وقفات مع آيات سورة القدر 1

الدرس في وقفات مع آيات سورة القدر 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

افتتاحية الدرس وفضائل نزول القرآن في ليلة القدر

استهل المحاضر الدرس ببيان فضائل ليلة القدر مستدلاً بسورة القدر، موضحاً أن أعظم فضائلها نزول القرآن الكريم فيها وتعظيم الله لشأنها بقوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. كما بين أسلوب التفخيم القرآني في وصفها ومقارنتها بيوم القيامة ومكان عليين، مؤكداً أنها خير من ألف شهر.

تحديد وقت ليلة القدر في العشر الأواخر وترجيحات العلماء

انتقل المحاضر إلى تحديد زمان ليلة القدر مبيناً أنها تُطلب في الليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان، مع ترجيح ليلة السابع والعشرين. ونقل عن ابن حجر العسقلاني القول بأنها تنتقل بين الليالي الوتر كل عام، محثاً على الاجتهاد في العبادة طوال العشر لإدراكها.

خاتمة الدرس والتحريض على قيام ليلة القدر وإعلان الدرس القادم

اختتم المحاضر الدرس بتأكيد فضل ليلة القدر بأنها خير من ألف شهر، داعياً المسلمين إلى الاجتهاد في قيامها وتحريها لنيل عظيم الأجر. وأعلن استكمال تفسير السورة في درس قادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فقد انتهينا من بعض الوقفات في آيات الصيام، وآخر ما تكلمنا عنه قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وكما تقدم أن إنما شرع الاعتكاف من أجل الاجتهاد والتفرغ لطاعة الله عز وجل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان تحريًا لليلة القدر، وكان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، كما في حديث عائشة في صحيح مسلم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر أحيى ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره، كنايةً عن الجد والاجتهاد في الطاعة والعبادة. وكل ذلك كما تقدم تحريًا لليلة القدر. فناسب أن نأخذ الآيات ونقف عندها وقفات في الآيات التي وردت في ليلة القدر، ومنها سورة القدر، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. هذه السورة الكريمة اشتملت على فضائل متعددة لليلة القدر. الفضيلة الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. والضمير هنا يرجع إلى القرآن، فالقرآن الكريم هذا الكتاب الذي فيه هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة أنزل في هذه الليلة المباركة، الليلة العظيمة، ليلة القدر، فلا شك أن هذه فضيلة عظيمة. والفضيلة الثانية: في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. هذا الأسلوب في اللغة العربية يسمى أسلوب التفخيم والتعظيم، فعظم الله سبحانه وتعالى هذه الليلة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، فعظم ذلك اليوم يوم القيامة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾، فعظم ذلك المكان العظيم الذي هو موضع أهل الإيمان وأهل التقوى. وهكذا في هذه السورة عظم هذه الليلة وقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، والمعنى أنها ليلة عظيمة. ثم الفضيلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أي أن العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر. وقد حسب العادون هذا العدد، ألف شهر، فكان ذلكم العدد ما يقارب ثلاثة وثمانين سنة، عمر كامل، كأنك تعمل فيه هذه العبادة وهذه الطاعة إذا أدركت العمل الصالح في هذه الليلة. انظروا إلى فضل الله عز وجل، وإلى كذلك ما يمن الله سبحانه وتعالى به على أهل الإيمان، جعل لهم هذه الليلة، العمل الصالح فيها يعدل عبادة ألف شهر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. ولا شك أن هذه مزية وخاصية عظيمة ينبغي على المسلمين أن يتحروها، وأن يجتهدوا في تلك العشر رجاء أن يدركوها. نعم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أخبر في أحاديث كثيرة أن ليلة القدر إنما هي في العشر الأواخر من رمضان، كما في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، رواه الإمام البخاري في صحيحه. وهي في السبع الأواخر من تلك العشر أقرب وأرجى، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت - يعني اتفقت - في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»، متفق عليه. وهي كذلك أقرب وأرجى تلك الأوتار ليلة السابع والعشرين من رمضان، لحديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، هي ليلة سبع وعشرين»، والحديث في صحيح مسلم. وليس معنى هذا أن هذه الليلة معينة لا تكون إلا في ليلة في جميع السنوات، وإنما كما ذكر الحافظ ابن حجر بعدما ذكر أقوالًا كثيرة لأهل العلم قال: وأرجح الأقوال أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، يعني لا تكون في ليلة واحدة في جميع الأعوام، وإنما قد تكون في عام ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في عام آخر ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون ليلة سبع وعشرين، وهكذا تنتقل، ولا تكون في ليلة واحدة. المهم: لعل الحكمة من عدم تعيين هذه الليلة أن يجتهد المسلم في جميع هذه العشر حتى يصيبها ولا محالة. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فالمسلم يجتهد كي ينال هذه الفضيلة. طيب، نكمل ما بقي في ما يتعلق بهذه السورة في درس قادم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.