وقفات مع آيات سورة القدر 2

الدرس في وقفات مع آيات سورة القدر 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضائل ليلة القدر: نزول الملائكة وسلامتها

يوضح المقطع الفضيلتين الرابعة والخامسة لليلة القدر بنزول الملائكة وعلى رأسهم جبريل عليه السلام دلالة على عظيم شأنها. كما بين أن قوله تعالى «سلام هي» يعني سلامتها من العقاب والآفات بفضل طاعة المؤمنين فيها.

انتهاء ليلة القدر وفضائلها الست في سورة القدر

تحدد الآية الكريمة نهاية ليلة القدر بطلوع الفجر مما يحث على الاجتهاد في ليالي العشر الأواخر لا نهارها. وتستعرض السورة ست فضائل للليلة منها نزول القرآن وتعظيم شأنها وكونها خيرا من ألف شهر ونزول الملائكة وسلامتها من الآفات وإنزال سورة كاملة في فضلها.

فضل قيام ليلة القدر وأجر المغفرة

روى الحديث الصحيح أن من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه سواء علم بها أم لم يعلم. كما بشر النبي ﷺ أصحابه بقدوم رمضان وفيه ليلة خير من ألف شهر ومن حرم خيرها بالتفريط فقد حرم خيرا كثيرا.

التحري والاجتهاد لنيل فضل ليلة القدر

يحث المقطع المسلم على تحري ليلة القدر والاجتهاد في الطاعات خلالها لئلا يكون من المحرومين. ويختتم بالدعاء بأن يوفق الله لإدراك هذه الليلة المباركة ونيل خيرها العظيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الماضي الكلام على تفسير ووقفات مع آيات سورة القدر، لما لها من تعلق بتلك الليلة المباركة التي قارب قدومها، وكذلك العشر الأواخر منها. فأخذنا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وقلنا: هذه الآيات الثلاث تضمنت ثلاث فوائد، وثلاث فضائل لليلة القدر. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾. أي أن الفضيلة الرابعة لليلة القدر: أن الملائكة تنزل فيها، تنزل فيها. ولا شك أن الملائكة لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة. وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، والمراد بالروح هو جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة. ولكن هذا -يقول العلماء- من باب ذكر الخاص بعد العام، وذكر الخاص بعد العام يدل على الاهتمام. فمعنى ذلك: أن الملائكة تتنزل، بل ويتنزل من الملائكة جبريل عليه السلام، الذي هو من أجل الملائكة ومن أرفعهم منزلة عند الله عز وجل. فلا شك أن هذه فضيلة عظيمة: كون هذه الليلة تتنزل فيها الملائكة، بل وأفضل الملائكة وهو جبريل عليه السلام، الموكل بنزول الوحي من السماء على أنبياء الله ورسله. والفضيلة الخامسة في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾. ومعنى "سلام": أي أنها سالمة، لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب، وذلك بما يقوم به العبد من طاعة الله سبحانه وتعالى. فهذه الليلة سالمة من الآفات، وسالمة من العقوبات والعذاب، بما يقوم به العبد المؤمن من طاعة الله سبحانه وتعالى. فوصفها الله عز وجل بالسلامة، وصفها الله سبحانه وتعالى بالسلامة. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. و"حتى" هنا تفيد الغاية، فقال العلماء: إن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر. فإذا طلع الفجر انتهى وقت الليلة، انتهى وقت الليلة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. إلى مطلع الفجر. ولذلك في تلك العشر الأواخر من رمضان، إنما يستحب الاجتهاد والإكثار من الطاعة في الليالي، لا في الأيام، يعني: لا في النهار، إنما هو في الليل. إنما هو في الليل. فتبتدئ الليلة من غروب الشمس، تبتدئ الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. فإذا طلع الفجر انتهت الليلة، لهذه الآية: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، إلى مطلع الفجر. فلا شك أن هذه فضيلة عظيمة. فالمهم أن هذه الآية -أو هذه السورة- اشتملت على هذه الفضائل الخمس، على هذه الفضائل الخمس. فهذه الفضائل الخمس: الأولى: أن الله أنزل القرآن فيها. الثانية: أن الله عز وجل عظم وفخم من شأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. الفضيلة الثالثة: أنها خير من ألف شهر. والفضيلة الرابعة: أن الملائكة تتنزل فيها. والفضيلة الخامسة: أنها سالمة من كل الآفات، ومن كذلك العقاب والعذاب، بما يقوم به العبد من الطاعة. وذكروا، وذكروا فضيلة سادسة لهذه السورة، وهي: أن الله عز وجل -أو لهذه الليلة من هذه السورة- ذكروا فضيلة سادسة لهذه الليلة من هذه السورة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى أنزل في فضلها سورة كاملة. انظروا: ليلة واحدة، ربنا سبحانه وتعالى أنزل في فضلها سورة كاملة، وهي سورة القدر، وهي سورة القدر. فهذا كذلك يدل على فضلها. وهكذا هذه الليلة، جاء في فضلها كذلك أحاديث أخرى تدل على فضل هذه الليلة. فمن تلك الأحاديث: ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». انظروا: ليلة واحدة يقومها العبد، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه. قال العلماء: وهذا الغفران حاصل لمن علم بها، ومن لم يعلم بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث لم يشترط العلم بها. ما قال عليه الصلاة والسلام: "من قام ليلة القدر عالماً بها إيماناً واحتساباً". لا، لم يأتِ قيد في هذا الحديث. فقال العلماء: سواء كان ذلكم المجتهد وذلكم المتعبد أدرك هذه الليلة عالماً بها، بما يظهر من علامات لهذه الليلة -ولعلنا في درس قادم نذكر بعض هذه العلامات- أو لم يعلم بها، وإنما يتعبد الله عز وجل رجاء أن يدرك هذه الليلة، فأدركها دون أن يعلم بها، فإنه كذلك ينال هذه الفضيلة. وهكذا مما جاء في فضيلة هذه الليلة: ما جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم رمضان كان يبشر أصحابه بقدومه، فيقول: «لَقَدْ أَتَاكُمْ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيرَانِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ». من حرم خيرها فقد حرم. فهذا الحديث فيه أولاً: موافقة لما جاء في سورة القدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وزيادة قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ». أي: من حرم خير هذه الليلة بالتفريط وعدم الاجتهاد فيها، والتقرب إلى الله عز وجل بأصناف وأنواع العبادات، فإنه المحروم حقاً، فإنه المحروم حقاً. من حرم خيرها فقد حرم، من حرم خيرها فقد حرم. وهذا ينبغي، ولهذا ينبغي للمسلم أن يتحرى هذه الليلة، وأن يجتهد فيها بالطاعات، حتى لا يكون من المحرومين، حتى لا يكون من المحرومين. اللهم لا تجعلنا من المحرومين، ووفقنا لإدراك هذه الليلة المباركة، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.