الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع تفسير الإمام السيوطي للآيات المتعلقة بزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتحريم نكاح النساء له. يبين أن آية ﴿لا يحل لك النساء﴾ منسوخة بآية ﴿إن أحللنا لك﴾.
يتناول المقطع تفسير الآية ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ و﴿إن أحللنا لك أزواجك﴾، حيث يرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة بالثانية. يؤكد أن القول الأول هو الأصح لدلالة الإحلال على تقدم التحريم.
يتناول المقطع حكم دفع المهر لأزواج النساء اللاتي يهاجرن من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، واختلاف العلماء في نسخ هذا الحكم أو بقائه. يشرح الأصل في دفع المهر المسمى للمرأة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوطي رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: منع عقد لزان أو لزانية، وما على المصطفى في العقد محتضر. قال الشارح: عفو الله عن قوله وما على المصطفى في العقد محتضر، قال: يريد قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن﴾ الآية، وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿إن أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن الآيات﴾. الآية الأولى: ﴿لا يحل لك النساء﴾ فيها تحريم نكاح النساء غير نسائه عليه الصلاة والسلام، التي معه، أنه لا يحل له أن يتزوج بغيرهن. ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ وأن هذه الآية آية التحريم، حل النساء منسوخة بقوله: ﴿إن أحللنا لك أزواجك التي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك آل لا تهاجرنا معك﴾ إلى آخر الآيات. في هذه الآية ﴿إن أحللنا لك﴾ فيها إحلال النكاح للنبي عليه الصلاة والسلام، وأن يتزوج بمن شاء من النساء. فالآية الأولى فيها منع، والآية الثانية فيها الإذن والحل. فالناظم يقول: وما على المصطفى في العقد محتضر، يعني ليس على النبي صلى الله عليه وسلم في عقد النكاح أو في الزواج مانع، الحضر يعني المنع، أي ليس عليه في ذلك مانع أن يتزوج بمن شاء من النساء. قال القول الأول: هو أن الآية الأولى منسوخة بالثانية، يعني آية التحريم ﴿لا يحل لك﴾ منسوخة بآية التحليل ﴿إن أحللنا لك﴾. قال ابن كثير: ذكر غير واحد من العلماء، كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم، أن هذه الآية ﴿لا يحل لك النساء﴾ نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آية التخيير: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾. فخير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه لما كثر سؤالهن أن ينفق من النبي عليه الصلاة والسلام، أمره الله عز وجل أن يخيرهن: إن أردنا الله ورسوله فيصبرنا على هذا الحال فذاك، وإن أردنا الفراق فارقهن. فاخترنا الله ورسوله، فكان من الجزاء الذي جازهن الله عز وجل به أن حرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عليهن. قال: فلما اخترنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن، يعني لا بأس أن يتخذ إماء، يعني من الملكة يمين. هذا لم يمنع منه، وإنما المنع من الزواج والنكاح. قال: فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزويج، ولكن لم يقع منه تزوج، لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن. أباح الله عز وجل له الزواج بعد ذلك، ومع ذلك لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عليهن أحدا. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء. رواه، ورواه أيضا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد ابن عمير، عن عائشة. ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما، وحديث عائشة صححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي. عائشة رضي الله عنها تقول: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء، يعني أن الآية التحريم ﴿لا يحل لك﴾ قد نسخت، ورفع حكمها، وأحل الله عز وجل له أن يتزوج بمن شاء من النساء. قال: وذهب بعض علماء إلى أن النسخ بقوله تعالى: ﴿إن أحللنا لك أزواجك﴾ وهو الأصل، يعني الأصل أن الناسخ لآية التحريم هي قوله عز وجل ﴿إن أحللنا لك﴾ الدالة على التحليل، وأنه قد سبق قبل ذلك منع من ذلك. القول الثاني: قال الإمام من كثير، وذهب آخرون إلى أن معنى الآية ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي من بعد ما ذكرنا لك صفة النساء التي أحللنا لك من نسائك التي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات، والواهب نفسها، وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك. هذا القول: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي من بعد ما وصفنا لك النساء التي يحل لك الزواج بهن، والمذكورات في الآية بنات العم والعمات والخال والخالات والواهب نفسها، وغير هؤلاء النساء لا يحل لك الزواج بهن. هكذا قالوا معنى الآية. قالوا: هذا روي عن أبي بن كعب، ومجاهد في رواية عنه، وعكرمة، والضحاك في رواية، وأبي رزين في رواية عنه، وأبي صالح، وقتادة في رواية، والسدي وغيرهم. والقول الأول أصح، لأن الإحلال لا يكون إلا بعد تحريم. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: ثم نسخ هذا الحكم التحريم، فأباح الله له أن يتزوج بمن شاء عليهن من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾. والإحلال يقتضي تقدم حظر، يعني تقدم منع. وزوجاته التي في حياته لم يكن محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات. فانصرف الإحلال إليهن، يعني إلى نكاح من شاء من النساء الأجانب التي يحل له الزواج بهن، كبنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالات، ونحوهن. قال: ولأنه قال في سياق الآية: وبنات عمك وبنات عماتك، وهن من الأجانب، الآية. ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء. وهذه الآية وإن كانت متقدمة التلاوة، فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة، على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة في البقرة. انتهى كلامه رحمه الله، يعني يقول: أن هذه الآية ﴿إن أحللنا لك﴾ وإن كانت متقدمة في التلاوة، فهي في سورة الأحزاب متقدمة على آية ﴿لا يحل لك﴾، هذه الآية ﴿إن أحللنا لك أزواجك﴾ في الصفحة، ثم بعدها في الصفحة التي بعدها ﴿لا يحل لك النساء﴾. فيقول: هذه الآية ﴿إن أحللنا لك﴾ وإن كانت متقدمة في التلاوة، وآية التحريم متأخرة، لكن آية التحليل هي متأخرة النزول، متأخرة النزول، فهي ناسخة لآية التحريم. ومثلها آية آيتي الوفاة، قوله عز وجل: ﴿والذين يوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾، وآية: ﴿يا أيها الذين يوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾. هذه الآية آية الاعتداد بحول متأخرة في التلاوة، هي بعد آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، مع أن هذه الآية آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر هي ناسخة لآية الاعتداد بحول، وإن كانت متقدمة في التلاوة، لكن متأخرة في النزول. هذا معنى كلامه رحمه الله. قال: قلت: ويؤيد حديث عائشة الذي مضى، فإنه يدل على التأخير والنسخ، حين قالت: ما مات رسول الله حتى أحل الله له النساء، يدل على أن آية ﴿إن أحللنا لك﴾ متأخرة النزول. قال: وهذا ما ذهب إليه عائشة، وأم سلمة، وعلي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وغيرهم. ورجحه الشوكاني في فتح القدير. إذن الراجح في هذه الآية أنها منسوخة، آية ﴿لا يحل لك النساء﴾ نسخت ورفع حكمها بقوله عز وجل: ﴿إنا أحللنا لك﴾، فتكون هذه الآية ناسخة لحكم الآية التي فيها المنع. قال الناظم: هو السيوطي رحمه الله في المنظومة: ودفع مهر لمن جاءت، وآية نجواه كذاك قيام الليل مستطر. قال الشارح: قوله ودفع مهر لمن جاءت، قال: يريد قوله تعالى: ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾. ومعنى الآية: فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مثل ما أنفقوا عليهن من الصداق من المهر. وهكذا قوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾. قال ابن كثير: يعني أزواج المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد. قال ابن العربي في أحكام القرآن: أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن ترد على زوجها ما أمسكت، وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام، أمر الله سبحانه أن يرد إليه المال، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال. إن تأكلامه رحمه الله. فمعنى هذه الآية: المرأة التي تكون في بلاد الكفر مشركة، ثم أسلمت، ثم هاجرت إلى بلاد الإسلام، هل يلزمها إذا هاجرت وفارقت زوجها، وأراد بعض أهل الإسلام في تلك البلاد التي هاجرت إليها هذه المسلمة أن يتزوجها، هل يلزم أن يعطى لزوجها المشرك مهره الذي له؟ أم أن ذلك لا يلزم؟ يعني هذه الآيات فيها الأمر بذلك، أن يعطى أزواج المهاجرات أجورهم، يعني أصدقتهم ومهورهم الذي دفعوه لأزواجهم. فهل هذا الحكم ما زال باقيا، أو أنه نسخ، وإنما كان ذلك في فتح مكة فقط؟ هنا الكلام على هذه المسألة. فالمؤلف الناظم يقول: ودفعوا مهر لمن جاءت، يعني يرى أن دفع المهر للمسلمة المهاجرة من بلاد الكفر والشرك، أن هذا الحكم قد نسخ، يرى بأنه منسوخ. قال: هل هذا الحكم منسوخ أم لا؟ القول الأول: أنه منسوخ، ذهب إلى النسخ أبو جعفر النحاس، كما في كتاب الناسخ والمنسوخ، والشوكاني في فتح القدير، وقال: هي منسوخة إن قطع حكمها بعد الفتح. هذا القول الأول: بأنها منسوخة، وأن هذا كان في وقت صلح الحديبية، لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين، وكانت مكة إذ ذاك بلاد كفر والشرك، فلما فتحت مكة وصارت بلاد إسلام، وانقطعت الهجرة من مكة إلى المدينة، قالوا: بأن هذا الحكم نسخ. القول الثاني: عدم النسخ، أكثر أهل العلم لم يصرحوا بالنسخ، وهو الأصل، أي عدمه، الأصل بقاء الحكم حتى يعني يأتي ويثبت ما يدل على رفعه. وإلى هذا جنح من القيم، كما في الزاد. قال رحمه الله في كتاب زاد المعاد: ذكر من فوائد صلح الحديبية، قال: ومنها أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، يعني يكون بالقيمة. قال: ولذلك أوجب الله سبحانه رد المهر على من هاجرت امرأته، وحيل بينه وبينها، يعني رجل متزوج كافر، وامرأته كذلك كافرة، أسلمت ثم هاجرت إلى بلاد الإسلام، فهنا يرد له المهر، ويعطى مهره لأنه قد فارقته بالإسلام، ولا يجوز له للكافر أن يتزوج بالمسلمة. قال: وعلى من ارتدت امرأته من المسلمين، إذا استحق الكفار عليهم رد مهور من هاجر إليهم من أزواجهم. كذلك العكس، لو أن امرأة مسلمة ارتدت عياذا بالله وذهبت ولحقت بالكفار، فإنه كذلك يرد الكفار مهر هذه المرأة للمسلمين لزوجها المسلم. قال: وأخبرهم أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخ شيء. وفي إيجابه رد ما أعطى أزواج من ذلك دليل على تقومه، تقومه بالمسمى لا بمهر المثل. انتهى كلامه رحمه الله. قوله: دليل على تقومه بالمسمى، يعني أن يرد نفس المهر المسمى لها، يرد نفس المهر المسمى لهذا الأصل، أن المهر إذا كان مسمى فالواجب دفع هذا المهر المسمى، إلا إذا كان ثم مانع يمنع من ذلك، أن يكون ما سمي من المهر محرما، إذا كان محرما أو كان شيئا لا يقدر على تسليمه، فهنا تعطى مهر المثل. وأما إذا كان شيء يجوز وحلال ويقدر على تسليمه، فالواجب أن تعطى المرأة المهر المسمى لها، هذا هو الأصل. قال: وهو الصحيح والله أعلم، يعني أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.