الدرس في كتاب الصلاة 124، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع حكم مفارقة المأموم للإمام أثناء الصلاة بلا عذر، حيث ذكر أن صلاة المأموم لا تنعقد عند الشافعي وأحمد إذا فارق الإمام بلا عذر. واستعرض آراء العلماء المختلفة حول هذه المسألة واستدلالاتهم من الأحاديث النبوية.
يروي المقطع قصة شاب خرج من الصلاة خلف معاذ بن جبل ليتولى أمر ناضحته، واستدل الشيخ بذلك على جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر. حيث وبخ النبي صلى الله عليه وسلم معاذ على سوء تصرفه ولم يعنف الشاب على خروجه من الصلاة.
يجوز التلبس بغير المأمور به في الصلاة إذا كان هناك عذر، أما بدون عذر فلا يجوز. الحكم مبني على وجود أو عدم وجود عذر للمتوضئ، ويتعلق ذلك بحكم مختصر لمسألة فقهية متعلقة بالصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولون والمأموم مفارقة الإمام بلا عذر لم تنعقد صلاته عند الشافعي وأحمد». هذه المسألة صورتها إذا كان المأموم يصلي في جماعة، ثم بدا له أن يفارق إمامه، يخرج من هذه الجماعة، سواء كان يريد أن يصلي وحده أو ينتقل إلى مسجد آخر يريد أن يصلي فيه، المهم أنه يفارق إمامه. فقال هنا: إذا كان بلا عذر لم تنعقد صلاته عند الشافعي وأحمد. وهذه المسألة مبنية على ثلاثة أقوال للعلماء. فقول بالمنع مطلقًا، أنه لا يجوز مطلقًا، ومن فعل ذلك فإن صلاته تعتبر باطلة. وهذا هو القول الثاني للشافعي، وكذلك أيضًا عند أحمد، أنه سواء كان بعذر أو بغير عذر، خرج بعذر أو بغير عذر. وهذا الذي ذكره الشافعي في الأم. وهناك قول آخر، أنه أيضًا القول الثاني، أنه يجوز مطلقًا، سواء كان بعذر أو بغير عذر. وتعلل بأن المصلي قد يكون مثلًا مأمومًا، ثم يكون إمامًا، فهذا أيضًا جائز. وهذا هو القول الذي نسب للشافعي، الذي ذكره المؤلف هنا، ونسب للحنفية والمالكية، أو قول الحنفية والمالكية، على أنه ممنوع مطلقًا، سواء كان بعذر أو بغير عذر، وهو قول كما قلنا للشافعي، وأن الصلاة تبطل. وهناك رواية عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه بالتفصيل، إن كان لعذر فجائز، وإن كان لغير عذر فلا يجوز. واستدلوا بجوازه بالعذر ما جاء في حديث جابر الذي في صحيحه في البخاري، في قصة معاذ. وجاء أيضًا كذلك في السنن من حديث معاذ، في ذلك الرجل الذي خرج من الصلاة. جاء في صحيح البخاري أن معاذًا كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يأتي ويصلي بقومه. فحضر ذات مرة شاب من شباب سلمة، فدخل في الصلاة وترك ناضحة يريد أن يسقي هذه الناضحة ويعطيها طعامها قبل العشاء، لكن أدركه الوقت، فترك الناضح أو النواضح، ثم دخل في الصلاة مع معاذ. فاستفتح معاذ بسورة البقرة أو بالنساء، فلما رأى الرجل أن معاذًا سيتأخر، خرج من الصلاة وانفرد وصل وحده. فأخبر معاذ بذلك أن هذا الفتى خرج، فغضب معاذ وقال: «إن هذا لمنافق»، أن هذا الرجل ما خرج من الصلاة إلا لأن في قلبه نفاق. فلما سمع ذلك الفتى هذا الكلام، ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام واشتكى على معاذ. فلما جاء معاذ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتان أنت يا معاذ؟ إذا صليت بالناس، فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة». ولم يعنف النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الفتى. فجاء في رواية أنه تلطف له في القول، وقال له: «يا فتى، ماذا تقول في صلاتك؟» قال: «أقرأ الفاتحة وأسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، ولا أحسن دندنتك». ودندن معاذ، قال الكلام الذي تقولونه، ما أحسنه، أعرف الفاتحة أقرأها وأسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حولها ندندن». المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف هذا الفتى على خروجه من الصلاة، ولم يأمره بالإعادة. فدل على أن من خرج من الصلاة لعذر فصلاته جائزة. واستدل أيضًا شيخ الإسلام بصلاة الخوف، فأحد الكيفيات في صلاة الخوف التي جاءت في صحيح مسلم، في حديث خوات بن جبير، أنه قال: حدثني من شهد النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر نوعًا من أنواع صلاة الخوف، أن النبي صلى عليه وسلم صلى بطائفة ركعة، ثم استتم قائمة، ففارقته الطائفة هذه التي صلت معه، فارقوا النبي عليه الصلاة والسلام وصلوا ركعة وحدهم، ثم سلموا وخرجوا، وجاءت الطائفة الأخرى، وصلت مع النبي صلى عليه وسلم ركعة، ثم سلم النبي عليه الصلاة والسلام، فقاموا وصلوا وحدهم، بقيت أو معناه صلوا الركعة الثانية. فهنا الطائفة الأولى فارقت النبي صلى عليه وسلم، والنبي صلى عليه وسلم في الصلاة، فدل على أنه يجوز مفارقة الإمام للعذر. ولهذا قال: وأما إذا كان بغير عذر فهو يبطل الصلاة، لماذا؟ لأنه دخل في اقتداء، ثم فارق هذا الاقتداء، أنه دخل يقتدي بهذا الشخص الذي هو يصلي به الإمام، ثم فارقه بدون عذر، فارقه بدون عذر. فهذا معنى ذلك أنه قطع صلاته، قطع صلاة الجماعة. وإذا قطع صلاة الجماعة، معنى أنه قطع إمامته. ولهذا هناك أشياء في الإمامة تجد أنها أقل من هذا، يقال أنها لا تجوز أو أنها تبطل الصلاة، مثلًا إذا سابق الإمام، فعند كثير من العلماء أنه يبطل الصلاة إذا تعمد المسابقة. بل أيضًا كذلك إذا قارن عند جميع العلماء، أنه إذا قارن المأموم الإمام في تكبيرة الإحرام، فإن صلاته باطلة، أو تقدمه، أن يكبر قبل أن يكبر الإمام. أن بعض الناس مثلًا يأتي مشغولًا ويأتي ويصطف والإمام لم يكبر بعد، فتجده يكبر، فبعد ذلك يكبر الإمام، فهذا لا بد أنه يلغي التكبير ويكبر مع الإمام، لأنه لو استمر على التكبير الأول فصلاته باطلة. وكذلك أيضًا من اقترن تكبيره بتكبير الإمام، مثلًا الإمام استوى في الصلاة فكبر معه، بدأ بتكبيره معه، فقال أيضًا العلماء أو أكثر العلماء على أن صلاته غير صحيحة. فهذه أيضًا من باب أولى أنه ترك الجماعة التي اقتدى بها. فلهذا القول الصحيح في هذه المسألة أن من خرج من الصلاة بعذر شرعي، مثلًا أن يكون مثل هذا الرجل صلى مع إمامه، خرج وانفرد لأجل التطوع، ما استطاع أن يصلي، أو لأن عنده حاجة أمر ضروري، مثل سقيا أو إعطاء النواضح الماء والطعام، وكان هذا ضروريًا عند رعاة الإبل وغيرهم، أو غيرها من هذه الأمور التي قد تكون أكبر من هذا. فلهذا فيجوز إذا كان بعذر. وأما إذا كان بغير عذر لا يجوز. فهذا خلاصة هذه المسألة، والله تعالى أعلم.