الدرس في شرح كتاب التوحيد 65، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع بتوضيح حديث علي رضي الله عنه في صحيح مسلم، حيث يشرح معنى لعن الله من ذبح لغير الله. الحديث يشير إلى مسائل مهمة تتعلق بالذبح لغير الله.
يتناول هذا الجزء تحريم الذبح لغير الله واعتباره شرك وكفر، كما يبين خطورة لعن الوالدين. النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذه الأفعال الشنيعة.
يفصل هذا القسم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حول اللعن، مثل سب الوالدين وتغيير حدود الأراضي. هذه الأفعال محرمة وتستوجب اللعن حسب الشريعة.
يركز هذا الجزء على تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من تغيير حدود الأراضي، ويبين عواقب هذا الفعل. يُعتبر تغيير منار الأرض من المحرمات.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق كلامه على مسألة الذبح لغير الله، وقد أشرنا إلى أن المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام على ما يدل على حرمة وجرم هذا الفعل الشنيع أن يقدم المسلم على أن يذبح ذبيحة لغير الله قصدًا أو لفظًا. ومما استدل به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث الذي بين أيدينا، والذي قد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى مُحدِثًا، ولعن الله من غير منار الأرض». في هذا الحديث إشارة إلى أربعة مسائل، فقول علي رضي الله تعالى عنه: حدثني رسول الله بأربع كلمات، الكلمة في اللغة العربية بمعنى الجملة المفيدة، وهو الذي يعطي معنى. فكانت هذه الأربع الكلمات على النحو التالي: أولاها «لعن الله من ذبح لغير الله». اللعن هو الطرد، قال العلماء: وهو الطرد من رحمة الله جل في علاه، فالله قد طرد وأبعد من رحمته الخاصة من فعل هذا الفعل بأنه ذبح لغير الله. والذبح لغير الله سواء كان تقربًا وتعظيمًا، إما باللفظ كمن يهل عند ذبحه بغير اسم الله، أو لربما قد لا ينطق هذا بلسانه، لكن يكون هذا منويًا له في قلبه. فهذا لا يجد نفعًا، فما كان من نطقهم باسم الله هذا لا يغير ما كان في قلبه، فهو أراد غير الله سبحانه وتعالى، فقد وقع في الشرك. فالحاصل أن من أقدم على الذبح لغير الله فقد وقع في الشرك، وهو ملعون لقوله عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله»، فهو ملعون على لسان رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو مع كفره مستحق للعن كما قال ربنا: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فالكافر مع كفره يلعن، وذلك زيادة وإشارة إلى مدى بغض ومقت الله جل في علاه في حق هذا الصنف. فالشاهد إخواني في الله في قوله عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله» إشارة إلى جرم هذا الفعل. وهنا «لعن الله» إما إخبار بمعنى أنه قد لعن، فالنبي يخبر عن الله بأن الله قد لعن، أو يحمل هذا الحديث واللعن على الإنشاء بمعنى الطلب، أي أن الله يلعن من فعل هذا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من لعن والديه». من مبقات الأمور ومن عظائم الأعمال أنك تقدم يا عبد الله على لعن والديك. اللعن جريمة كبيرة ما يجوز، أنك تلعن أحدًا من المسلمين، فما ظنك إذا كان لعنك لأحد والديك الذين هما بالمقام السامي أن جعل الله حقهما بعد حقه، حق الوالدين بعد حق الله من الإجلال والإعظام. فإن اللعن للوالدين يدخل فيه اللعن المباشر، كأنك توجه لهم السب، ويدخل فيه كذلك اللعن غير المباشر. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه». قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». أي أن هذا الرجل الذي دخل في لعن الوالدين دخل من غير بابه المباشر. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من آوى مُحدِثًا». محدثًا أي من قام بالإحداث. وجاءت في لفظة «مُحدِثًا» بالفتح وبالكسر. قال العلماء: من أحدث في الدين بالابتداء مثل رجل من أهل الزيغ والبدعة والضلال، أفسد في دين الناس بما أدخل عليهم من الطقوس والمناسبات والتغيير والتبديل عقائد المسلمين، ثم أنت بعد ذلك تؤويه، تضمه إليك، تحميه، تذب عنه، أنت داخل في اللعن لأن النبي قال: «لعن الله من آوى مُحدِثًا». والوجه الثاني «لعن الله من آوى مُحدِثًا»، قال العلماء: من أحدث في الأمة بالجرائم، مثل رجل قتل أنفسًا، وفجر بعباد الله، أو فعل الفواحش كالاغتصاب والسرقات، فهو كما نسميه باللسان العصري فار أو هارب من العدالة أو مطلوب أمنيًا، ثم بعد ذلك أنت تؤويه إلى بيتك، إلى قبيلتك، إلى عشيرتك، إلى جماعتك، تجعل له الحراسة، تؤويه وتحميه مما أن لا يقام عليه شرع الله، هذا لا يجوز. ثم قال عليه الصلاة والسلام في حق الرابع: «ولعن الله من غير منار الأرض». منار الأرض قال العلماء: هي العلامات والدلالات الدالة على الحدود. فإذا قام أحد من الناس بتغيير المنارات، بتغيير العلامات، بتغيير الحدود، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الله لعنه. والحدود الأرضية إخواني في الله لا تختلف بحسب الأزمان بحسب الأماكن. فمن الناس من يضع الحدود عبارة عن جدران، منهم من يضع الحدود عبارة عن أعمدة، منهم من يجعل الحدود عبارة عن أركان. فإذا قام أحد من الناس بالتلاعب بهذه الحدود مثل أن يكسر أو أنه مع جمع أراضي طويلة الناس لا يتنبهون لها، لربما يأخذ من أرض أخيه فيقدم في الحدود فيدخل في أرض أخيه ويدعي أن هذه له، هذا من تغيير منار الأرض ما يجوز. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.