الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 228، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة، ومعنى العفو والعافية وأهمية سؤال الله المغفرة والتجاوز عن الذنوب. شروط مغفرة الله للذنوب وهي التوبة والإيمان والعمل الصالح.
أهمية طلب العافية في الدنيا والآخرة من الله، ومعنى العافية في الدين والأهل، والثبات على الدين والاستقامة. سؤال الله العفو والمغفرة والثبات على الحق.
شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للاستعاذة من المخاطر والابتلاءات، وسؤال الله العافية في الدين والأهل، وستر العورة، والأمن من الخوف والفزع. أهمية هذا الدعاء العظيم للمسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا الوليد بن صالح، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العافية في ديني وأهلي، أستر عورتي، وآمن روعتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن يساري، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي». هذا الحديث صحيح، مقصرح، الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه، كما سمعنا، دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام التي كان يدعو بها، فكان يدعو عليه الصلاة والسلام بقوله: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة». والعفو هو التجاوز عن الذنوب، والعافية أي السلامة من الآفات. فكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسأل الله عز وجل أن يعفو عنه، وأن يتجاوز عن ذنوبه. وما أحوجنا إلى مثل هذا الدعاء أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنا، فإنما من عبد إلا وهو يذنب ويخطئ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم». وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم». فالله سبحانه وتعالى يتجاوز عن ذنوب العبد، وهو جل وعلا الذي سمى نفسه بالغفور الرحيم، وبالغفار، وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى. وغفار صيغة مبالغة، أي كثير المغفرة. فالله عز وجل كريم ورحيم بعباده لمن تاب وأناب إليه. ولهذا قال: «وإني لغفار لمن تاب وأناب» لمن تاب من ذنبه وخطأه، وآمن وحقق الإيمان في قلبه، وكذلك ظهر أثر الإيمان في جوارحه، وهو العمل الصالح، وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى، استقام واهتدى على هذا الإيمان والعمل الصالح، فالله سبحانه وتعالى يغفر له ويعفو عنه. وهكذا كذلك تسأل الله عز وجل أن يعفو عنك في الآخرة، يومًا أن تعرض على الله سبحانه وتعالى، لا يخفى من عملك شيء. فالله سبحانه وتعالى يعلم أفعال عباده في ظاهرهم وفي سرهم، يعلم السر وأخفى. يوم تبلى السرائر، وتعرض أعمال العبد، كما جاء في الحديث في الصحيح، من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث عمر، وغيره، أن العبد يعرف على ربه سبحانه وتعالى، فيقرره الله عز وجل بذنوبه: عملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: رب أعرف. فإذا كان هذا العبد من أهل الإيمان وممن كتب الله عز وجل له المغفرة والرحمة، غفر الله سبحانه وتعالى له، غفر الله عز وجل له. قال: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم». وأما إن لم يكتب له المغفرة والعفو، فإنه يأخذ بما عمل من ذنوب وخطايا في الدنيا، وإن عقبه الله عز وجل، فإنه سيدخل النار. فإن كان من أهل التوحيد، فإنه لا يخلد فيها، يخرج منها إلى نهر الحياة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يكون مصيره إلى الجنة. فأن تسأل الله عز وجل أن يعفو عنك في الدنيا والآخرة. وهكذا تسأل الله عز وجل العافية في الدنيا والآخرة، السلامة من الآفات والشرور، من الأمراض والأسقام، من الابتلاءات والفتن. وكذا العافية في الآخرة من فتن الآخرة، فتنة القبر، وكذلك الفتنة النار والعرض والحساب إلى آخر ذلك. تسأل الله عز وجل أن يعافيك من آفات الآخرة وشرورها. «اللهم إني أسألك العافية في ديني وأهلي»، كذلك تسأل الله عز وجل العافية في دينك وأهلك، وهذا تخصيص بعد عموم. فقولك: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة» يدخل فيه الأهل والدين، لكن خصص بالذكر لمزيد أهمية. فتسأل الله عز وجل العافية في دينك، أن يسلمك الله سبحانه وتعالى في دينك، فلا تفتن في دينك، سواء كانت فتنة شبهات أو فتنة شهوات. فمن الناس من ربما يفتن في دينه بفتن الشبهات، فتن البدع والمحدثات. وهكذا أيضًا من يفتن في دينه بفتن الشهوات، سواء شهوة النساء أو المال أو الدنيا أو غير ذلك من فتن الشهوات التي تصرفه عن التمسك بدينه، التمسك الحق. فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافيك في دينك. «اللهم إني أسألك العافية في ديني»، لأنك لا تضمن على نفسك الاستقامة والدوام عليها وعدم الانحراف. فأنت معرض لذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور»، يعني من الانحراف بعد الاستقامة. وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وهكذا: «يا مصرف القلوب صرف قلبي لطاعتك». كان يسأل ربه جل وعلا الثبات. فإذا كان هذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله الذي غفر الله سبحانه وتعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فغيره أولى، غيره أولى أن يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يثبته على دينه وعلى الحق. فلذلك ينبغي أن يعلم الإنسان، مهما بلغ في الدين والاستقامة، أنه ضعيف وفقير إلى الله سبحانه وتعالى. ولولا فضل الله سبحانه وتعالى عليه لزاغ وانحرف. فلذلك ينبغي أن يكون دائمًا في لجوء إلى الله سبحانه وتعالى وإنابة وتضرع وخوف وخشية من الله عز وجل. وهكذا كذلك سؤال العافية في الأهل: «اللهم إني أسألك العافية في ديني وأهلي»، أي السلامة، أن يسلمهم الله سبحانه وتعالى من الآفات والشرور، سواء كان من أمراض أو ابتلاءات أو فتن، كذلك تصرفهم عن الحق أو غير ذلك. قال: «أستر عورتي وآمن روعتي». العورة سوءة الإنسان، وكل ما يستحيى منه فهو عورة. وهذا يشمل سوءة الإنسان، وما يستحيى منه أن يسترها الله سبحانه وتعالى. ويضل في ضمن ذلك كذلك الأهل، وكذلك نساء الشخص، فإنهم عورة بالنسبة له. فهو يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يسترهم وأن يحفظهم. قال: «وآمن روعتي»، أي آمني من الخوف. والروعة هو الخوف والفزع. وهذا سؤال كذلك للأمن من الفزع والخوف مما يخيف الإنسان من ابتلاءات أو من مصائب كعقوبات التي ينزلها الله سبحانه وتعالى على العباد، فتخيفهم من زلازل وعواصف وغير ذلك. فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يؤمنك، أو كذلك من اعتداء عدو وتسلط الكفار على أهل الإسلام. فتسأل من الله سبحانه وتعالى أن يؤمنك. «وآمن روعتي» أن لا يحصل لك خوف وفزع. قال: «واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن يساري ومن فوقي». من بين يدي يعني من أمامي، وهكذا من سائر الجهات. فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظك. وقوله: «واحفظني» يشمل كل ما فيه معنى الحفظ، كل ما فيه معنى الحفظ، وهو يشمل كذلك الحفظ في الدين وفي الدنيا. يحفظك في دينك بأن لا تبتلى وتفتن في دينك. وهكذا يحفظك في دنياك بأن لا تفتن بشيء من الدنيا، وأن لا يصيبك شيء كذلك من المصائب التي تعرض على الإنسان من فوقه أو من أمامه أو من خلفه أو عن يمينه أو عن يساره. وهكذا. «وأعوذ بك أن أغتال من تحتي». ومعنى أغتال أي أن أوخذ بغتة، أن يأتيه عذاب الله سبحانه وتعالى بغتة. وفسره بعض السلف، كوكيع، بأنه الخسف، بأنه الخسف، أي أن يخسف الله سبحانه وتعالى بك، كما يحصل ذلك لكثير ممن كفر بالله سبحانه وتعالى وكذب بالله جل وعلا ورسله، فيعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالخسف، أن يخسف الأرض من تحتهم. فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى ألا يقع ذلك بك. «وأعوذ بك أن أغتال من تحتي». فهذا الدعاء العظيم كان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام التي كان يدعو بها، كما قال ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو». وهذا يدل على استمراره عليه الصلاة والسلام على هذا الدعاء. فينبغي على المسلم أن يحرص على مثل هذا الدعاء، فيدعو الله سبحانه وتعالى به. فنسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ونسأله جل وعلا العافية في ديننا وأهلنا، وأن يستر عوراتنا، ويؤمن روعاتنا، وأن يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن يميننا وعن يسارنا، ومن فوقنا، ونعوذ به جل وعلا أن نغتال من تحتنا. والله تعالى أعلم.