شرح كتاب التوحيد 124

شرح كتاب التوحيد 124

الدرس في شرح كتاب التوحيد 124، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

عبادة الأوثان في أمة الإسلام وتأصيل التحذير من الشرك

يشرح المؤلف عبادة الأوثان في أمة الإسلام ويحذر من الشرك، موضحًا أنه حقيقي وليس خياليًا. يستدل بالأحاديث على وجود الكفر وعبادة الأوثان في الأمة.

أهمية فهم التوحيد والعقيدة والخوف من الشرك

يؤكد المؤلف على أهمية فهم توحيد الله والتحذير من الشرك، مشيرًا إلى أن مجرد التلفظ بكلمة التوحيد لا يكفي بدون العلم والبصيرة. الجهل بتوحيد الله يؤدي إلى الوقوع في الشرك.

التعمق في باب التوحيد والرد على منكري الشرك في الأمة

يبرز المقطع أهمية التفقه في باب التوحيد والتحذير من الشرك، مع التأكيد على ضرورة التعمق في هذا الباب. يتضمن المقطع الرد على من زعم عدم وجود شرك في الأمة والدعاء للاستفادة من المعرفة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله مع كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فقال: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. هذا تبويب جديد، وهي من الأبواب المهمة في كتاب التوحيد. فقوله رحمه الله تعالى: باب، أي هذا مدخل إلى معرفة أحكام هذا الباب. باب ما جاء، أي من أدلة شرعية من الكتاب والسنة. باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. فمر معنا في دروس خلت ما هي الأوثان، وأن الوثن هو كل ما عبد من دون الله. إلا أن الفرق بين الأوثان والأصنام أن الأصنام ما كان لها شكل تنحت عليه، على صورة جسد أو على صورة حيوان. فالمعبودات إذا اتخذت بأشكال تسمى أصنامًا، وأما إن لم يكن لها أشكال فتسمى أوثانًا. فأخبر عليه الصلاة والسلام: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. وفي قوله رحمه الله تعالى: هذه الأمة، الإشارة إلى أي أمة؟ هل إلى أمة الدعوة، وهي التي أرسل إليها نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أنه أرسل للأحمر والأبيض والأسود، للجن والإنس، للشرق والغرب، للعرب والعجم؟ هؤلاء يسمون بأمة الدعوة. هل هذا المقصود بأنهم يعبدون الأوثان؟ أم أن المقصود هي أمة الاستجابة التي آمنت وأذعنت لرسالته؟ الجواب الثاني، أي أن ممن آمن واستجاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يصدر منه ما يخرجه عن دينه وملته فيعبد الأوثان. قال: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة، وأشار إليها، أي أمة الاستجابة، من يخرج عن الجادة فيعبد الأوثان. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة، إذ أن هذه العبودية للأصنام والأوثان لن يصدر من الكل، لن يصدر من الكل، وإنما إن صدر سيصدر من بعض الناس. وهنا «بعض» تبعيضية تدل على الأقلية، تدل على الأقلية. فإن الله عز وجل حمى هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، كما صحت بذلك الأحاديث الواردة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كقوله: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة»، وفي لفظ: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة». والحديث حسن بمجموع طرقه. فالشاهد أن هذه الأمة بجميعها لا يصدر منها مثل هذه الأخطاء الفادحة في عقيدتها، بل إن الله جعل في اجتماعها عصمة، جعل في اجتماعها عصمة. لكن الخطأ وارد من بعضها، من أفرادها. الخطأ قد يكون كفرًا، قد يكون زندقة، قد يكون ردة، كهذه الردة التي يذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، أن منهم نعم من يصدر منه العبودية لغير الله سبحانه وتعالى. ومناسبة إيراد هذا الباب في هذا الموطن بالذات أن المؤلف رحمه الله تعالى، من كان معنا في الدروس الماضية يعلم أن المؤلف رحمه الله تعالى بوّب أبوابًا سابقة من التحذير من الشرك، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسد كل باب يوصل إلى الشرك. فكانت هذه المقدمات إلى أن وصل المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن هذا الشرك الذي حذر منه نبينا، والذي سد كل باب من أبوابه، أنه شرك حقيقي، لأنه خيالي أو أنه بلاغي؟ بل هو شرك حقيقي. ولهذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب الأحاديث الثابتة ما يدل على أن الكفر وعبادة الأوثان حاصلة وكامنة في هذه الأمة. فقال رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. ومما يستفاد إخواني في الله من هذه التبويبات: أولًا الخوف من الشرك، إذا علم المسلم بحقيقة هذا الباب، وأن المؤلف سيغرف الآثار الدالة على أن الشرك حاصل في هذه الأمة، حينها سيضع كل منا يده على قلبه خوفًا أن يقع منه الشرك. وقد مر معنا كيف أن من كان قبلنا، لأقول من أهل الصلاح فحسب، بل من الأنبياء والرسل، بل ومن أولي العزم من الرسل، من كان يخشى على نفسه، كما قال ربنا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾. إذا كان هذا في حق إبراهيم الخليل عليه السلام، فما ظنك بأحوالنا ونحن دونه بكثير؟ فإذا كان هو خشي على نفسه، فنحن كذلك علينا أن نخشى على أنفسنا. بل هذا ربنا سبحانه وتعالى قال في حق نبيه: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، هذا الخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا كان هذا الخطاب وجه لرسول الله، فنحن من باب أولى وأحرى أننا نستشعر هذا الخطاب في حق أنفسنا، بأننا إن أشركنا وأوقعنا في الشرك، فإن ذلك محبط لجميع أعمالنا. فإن من عظيم ما يستفيده المسلم من هذا التضويب أنه يخاف على نفسه من الشرك. وفيه كذلك ثانيًا: فيه ضرورة التعمق والتفهم لمسائل التوحيد. إذا علمت يا عبد الله أن الشرك حاصل، وأن الشرك منه ما يكون في الأقوال، ومنه ما يكون في الأعمال، ومنه ما يكون في النيات، منه ما يكون من الشرك الظاهر الجلي، ومنه ما يكون من الباطن الخفي. إذا كانت هذه مداخل الشرك تدخل علينا، إذن وجب عليك يا عبد الله أن تحمي نفسك بماذا؟ تحمي نفسك بالعلم. فإن الإنسان كلما ازداد بصيرة في العلم، وخاصة في علم التوحيد والعقيدة، جنب من أن يقع في مهاوي الشرك. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة التي فيها الملازمة بين التوحيد وبين العلم. بين التوحيد وبين العلم، في بيان على أن الإنسان كلما ازداد علمًا كلما ازداد توحيدًا، كما قال جل في علاه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. فكلمة التوحيد لا تحكيش فقط إلى أن تتكلم بها أو أنك تتمتم بهذه الكلمات، بل تفتقر إلى العلم وإلى البصيرة، بل والتعمق في هذا الباب. ولحتاج الأمر إلى سنوات من دراسة كتب العقيدة والتوحيد بين الفينة والأخرى، فما كان ذلك بكثير على هذه المادة. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة». لكن بالعلم تتعلم. ولهذا ما وقع من وقع منا في الأخطاء العقدية أو في الشرك أو في مظاهر الوثنية إلا لما ضاعت معالم التوحيد. وقع منا الذي وقع في الشرك. ولهذا هذا الباب والتبويب من المؤلف رحمه الله تعالى يجرنا إلى أن من أعظم ما يخلصك من هذه الشبكة، شبكة الشرك، هو أنك يا عبد الله تتقن باب التوحيد. فإذا علمته وصوره وركائزه، أمنت يا عبد الله من أن يصلك شيء من الشرك. وفيه كذلك أخيرًا في هذا الباب الرد على من أنكر وقوع الشرك في هذه الأمة. هذا باب قاطع واضح في الرد على هذه الجماعة الضالة التي خرجت على الناس، وإذ بهم يشيعون في كلماتهم وفي محاضراتهم، بل وفي كتبهم ورسائلهم، أنه لا شرك يقع في هذه الأمة. ورموا بهذه النصوص الكثيرة المتكاثرة عرض الحائط. فإذا ما تجروا على ردها، قاموا بتأويلها. ثم ماذا بعد ذلك؟ بعد ذلك عندما اطمأن أصحابهم ومريدوه وأتباعهم على أن الشرك لا وجود له، وما هناك شرك، وما هناك عبادة للأوثان، إذ بهم يأتون بالشرك على صور أخرى. إذ صوروا للناس أن الأصنام اللات والعزى وهبل وما كان من هذه الأصنام التي فنيت وذهبت لن تتكرر. إذا أمن الناس من هذه المسألة، فتهوا عليهم دعاة الضلالة، فتهوا عليهم صورًا أخرى من الشرك، وعبادة القبور والعتبات والأضرحة والأموات. ولهذا اذهب يا عبد الله إلى تلكم الزيارات الشركية، تجد الكفر الصراح من أين جاء؟ عندما قام أولئك وألغوا أنه لا شرك يقع في الأمة. إذن كل ما يقع الآن هو كله من التوحيد، فيسمون الزيارات الشركية والاستغاثات بالأموات والاستمداد من أهل العتبات، يسمونه التوسل بالصالحين، وهو والله شرك أكبر مخرج من الدين والملة. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، ما قال: يعبد الأصنام، قال: يعبد الأوثان، لأن الوثن أعم من الصنم، فيدخل في الأوثان القبور، ويدخل في ذلكم الأضرحة، ويدخل في ذلكم القباب التي تبنى على هذه القبور. كل ذلك من الأوثان إن صرف شيء من عبادة الله لها. فالحاصل إخواني في الله أن هذا الباب سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى في بيان إلى بعض الأحاديث النبوية الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في أن الشرك حاصل في هذه الأمة. ومن خلال هذا الباب سنعلم أولًا أننا نخشى على أنفسنا، ونعلم ثانيًا بضرورة التفقه والتعمق في باب التوحيد، وثالثًا فيه الرد على من زعم أن لا شرك يحصل في هذه الأمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.