار، فزكاهم على حساب أن يطعن ويغمز في نبينا عليه الصلاة والسلام، مع علم اليهود بنبوة رسول الله، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. فشاهد، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. تأتي مسألة الآن، إخواني في الله، طيب هذه الآية بهذه الدلالة واضحة على ما كان من فعل اليهود، أنهم أقروا عبادة الأصنام والأوثان لقريش. بقي مسألة مهمة، وهي: طيب ما الذي أو ما المناسبة في أن المؤلف رحمه الله تعالى يأتي بهذه الآية والتي تتحدث عن اليهود، ويجعلها تحت هذا الباب: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان؟ فالباب يتحدث عن أمة الإسلام، والآية تتحدث عن اليهود، فما المناسبة؟ وما العلاقة بين هذا وذاك؟ وجه المناسبة، إخواني في الله، تكون كالتالي: قال العلماء: إذا كان هذا من فعل اليهود، وهم أمة أنزل الله عز وجل لهم شريعة ودين، عندهم التوراة من أجل الكتب المنزلة، وأنزل الله عز وجل وأرسل إليهم موسى عليه السلام النبي الكليم، وهم مع هذه الشرائع والأديان وهذا الكتاب المنزل، مع ذلك وقع منهم الإيمان بالجبت والطاغوت، فإذا صدر من هؤلاء، فنحن لا نبعد عنهم. فنحن إن أنزل الله عز وجل أنزل علينا القرآن وأرسل علينا نبينا المختار، إلا أننا لسنا في مأمن من أن نقع في الذي وقع فيه اليهود. أضف إلى ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة من نبينا عليه الصلاة والسلام، والذي أخبر فيها -وستأتي معنا- أن هذه الأمة ستتبع حذو من كان قبلها القذة بالقذة، نحن خلفهم تبع، حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلنا بعدهم. هذه من السنن الكونية والتي جاءت بها الأحاديث النبوية، وليس لها خلف وليس لها تناقض. فإذا كان كذلكم، حتى جاء في بعض الأحاديث: أن لو أن أحدًا من الكفار أتى أمه علانية سيقع هذا في أمتنا، ما نحن إلا ردة فعل للكفار. فإذا كان كذلكم، وهذه الأدلة واضحة الدلالة قاعدة ربانية، فإذا كان الكفر قد وقع فيمن كان قبلنا، ووقع عند اليهود والنصارى، سيقع فينا ولا محالة. فلما أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية على أن من اليهود من آمن بالجبت والطاغوت، من آمن بالأصنام والأوثان، إذن النتيجة: سيقع هذا فينا، سيقع هذا فينا. هذه هي المناسبة، إخواني في الله، بين الباب وبين الآية التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى. ومن خلال هذه الآية وما يتعلق بسبب نزولها، نستفيد عدة فوائد. أولاها: أنه سيكون في هذه الأمة من يعبد الأصنام والأوثان، وقد أشرنا إلى وجه الدلالة في ذلك. وكذلكم ثانيًا: أن من وافق أهل الشرك على ما هم عليه من الشرك، فهو مثلهم، ولو لم يعمل بأعمالهم. من وافق الكفار، من وافق المشركين على شركهم وعلى كفرهم، فهو مثلهم وإن لم يعمل بأعمالهم. وجه الدلالة، إخواني في الله، تأمل في كعب الأشرف، لما دخل على قريش، هو ما الذي يعتقده؟ يعتقد التوراة ويعتقد بموسى، فهو من أهل الكتاب. لما سألته قريش عن أحوالهم، وهم يعبدون الأصنام والأوثان، هم ليس هو، هم يعبدون الأصنام والأوثان. لما سألوه عن المقارنة بينهم وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: أنتم خير. فوافقهم على ماذا؟ وافقهم على كفرهم وعلى شركهم. هذه الموافقة منهم معنى قد ما عمل، ما سجد كعب ما سجد لصنم ولا لوثن، لكن لما أقرهم كان مثلهم. وأين الدليل في هذه الآية؟ قال ربنا: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ وصفه ربنا جل وعلا بأنه مؤمن، معنى قد قال هذا تزلفًا، قد قال هذا تملقًا، لكن لما كان منه الإقرار على دين الكفار، فهو مثلهم ومنهم. ولهذا جاءت هذه الآية بهذا التعبير: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ فدل على أن من أقر الكافر على كفره فهو مثلهم. وقد ذكر هذا العلماء في باب نواقض الإسلام: أنه من يكفر الكافر أو شك في كفره أو صحح مذهبهم فقد كفر. فإذا جئت عند دين مبدل، عند دين محرف، عند دين الملاحدة والزنادق والكفار، فقمت يا عبد الله بمدحها والثناء عليها وبما فيها، فأنت منهم وفيهم، أنت منهم وإليهم بنص هذه الآية في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾. ما عنه ما صدر منه إلا أنه أثنى وأقرهم على دينهم، فأصبح هذا الإقرار منه إيمان أنه قد آمن بالأصنام وآمن بالأوثان. كذلكم في هذه الآية من الفوائد: أن الكفر بالجبت والطاغوت هو موجود في كل الأمم وفي كل الملل، حتى في ملة اليهودية والملة النصرانية، وملة الأنبياء من قبلنا، من لدى نوح عليه السلام إلى أن خاتم الأنبياء والمرسلين، كلهم على هذا المنهج السوي، على ماذا؟ على كفر الإيمان بالجبت والطاغوت، على كفر من آمن بالأصنام والأوثان والسحرة والكهان. أخيرًا، إخواني في الله، في هذه الآية كذلك من الفوائد فيها خطورة الحقد والحسد. الحقد والحسد ما الذي أوقع هذا اليهود في هذه المغالطة العظيمة حين فضل الكفار على رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ما أوصله إلى هذه المغالطة إلا لما كان في قلبه من الحقد والحسد على رسول الله عليه الصلاة والسلام، مع أننا كما أشرنا اليهود يعترفون في قرارة أنفسهم بأن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام مبعوث من رب العباد، يعتقدون هذا. لكنه الحسد حينما رأوا أن النبي خرج في جنس العرب، ولم يكن من بني إسرائيل، والعرب عندهم من الأميين شعب همج، شعب همجي هم الدون، وبني إسرائيل هم الأعلى. فلما رأوا أن الرسالة جاءت لرسول الله، حسدوه. لماذا ما كانت الرسالة والنبوة في بني إسرائيل في أنسابهم وفي أعراقهم؟ فهنا دخلهم الحقد والحسد حتى وصل بهم الحال إلى هذا الحد، أنهم يفضلون عباد الأصنام على رسولنا المختار عليه الصلاة والسلام. فاحذر يا عبد الله من هذا الداء، داء الحقد والحسد، فإنه متى ما تغلغل في البدن والجسد، فحينها يخرجك عن طورك، بل وعن عقلك وعن اعتدالك، فتفعل أشياء إنما هي في الحقيقة انتقام لما في النفس. ولهذا جاءت الشريعة بتحريم هذه الدسيسة أن الإنسان يتصف بماذا؟ بمرض الحسد. فإنها من أعظم الأدواء التي ينبغي أن يتخلص منها أهل الإسلام. هذا ما أذكر، إخواني في الله، في هذا المقام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.