فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 9

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الآيات المتعلقة بالنفير والزواج ومسألة النسخ

يناقش المقطع الآيات القرآنية المتعلقة بالنفير في الجهاد والزواج، ومسألة النسخ بين الآيات. يرى بعض العلماء أن بعض الآيات منسوخة بينما يرى آخرون إمكانية الجمع بينها دون نسخ.

تفسير آية الزاني لا ينكح إلا زانية واختلاف المفسرين

اختلف المفسرون في تفسير آية 'الزاني لا ينكح إلا زانية' بين كونها في الزنا أو التزويج، وبين كونها منسوخة أو محكمة. ذهب بعضهم إلى أن المراد بالنكاح هو الوطء والزنا، بينما ذهب آخرون إلى أن المراد هو التزويج وأنه محرم للمؤمنين.

تحريم نكاح الزانية والزاني واستدلالات ابن القيم

ناقش ابن القيم تحريم نكاح الزانية والزاني مستندًا إلى الآيات القرآنية، وأوضح أن نكاح الزانية محرم وأنه لا يصح إلا لمن هو مثله في الفجور أو الكفر. واستدل على ذلك بآية 'الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة'.

حكم نكاح الزاني والزانية بعد التوبة

الآية ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ محكمة ودالة على تحريم نكاح الزاني والزانية إلا إذا تابا توبة نصوحا. التوبة النصوح تتيح للشخص الزواج بعد تصحيح وضعه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام السيوطي رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: «الحلف والحبس للزاني، وترك أولي كفروا شهادتهم، والصبر والنفر». قال الشارح: عفو الله عن قوله «والنفر»، قال: يريد قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ الآية. وقيل: بقوله: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى﴾ الآية. وقيل: بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾، فالآية: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فيها الأمر بالنفير على جهة العموم؛ فيدخل في ذلك الصحيح والمريض. نعم، والآيات الأخرى فيها عدم النفير لمن كان معذورا بمرض، أو من كان عنده عاهة كالعمى أو العرج أو نحو ذلك؛ فهي بمعنى: ليس عليهم النفير. فهل هذه الآية ناسخة للآية التي فيها الأمر بالنفير على جهة العموم؟ قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخرساني أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾». وقال رحمه الله عند قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾: «وقد يقال: إن هذا بيان لمراد الله تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة؛ إن لم يخرجوا كلهم؛ ليتفقها الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو؛ فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعين، وبعده تكون الطائفة النافرة في الحي إما للتفقه وإما للجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأحياء». انتهى كلامه رحمه الله؛ يعني على أن هذا النفير ليس على الجميع، وإنما طائفة ومجموعة هي التي عليها أن تنفر، وتبقى طائفة أخرى في محلها. قال: «والصواب - الله أعلم - هو عدم النسخ، وإنما هي مخصوصة بقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ الآية؛ فيكون النفير واجبا إلا لأهل الأعذار؛ يعني يستثنى من وجوب النفير من كان معذورا؛ فتكون هذه الآية: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ عامة، والآيات الأخرى خاصة؛ وليست ناسخة؛ فيخرج من عموم هذا الوجوب - وجوب النفير - من كان معذورا». قال: «لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، والجمع هنا ممكن؛ فلا نسخ؛ ولأن النسخ رفع للحكم السابق، وحكم النفير باق، وإنما أخرج منه وخص ذو الأعذار». وهذا ما رجحه القرطبي في تفسيره. ولعل مراد ابن عباس بالنسخ التخصيص والبيان؛ كما مر التنبيه على ذلك؛ أي أن السلف كان يطلقون لفظ النسخ ويريدون به معنى التخصيص والبيان، لا معنى رفع الحكم؛ فيكون قول ابن عباس: «أنها ناسخة» هو من هذا الباب - من باب التخصيص والبيان - لا رفع الحكم. إذن، راجح في هذه الآية أنها محكمة وليست منسوخة. قال: «قال السوق بعد ذلك: ومنع عقد لزان أو لزانية، وما على المصطفى في العقد محتضر». قال الشارح: فالله عن قوله «ومنع عقد لزان أو لزانية»، يريد قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾، وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ الآية. اختلف أهل العلم في نسخ هذه الآية لاختلافهم في معنى النكاح فيها. القول الأول: أنها منسوخة؛ أي أن هذه الآية التي فيها التحريم - نكاح الزانية أو تزويج الزاني - أنها منسوخة. قال: ذهب إلى النسخ سعيد بن المسيب، والشافعي، ومالك، وأبو حنيفة؛ فقالوا: يجوز زواج الزانية مع الكراهة. وقالوا: المراد بالنكاح في قوله: «الزاني لا ينكح إلا زانية» الوطء الذي هو الزنا بعينه؛ «الزاني لا ينكح إلا زانية»؛ قال: المراد بالنكاح هنا الوطأ؛ أي: الزاني لا يطأ إلا زانية. قالوا: المراد بالآية التقبيح - تقبيح الزنا وشدة التنفير منه - لأن الزاني لا يطاوعه في زناه من النساء إلا التي هي في غاية الخسة؛ لكونها مشركة لا ترى حرمة الزنا، أو زانية فاجرة خبيثة. وعلى هذا القول، فالإشارة في قوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ راجع إلى الوطء الذي هو الزنا. وقال: المراد بالآية التزويج، ولكنها منسوخة بقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾. قال الإمام ابن كثير في تفسيره: «قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: زاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة؛ قال: ليس هذا بالنكاح، وإنما هو الجماع؛ لا يزني بها إلا زان أو مشرك؛ يعني: لا يطأها إلا زان أو مشرك». وهذا إسناد صحيح عنه؛ وقد روي من غير وجه أيضا؛ وقد روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد نحو ذلك. إذن، قول الأول: أن الآية منسوخة، وأنه يجوز زواج الزانية مع الكراهة. وقال: المراد بالنكاح في الآية: «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة»؛ المراد بها الوطء؛ المراد بها الوطء؛ لا التزويج. القول الثاني: أنها محكمة غير منسوخة؛ ذهب الإمام أحمد؛ ذهب إليه الإمام أحمد؛ وروي عن الحسن وقتادة؛ وأنه لا يجوز تزويج الزاني لعفيفة، ولا عكسه؛ لا تزوج الزاني بعفيفة، ولا تزوج العفيفة بزاني. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾؛ قالوا: المراد بالنكاح في هذه الآية التزويج؛ وقد نص الله على تحريمه؛ «وحرم ذلك على المؤمنين»؛ أي: نكاح الزانية والتزويج الزاني. وكذلك أيضا: أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية: «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة»؛ كلها في عقد النكاح؛ ليس واحد منها في الوطء؛ يعني: لم يرد شيء أن المراد بالنكاح الوطء؛ وإنما يراد به عقد الزواج - عقد الزواج بالزانية. والمقرر في الأصول: أن صورة سبب النزول قطعية الدلالة؛ يعني: أول ما يدخل في العموم هو السبب؛ أو القصة التي حصل بها سبب نزول هذه الآية. قالوا: من هذه الأحاديث ما رواه أبو داود والنسائي والترمذي من طريق عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكانت بمكة بغي - يعني زانية - يقال لها عناق، وكانت صديقته - يعني في الجاهلية قبل الإسلام - قبل أن يسلم؛ كانت هذه عناق الصديقة له؛ ولما ذهب ليأتي بأسارى من مكة؛ كان يأخذهم خفية؛ فلقيها؛ فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم؛ قلت: يا رسول الله؛ أنكح عناقا - يعني أتزوجها - فقال: فسكت عني؛ فنزلت: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾؛ فدعاني؛ فدعاني؛ وقال: لا تنكحها». انتهى بتصرف من أضواء البيان. يعني النبي عليه الصلاة والسلام: أني أتزوجها؛ فنزلت الآية في التحريم - نكاح الزاني؛ أي: العقد عليها؛ فدلنا: المراد بالنكاح هنا هو العقد والزواج. قال ابن القيم رحمه الله في الزاد: «وأما نكاح الزانية؛ فقد صرح الله سبحانه وتعالى في سورة النور؛ وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك؛ فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا؛ فإن لم يلتزمه ولم يعتقده؛ فهو مشرك؛ يعني: إن اعتقد أن نكاح الزانية حلال؛ أو أنها حلال؛ أن الزنا حلال وليس بحرام؛ هذا كافر». قال: «وَإِنْ الْتَزَمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ وَخَالَفَهُ فَهُوَ زَانٍ؛ يعني: إن قال: نعتقد أن الزنا حرام؛ لكن أريد أن نتزوج بهذه الزانية؛ هو يعني: يعلم أن الزنا حرام؛ الله يقول: ﴿أحرم ذلك على المؤمنين﴾؛ إذن هو بهذا الفعل راضي بالدياثة؛ يرضى أن يتزوج امرأة زانية؛ لا تمتنع من الرجال؛ فيكون بذلك ديوثا؛ فهو في حكم الزاني». قال: «ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَعْوَى نَسْخِ الْآيَةِ بقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ من أضعف ما يقال؛ وأضعف منه حمل النكاح على الزنا؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة؛ والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك؛ وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا». انتهى كلامه رحمه الله؛ يعني: يصبح فيه تكرار لا فائدة منه؛ يعني: «الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة»؛ هل هذا هو المراد؟ فلا شك أن المراد: أن الزاني لا يعقد ولا يتزوج إلا بزانية أو مشركة؛ ليس تكرار نفس اللفظ ونفس المعنى؛ هذا يصانع عنه كتاب الله جل وعلا؛ الذي هو من أفصح الكلام وأبلغه. قال: «وهذا هو الصحيح؛ وانظر كلامه كذلك في إغاثة اللهفان». أما الآية: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾؛ فهي عامة؛ ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾؛ هذه الآية عامة؛ وآية: «الزاني لا ينكح إلا زانية»؛ الآية خاصة؛ ومن المقرر في الأصول: أن الخاص يقضي على العام مطلقا؛ سواء تقدم نزوله أم تأخر؛ لأن دلالة الخاص أقوى؛ ومتى أمكن الجمع بين الدليلين؛ فلم يجز النسخ. قال ابن العربي في أحكام القرآن: «وأما من قال: إن الآية منسوخة؛ فما فهم النسخ؛ إذ بينا أنه لا يكون إلا بين الآيتين المتعارضتين من كل وجه؛ بل الآية التي احتج بها عاضدة لهذه الآية وموافقة لها؛ لأن الله تعالى حرم نكاح الزناة والزواني؛ وأمر بنكاح الصالحات والصالحين؛ يعني: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾؛ وأنهم فيها الأمر بتزويج الأيام والأيم التي لا زوج لها؛ وكذلك أيضا ذكر الله عز وجل أن يكونوا من أهل الصلاح والصالحين؛ ﴿من عبادكم وإمائكم﴾؛ فيها الحث على تزويج أهل الصلاح من الرجال والنساء؛ وأما الآية: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾؛ فيها النهي عن تزويج الزانية أو تزويج الزاني؛ فلا تعارض بين الآيتين؛ هذه عامة في الحث على تزويج أهل الصلاح والأيام؛ وهذه الآية خاصة في النهي عن تزويج الزاني؛ يعني: إذا جاء من يريد الزواج؛ هو معلوم أنه رجل معروف بالفجور؛ ومعلوم بالارتكاب الزنا؛ فمثل هذا ما يزوج؛ ما يزوج؛ تعطيه ابنتك العفيفة؛ فيعبث بها؛ لا شك أن مثل هذا لا يجوز». قال: «وهذا ما نصره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كما في كتاب التفسير الكبير؛ وكذلك في مجموع الفتاوى؛ وبين ضعف القول بالنسخ؛ وأبطل أن المراد بالآية الوطء من سبعة أوجه». إذن، خلاصة: أن هذه الآية: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾؛ محكمة غير منسوخة؛ وهي دالة على تحريم نكاح الزاني؛ وهكذا أيضا تحريم نكاح الزانية؛ إذا أراد الرجل أن يتزوج من امرأة؛ وهي معروفة بالزنى والفجور؛ فإنه لا يجوز له الزواج بها؛ إلا إذا تابت توبة نصوحا؛ وهكذا الرجل الذي كان معروفا بالفجور والزنى؛ إذا تاب؛ فنعم؛ أما هو باق على هذه الفاحشة وهذه المعصية؛ فإنه لا يجوز تزويجه على مثل هذا الحال. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.