فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 12

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الاستئذان للمماليك والصغار

تناول المقطع حكم آية الاستئذان للمماليك والصغار، حيث اختلف العلماء في نسخها أو بقائها، واستدل الفريقان بأدلة من القرآن والسنة. الراجح هو أن الآية محكمة وأن الاستئذان باق في الأحوال الثلاثة المذكورة.

آراء الفقهاء في إعطاء ذوي القربى واليتامى من الميراث

اختلف الفقهاء حول آية إعطاء ذوي القربى واليتامى والمساكين من الميراث في نسخها أو بقائها، واستدل كل فريق برأيه. الجمهور يرى أنها منسوخة بينما يرى آخرون أنها محكمة وتدل على استحباب إعطاء هؤلاء من الميراث إذا كان وافراً.

تفسير الآيات المنسوخة في القرآن الكريم

يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية المنسوخة ويشرح معانيها وأسباب نسخها، مع التركيز على بعض الآيات التي نسختها آيات المواريث وغيرها من الآيات التي خففت الأحكام فيها.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الختامي يعبر عن الإخلاص والتقوى بدعاء الله أن يغفر لمؤلف الكتاب ولشاريحه وأن ينفعنا به، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوط، رحمه الله، في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: وزيد آية الاستئذان من ملكة، وآية القسمة الفضلاء لمن حضروا. قال الشارح، عفو الله عنه، قوله: وزيد آية الاستئذان من ملكة، قال: يريد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾. قال: ففيها الأمر باستئذان المماليك، وهو يشمل على الصحيح الذكور والإناث. وللعلماء ستة أقوال يعني في هذه الآية: هل هي منسوخة أو محكمة؟ وهل الأمر للوجوب أو للندب؟ هل هي للرجال أو للنساء أو للجميع؟ قال الأول: أنها منسوخة، قالها مسيب، ومن جبير: أن هذه الآية منسوخة. الثاني: أنها ندب غير واجبة، قاله أبو قلابة: يعني أن الأمر فيها للندب وليس للوجوب. الثالث: أن المراد بها النساء، قاله أبو عبد الرحمن السلمي: يعني أن هذا الحكم خاص بالنساء دون الرجال. الرابع: أنها في الرجال دون النساء، وهو قول ابن عمر. الخامس: كان ذلك واجبا إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب، يعني: كانت البيوت ليس فيها أبواب، وإنما توضع خرق على الأبواب، فاحتيج إلى الاستئذان، قال: ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكي عن ابن عباس. السادس: أنها محكمة غير منسوخة، ثابتة للرجال وللنساء، قال القرطبي: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر، وجابر ابن زيد، ورجحه ابن العربي، ابن كثير، وهو الصحيح: أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن الأمر بالاستئذان باق، استئذان المماليك والصغار على أهل البيت، على الرجل إذا كان مع أهله، وخاصة في الأحوال الثلاثة: بعد صلاة الفجر، ومن بعد الظهر، وبعد صلاة العشاء، التي هي مظنة كون الرجل مع أهله. قال: ومن أبي حاتم، حدثنا الربيع، من سليمان، قال: حدثنا من وهب، قال: أخبرنا سليمان، من بلال، عن عمر، من أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلين سألا عن الاستئذان في الثلاث العورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: «إن الله ستير يحب السترة، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال -والحجال جمع حجلة، وهو بيت كالقبة يستر بالثياب- قال: ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله»، يعني: من بعد الفجر، ومن بعد الظهر، وبعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم، كما قال الله عز وجل. في هذه الأحوال الثلاثة لا بد من الاستئذان. قال: ثم جاء الله عز وجل بالستور، فبسط عليهم في الرزق، واتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ووجه الشاهد: أنها لم تنسخ، وإنما تساهل الناس بالعمل بها، يعني: ما ذكر عبد الله بن عباس نسخ الحكم، أن هذا الحكم نسخ، وإنما تساهل الناس بالعمل بهذه الآية، والاستئذان في مثل هذه الأوقات. قال: وصح عنه أنه أنكر على الناس ترك العمل بها. قال ابن كثير: روى أبو داود، قال: حدثنا ابن الصباح، وابن سفيان، وابن عبده -وهذا حديثه- قال: أخبرنا سفيان، عن عبيد الله ابن أبي يزيد، قال: أنه سمع ابن عباس يقول: «لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي». قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء، عن ابن عباس، يأمر به. ومعنى هذا: أن الناس تساهلوا في العمل بها، وابن عباس كان يعمل بها، رضي الله تعالى عنه، فيأمر جاريته أن تستأذن. قال الثوري، عن موسى، من أبي عائشة: سألت الشعبي -وهو عامر، إمام- قال: «ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم»، قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. قال: فقال: «الله المستعان»، يعني: أن الناس فرطوا في العمل بها، وإلا فهي محكمة. قال: ومن كثير مما يدل أنها محكمة لم تنسخ قول عز وجل: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم﴾. ثم قال: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾، يعني: إذا بلغ الأطفال منكم الحلم -الحلم يعني سن البلوغ- إذا صاروا بالغين، قال: الذين إنما كانوا يستأذنون على كل حال، يعني: بالنسبة إلى أجانبهم، وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. وذكر نحو ذلك ابن كثير، والأوزاعي. واستدل بأثر ابن عباس من قال بالنسخ، وليس فيه دليل على ذلك. قال القرطبي: وإنما فيه أنها كانت على حال، ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، يعني: لما كانت البيوت ليس فيها أبواب، ولا ستور، ولا حجال، كان لا بد من الاستئذان، فلما جاءت الأبواب، واتخذ الناس الحجال، فمحتاجون إلى الاستئذان، لكن الحكم باق، لو أنها هذه الأبواب زيلت، ورجع الناس إلى الحال الأول الذي كانوا عليه حينئذ، لا بد من الاستئذان. قال: بل حكم هذا اليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين، في البوادي والصحاري، ونحوها. انتهى كلامه، رحمه الله، يعني: في الأماكن والقرى والبوادي والصحاري التي يعيش فيها الناس، وليس لهم أبواب في بيوتهم، ليس لهم أبواب، هذا يعني: لا يزال حال كثير ممن يعيش في البوادي، ما تجد يعني في بعضها أبواب، وإنما يضع خرقة نحو ذلك، وهنا لا بد من الاستئذان، والحكم يبقى، الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال: وأما قول ابن عمر: فلم يصح عنه، رواه من جرير، وفي سنده ليث، من أبي سليم، وهو مختلط، يعني: أن قول أن هذه في الرجال دون النساء. وأما قول أبي عبد الرحمن السلمي: فأضعفها، لأن «الذين» لا يكون للنساء في كلام العرب، وإنما يكون للنساء «اللاتي» و«اللواتي»، وهو قال: أن الآية خاصة بالنساء دون الرجال، والآية فيها «الذين»، وهذا الخطاب للرجال. وأما قول أبي قلابة: فيرده أن الأصل في الأمر أنه للوجوب، يعني: قوله أن الآية للندب والاستحباب، فيرده أن الأصل في الأمر أنه للوجوب، واللام في قوله: ﴿ليستأذنكم﴾ لام الأمر، وهي إحدى صيغ الأمر، ولا يصرف عن الوجوب إلا بدليل. فالخلاصة: أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، آية الاستئذان، استئذان المماليك، والذين لم يبلغوا الحلم، فلا بد منها، وخاصة إذا كانت البيوت ليس لها أبواب، ولا ستور، فلا بد منها الاستئذان، وحكم الآية باق. قال: قال شارح، فالله عنه، قوله: آية القسمة الفضل لمن حضر، قال: يريد قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا﴾، أي: إذا حضر قسمة الميراث ذو القربى ممن ليس له ميراث، يعني: الأقارب الذين ليسوا من الورثة، الذين ليسوا من الورثة، ليس له ميراث، واليتامى والمساكين، فليرضخ لهم من التركة نصيب، يعني: يعطون شيئا من التركة عند قسمتها. هل هذه الآية منسوخة؟ وأنه لا يجب أو لا يستحب إعطاء من حضر القسمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين؟ أم أن الآية محكمة؟ المصنف، رحمه الله، يذهب إلى أنها منسوخة، ولهذا ذكرها في هذا النظم. قالوا: آية القسمة الفضل لمن حضروا أنها مما نسخ. قالوا: في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: أنها منسوخة، نسختها المواريث والوصية، قاله سعيد بن المسيب، ومن ابن عباس في أحد قوليه. قال ابن كثير: وهكذا روي عن عكرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، والضحاك، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وربيع بن أبي عبد الرحمن: أنهم قالوا: إنها منسوخة. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم. هذا القول الأول: أن الآية منسوخة. الثاني: أنها محكمة غير منسوخة، روى البخاري عن ابن عباس قال: هي محكمة غير منسوخة. وفي رواية: قال: «إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت، ولكنها عندنا، ولكنها تهاون بها، ولكنها مما تهاون بها مما تهاون بها». قال: وهو قول مجاهد. قال ابن كثير: وهكذا روي عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي العالية، والشعبي، والحسن بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومكحول، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ويحيى بن يعمر. قال ابن العربي: والمعنى فيها الإرضاخ للقرابة الذين لا يرثون إذا كان المال وافرا، أي: إذا كان المال كثيرا، وحضر ذو القرابة ممن ليس له نصيب من هذا الميراث. قال: والاعتذار إليهم إن كان المال قليلا، إذا كانت التركة قليلة، وحضر ذو القربة واليتامى والمساكين، فيعتذر لهم بالكلمة الطيبة والقول المعروف. قال: ويكون هذا الترتيب بيان لتخصيص قوله تعالى: ﴿لِل: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾، يعني: للرجال نصيب، هذا النصيب إن كان من الورثة فنصيبه الذي كتبه الله عز وجل، وقدره له، وإن كان من غير الورثة فمما يرضخ له عند قسمة التركة، فهو غير معين. وكذلك أيضا من يأخذه غير معين كذلك. الثالث: أنها محكمة غير منسوخة، لكن المراد بها الوصية، يوصي الميت لهؤلاء، يعني: يوصي الميت لذوي القربة واليتامى والمساكين، يوصي لهم بشيء. قال: قال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن أبي مليكة: أن القاسم بن محمد أخبره: أن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلى هذه الآية: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: «ما أصاب ليس ذلك له، وإنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية»، يريد: الميت يوصي لقرابته. والقول الثاني هو الراجح: أنها محكمة غير منسوخة. قال ابن العربي: والصحيح أنها مبينة استحقاق الورث لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم، بأن يسهم لهم في التركة، ويذكر لهم من القول ما يؤنسهم، وتطيب به نفوسهم. وهذا ترجيح القرطبي، وابن جرير، يعني: أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن المراد منها استحقاق الورث لنصيبهم من الإرث، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له من الميراث، بأن يعطى شيئا من التركة إن كانت التركة كثيرة، والمال وافر، وإن كان المال قليل، والتركة قليلة، فيردوا بالكلمة الطيبة، وما تطيب به نفوسهم، ويجبر به خاطرهم. قال: إلا أنه قال: المراد بها الوصية لأولي قربى الموصي، يعني: من جرير، رحمه الله، يقول: أن المراد بالآية الوصية لأولى قربى الموصي، أن يوصي لذوي القرابة، قرابة الموصي. قال ابن كثير: واختار ابن جرير هنا قولا غريبا جدا، وحاصله: أن معنى الآية عنده: إذا حضر القسمة، أي: إذا حضر قسمة مال الوصية، قلوا قرابة الميت، فارزقوهم منه، وقولوا لليتامى والمساكين إذا حضروا قولا معروفا، يعني: جعل هذه وصية لذوي القرابة، وأما اليتامى والمساكين، فيعتذر لهم، ويقال لهم قولا معروفا. قال: وفيه نظر. ثم قال: قال العوفي، عن ابن عباس: إذا حضر القسمة، قسمة الميراث. وهكذا قال غير واحد، يعني: أن القسمة ليس قسمة الوصية، وإنما المراد بالقسمة قسمة الميراث، قسمة التركة التي خلفها الميت. قال: وهكذا قال غير واحد. والمعنى على هذا لا على ما سلكه ابن جرير، رحمه الله. بل المعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين، قسمة مال جزيل، يعني: كثير، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون، لا شيء يعطونه، فأمر الله تعالى -وهو الرؤوف الرحيم- أن يرضخ لهم شيء من الوسط، يكونوا برا بهم، وصدقة عليهم، وإحسانا إليهم، وجبرا لكسرهم. انتهى بكلامه، رحمه الله، بتصرف، أي: هذا كلام منه كثير. وأن المعنى للآية كما سمعنا: أنها في التركة إذا قسمت على الورثة، وحضر قسمة التركة من ليس من الورثة، من ذوي القربى واليتامى والمساكين، فإنها تتشوق نفوسهم، وتتوق إلى أن يعطوا شيئا، وهم يرون الورثة يأخذون نصيبهم من الإرث، فيعطون شيئا مما يجبر به خاطرهم. تأتي مسألة: هل هذا الإعطاء واجب أم مستحب؟ قال: ذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب، وآخرون إلى الاستحباب. قال: وهو الصحيح: الآية فيها الأمر: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾. لكن هل هذا الأمر للوجوب أو أنه للاستحباب؟ والصحيح: أنه للاستحباب. قال ابن العربي: وهو محمول على الندب من وجهين: الأول: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا للتركة، ومشاركة في الميراث لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول، وذلك مناقض للحكمة، وإفساد لوجه التكليف. لو كان هذا الأمر للوجوب، واستحقاق للتركة واجب، طيب الذين نص الله عز وجل عليهم من الورثة، هؤلاء علموا وعرفوا، هؤلاء الآخرون مجهولون، من هؤلاء الذين يجب أن نعطيهم من ذوي القربى واليتامى والمساكين؟ سيكون الصنف الآخر ممن يستحق شيئا من التركة هم مجهولون، غير معروفين، ولا يتعلق الحكم بشيء مجهول، فلهذا كان الأمر هذا للندب، وليس للوجوب. والثاني: أن المقصود منه الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة. لو كان هذا الأمر للوجوب، سيأتون هؤلاء القرابة من غير الورثة، واليتامى والمساكين، يقولون: هذا حق واجب لنا، وينازعون منازعة المستحق، ويخاصمون، وليس الأمر كذلك، فدل هذا على أن هذا الأمر هو للاستحباب، وليس للوجوب. فخلاصة هذه الآية: أنها محكمة غير منسوخة، وأنه يستحب إذا حضر القسمة غير ذوي القربى واليتامى والمساكين، إن كانت التركة مالا كثيرا، يعطون شيئا منها، وإن كانت مالا قليلا، فإنه يعتذر لهم بقول معروف. قال: خلاصة الشرح: أن المنسوخ من الآيات هي عشر آيات. وهي: الأولى: آية الوصية للأهل عند الاحتضار، وهي قول تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾. والآية الثانية: نسخ تحريم الأكل بعد النوم في رمضان، بقوله تعالى: ﴿وحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾. والثالثة: آية التخيير في صيام رمضان: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. والرابعة: آية الاعتداد بحول، وهي قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾. والخامسة: قوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم﴾، أي: في الحلف. والسادسة: آية حبس الزانية حتى الموت، وهي قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾. والسابعة: آية المصابرة، وهي قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾. والثامنة: آية حضر العقد على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قول: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج لو أعجبك حسنهن﴾. والتاسعة: آية تقديم الصدق عند مناجات الرسول، وهي قوله تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾. وآية العاشرة: آية الأمر بقيام الليل، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا﴾. هذه العشر الآيات التي نسخت. آية الوصية عند الاحتضار، ما الذي نسخها؟ نعم، آيات المواريث. ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾، نسختها آية المواريث: ﴿يصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾. نعم، آية تحريم الأكل بعد النوم، بقوله جل وعلا: ﴿وحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾، ما الذي نسخ التخيير في صيام رمضان؟ ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. آية الاعتداد بحول، ما الذي نسخها؟ نعم، آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر. ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. نعم، ﴿والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم﴾، ما الذي نسخها؟ هذا الحلف كان في الجاهلية، كانوا يتعاقدون على التحالف، ويتوارثون بهذا العقد، ويتوارثون بهذا العقد، فيكون الناسخ له كذلك آيات المواريث، آيات المواريث التي فيها: أنه لا يرث إلا من كان له قرابة ونسب من الميت، فهذا العقد والحلف على التوارث نسخ، ولكن الحلف على النصرة، والتعاقد على النصرة، نصرة المظلوم، وزجر الظالم، فهذا كما مر معنا: أنه محكم. طيب، آية حبس الزاني الزانية حتى الموت. نعم، الزانية والزاني: ﴿فجرد كل واحد منهما مئة جلدة﴾. آية المصابرة، الآن خفف الله عنكم: ﴿علم أن فيكم ضعفا﴾. آية حضر العقد: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾، ما الذي نسخها؟ ﴿إن أحللنا لك أزواجك التي أتيت وجورهم﴾ الآية. نعم، آية تقديم الصدق عند المناجاة. نعم: ﴿فإذا لم تفعلوا وما الله بقابل صدقاتكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾. وآية الأمر بقيام الليل: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا﴾، ما الذي نسخها؟ نعم، آخر الآيات في سورة المزمل. طيب، هذا ما يسر الله من التعليق على هذا النظم الذي أسأل الله أن ينفع به كاتبه وقارئه. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله وأتوب إليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ونكون انتهينا من قراءة هذه الرسالة. نسأل الله عز وجل أن يغفر لمؤلفها ولشاريحها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.